10‏/10‏/2006

نقاط قوة الفكر الديني


كيف استطاع الفكر الديني الصمود عبر آلاف السنين، ليس الصمود فقط، بل الازدهار والانتشار بين الناس بالرغم من كثرة المفكرين المتنورين الذين حاولوا التصدي له ؟
كيف أثبت قدرته على البقاء في وجه تطور العلم ؟
كيف عاد ليطل برأسه من جديد في كل مكان غاب فيه لفترة ؟

سأحاول في هذا المقال تسليط الضوء على العوامل التي جعلت الفكر الديني من أكثر الأنماط الفكرية قوة واستعصاء على المحاربة، وقبل أن أبدأ لا بد من الإشارة إلى أنه في الكثير من الأحيان تكون قوة فكرة معينة واستعصاءها على الإزالة من ذهن الناس لا علاقة لها بصحة هذه الفكرة من عدمها، بل لها علاقة بملائمة هذه الفكرة لحاملها، أي الإنسان ودماغ هذا الإنسان تحديدا والطريقة التي يعمل بها.

فعلى سبيل المثال تحب الغالبية الساحقة من الأمهات أولادها وستظل تحبهم وتلتمس لهم الأعذار مهما فعلوا حتى ولو كانوا من عتاة المجرمين والقتلة، وسترفض الأم الدلائل على إدانة ولدها حتى لو كانت في وضوح الشمس، وتتعلق بحبال الهواء لتصدق براءته، وحتى إذا صدقت إدانته ستلتمس من الناس تخفيف عقوبته، وترمي اللوم على ظروفه ومجتمعه إلخ...
وهذا طبيعي ومعروف بل وحتى مقبول، ليس لأنه صحيح منطقيا وعقليا، بل لأن دماغ الإنسان تم تشكيله عبر مئات ملايين السنين من التطور كي يحمي صغاره ويعطيهم أكبر فرصة في التكاثر وحفظ النوع والجينات، أما المنطق والعقل فقد أتى في مرحلة لاحقة كثيرا على ذلك ولم يبدأ في لعب دور يذكر في تكوين العقل البشري إلا منذ فترة لا تتعدى آلاف السنين ولا تشكل نسبة تذكر بالمقارنة.

وإذا تركنا المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي في مثال آخر، فالشعوب الغازية تلتمس الأعذار لنفسها دوما في عدوانها، ولا تعتقد أنها مخطئة في قتل وطرد شعوب أخرى وسرقة خيراتها، وتكون المبررات تارة دينية، وتارة أخرى لمحاربة الشيوعية وثالثة لنشر التقدمية والاشتراكية ورابعة لفرض الديمقراطية وخامسة قومية وهكذا.
بإمكانك مناقشة الإسرائيلي العادي قدر ما تشاء بالحجة والمنطق في أنه شرد شعبا وسرق أرضه، هل ستقنعه ؟
بإمكانك مناقشة العروبي العادي قدر ما تشاء بحق الأكراد في تقرير مصيرهم، هل تتوقع نتيجة إيجابية ؟
وهذا طبيعي ومعروف ومقبول أيضا لأن الإنسان في النهاية مبرمج كي يدافع عن مجاله الحيوي Territory مثل أي أسد أو نمر شاب يطرد سابقه العجوز كي يستولي على حيز الصيد الخاص به بدون أن يلقي بالا إلى الأخلاق والحق التي لا تلعب أي دور في صراع البقاء.
ما تغير فقط هو أن هذا الإنسان يريد تبرير عدوانه وإقناع نفسه قبل الآخرين أنه على حق بعد دخول مفاهيم الحق والعدل – المحدثة كثيرا – على الساحة.

وفي هذا السياق يبدو الفكر الديني من أكثر الأنماط الفكرية قوة ومنعة، ولعله ليس من قبيل المصادفة تواجده بشكل أو بآخر في الغالبية الساحقة من المجتمعات البشرية حتى المعزولة منها، وسأبين في هذا المقال ما يجعله بهذه القوة.

1 – الخوف:
الإنسان ضعيف، يمرض ويموت، تصيبه الكوارث الطبيعية والجائحات، تحرقه الشمس ويلذعه البرد. وقد بدأ الدين بعبادة قوى الطبيعة لاتقاء شرها وتخفيف أذاها، وبرزت الحاجة له للاحتماء بقوى تخيلية ترد عنه الطبيعة في غياب قوى حقيقة تستطيع ذلك.
ولعل الخوف من الموت هو العامل الأقوى في الفكر الديني، فمنذ بدأ دماغ الإنسان يعي وجوده، أدرك أن الموت هو النهاية الحتمية، ولم يستطع بشكل من الأشكال تقبل هذه الفكرة على بساطتها، ولجأ أولا إلى الآلهة لإطالة حياته قدر الإمكان بكف أذاها عنه وإعطاءه ما يأكله وبشربه، ولكن لطول الحياة حدود مهما امتد، وبالتالي اضطر نظرا لغروره ورفضه فكرة الموت، أن يلجأ إلى هذه الآلهة مرة أخرى ويجعلها تحييه إلى الأبد هذه المرة لكن ليس هنا، بل في مكان لا يوجد فيه معاناة ولا ألم ولا تعب ومشكلته الوحيدة أنه موجود فقط في ذهن الناس وليس في الحقيقة.
قارن هذا بكلام الإلحاد البارد عن أن الطبيعة لا تحفل بنا ولا تهتم بسعادتنا أو تعاستنا وأن الموت هو النهاية المطلقة للكائن الحي، ماذا تفضل ؟
وبرغم آلاف السنين من التطور العلمي والعقلي، لا يزال الإنسان ضعيف ولا يزال يمرض ويموت، وهذا لن يتغير، وهنا أيضا يحارب العلم والمنطق موروثا جينيا في حب الحياة عمره مئات الملايين من السنين وأثبت فعاليته، ولذلك لا أتوقع أنه سيأتي يوم تزول فيه الأديان والتفكير الغيبي مهما امتد الزمان وإن تطورت وتغيرت مع رقي وثقافة متبعيها.

2 – ظلم الحياة: لن آت بجديد ولن أتوقع آهات الإعجاب على قوة ملاحظتي إذا قلت أن الحياة لم ولن تكون عادلة، فنحن لا نختار مكان وزمان ولادتنا ولا جنسنا ولا جمالنا ولا صحتنا ولا مقدار ذكائنا، ولا ثروة والدينا إلخ ..

وعندما ننظر إلى صور الأطفال الأفريقيين المساكين الذين يتضورون جوعا والذين عبست الدنيا في وجههم وسدت الآفاق عليهم، أو الأطفال العراقيين المنكوبين بأهلهم من جراء العنف المجنون أو الفتيات الصغار اللواتي يبعن للدعارة في الشرق الأقصى، وننظر في المقابل للأطفال الأثرياء المتوردي الوجوه الضاحكين الذين يعتبرون أن الملاعب الفسيحة الخضراء والألعاب والتعليم الجيد والعناية الصحية والأهل المحبين والخدم والسيارات كلها أمر طبيعي وحق مكتسب بالولادة لا جدال فيه.

عندما نرى الأثرياء يرفلون في النعيم والفقراء يكدحون من مطلع الشمس إلى آخر الليل كي يحصلوا على لقمة الكفاف المغمسة بالدم.
وعندما نرى القتلة والظلمة واللصوص يتمتعون بنتائج إجرامهم وضحاياهم المعذبة تتطلع إليهم بعجز وانكسار.

عندما نكون في الطرف الضعيف أو المستضعف ونرى كل ذلك، ألا نريد أن نسمع أنه يوجد من سينصفنا ؟ ألا نريد أن نصدق أنه في النهاية سنحصل على حقنا وزيادة ؟
هل نريد أن نسمع أو نصدق من يقول لنا أننا سنموت وأن ظالمنا سيموت وأن هذا سيكون نهاية كلينا وأن حقنا سيموت معنا ولن يتحقق العدل أبدا ؟
هل توجد حقيقة ضرورة لأن يثبت من يخدرنا بكلامه عن العدل المفترض طروحاته ؟ ألا يسمعنا ما نريد أن نسمعه ؟ ما قيمة البراهين أمام الراحة النفسية ؟

لا أدري كم مرة سمعت في مناقشاتي مع الدينيين صيغا مختلفة من عبارة:
"هل من المعقول ألا تتم معاقبة الظالم ومكافئة المحسن ؟"

وكان جوابي - غير المقنع بالنسبة لهم غالبا - دوما هو: هل إذا نظرت إلى طير في السماء وحسدته على قدرته على الطيران، هل يصبح من الواجب أن ينبت لي جناحين كي أفعل مثله ؟ ويصبح من غير المعقول عدم حدوث ذلك ؟؟
من أين أتيتم أن الحياة يجب أن تكون عادلة ؟
لماذا على الكون أن يراعي مشاعرنا ؟
هل يوجد برهان على ذلك سوى تخيلات الإنسان وما يطلق عليه Wishful Thinking ؟

انظروا في صراع الحياة بين مختلف الكائنات الحية، هل ترون أثرا لشيء اسمه عدل أو حق ؟
عندما تلعب القطة بفريستها المسكينة وتعذبها لفترة طويلة قبل قتلها، هل يوجد إله سينتقم من القطة لقسوتها ؟
هل سينتقم الإله من الأسد حين يقتل الأشبال المولودين من غيره عندما يصبح الذكر المسيطر ؟

وبإمكاني أن آتي بعشرات الأمثلة عن قسوة الحياة وعبثيتها لولا خوف الإطالة والإملال. لماذا البشر استثناء من كل الكائنات الحية يجب أن يكون لهم عدالة ؟ هل لأنهم واعين وعقلهم متطور أكثر من بقية الحيوانات ؟ أين يوجد إثبات العلاقة السببية بين الوعي والعدالة ؟؟

الجواب المنطقي على التساؤل الديني هو: طبعا معقول، لن تتم معاقبة الظالم إلا على الأرض وفي حياته ولن تتم مكافأة المحسن إلا على الأرض وفي حياته، والموت هو نهاية كليهما، نقطة انتهى. وما عدا ذلك ما هو إلا تمنيات وأوهام وأحلام نريد أن نقنع بها أنفسنا للعزاء لا أكثر ولا أقل. كلام جاف ومزعج ومؤلم، ولكن للأسف لا يوجد في العلم والمنطق أثر لكلمات مثل الراحة والسعادة والعزاء، بل الحجة والدليل والبرهان فقط.

يمكنني أن ألخص النقطتين السابقتين باختصار: الدين يسمعنا ما نريد سماعه، وعندما نسمع ما نريد سماعه لا ندقق كثيرا على البراهين والحجج، بل ونتجاهل حتى الحجج المعاكسة أيضا إذا لزم الأمر. ويلعب على هذه النقطة بالذات حواة وسحرة الإعجاز العلمي بنجاح منقطع النظير.

وكما لا أتوقع أن يزول الموت في يوم من الأيام، كذلك الأمر بالنسبة للظلم، ومعهما بالطبع الفكر الديني.

3 - الأجوبة الشاملة والسهلة: الإنسان حيوان فضولي يحب أن يعرف كل شيء، ومنذ وعى نفسه بدأ يطرح الأسئلة حول ماهية الوجود ومن هو وكيف أتى ولماذا يموت إلخ ..
وهذه الأسئلة وجيهة أولا وغير سهلة على الإطلاق ثانيا، وبكل تأكيد كانت تتجاوز فكر وقدرة استيعاب الإنسان البدائي الذي بدأ بطرحها، وفي غياب أي علم يستطيع تقديم أي إجابة ملأ الدين الفراغ فورا نظرا لأنه يقدم إجابات عوضا عن اللا أدري الإلحادية الوحيدة الممكنة في ذاك الزمن.

لا أدري كم مرة سمعت الأسئلة التالية وأمثالها (وأشهرها بلا منازع أولها):
- من خلقك ؟
- كيف خلق الكون ؟
- من أين أتيت وأين ستذهب بعد الموت ؟
- ما هي الغاية من حياتك ؟

وبصرف النظر أن كل هذه الأسئلة مغالطات منطقية في المقام الأول ولا يمكن الرد عليها أصلا، حيث أن الصيغ الصحيحة لها هي:
- ما تفسير وجود الإنسان ؟
- ما تفسير وجود الكون ؟
- هل توجد كينونة لوعي للإنسان سابقة لولادته وتستمر بعد موته ومستقلة عن جسده المادي ؟
- هل توجد غاية من حياة الإنسان ؟

بصرف النظر عن ذلك، نجد أن رجال الدين ليس فقط يطرحون هذه الأسئلة التي قد تبدو وجيهة للإنسان العامي، بل لديهم الإجابات أيضا !!
وليس أي إجابات، بل إجابات سهلة وبسيطة أيضا يمكن أن يفهمها أي شخص بغض النظر عن ثقافته وعلمه واطلاعه !!

كلمة واحدة سحرية من أربعة أحرف (بالعربية، فكل مجموعة كهنة لها إلهها الخاص) تحل كل الإشكالات وتزيل كل لبس وغموض: الله !!

قارن سهولة ذلك مع الأوتار الفائقة واللاتناظر والفقاعات الكونية والطفرات والضغوط التطورية وشيفرة الدي إن إيه وما إلى ذلك من كلام مبهم وغامض لا تفقه الغالبية الساحقة من الناس منه شيئا !!

صحيح أنه توجد نقطة ضعف صغيرة للغاية في الكلمة السحرية وهي أن الكاهن أعفى نفسه من تفسير وجود هذا الله نفسه وهكذا فسر الماء بعد الجهد بالماء، بل أتعس بكثير إذ فسر الوجود المعقد بفرضية أعقد من الوجود نفسه بكثير وليس لها تفسير بدورها.

لكن هذه النقطة البسيطة يمكن الالتفاف حولها بسهولة بالخطابة التقريرية الصارمة عن استحالة التسلسل منطقيا ووجوب الاستعاذه بالله نفسه عند السؤال عن تفسير وجوده !!
وبالنسبة للمتذاكين من هواة الفلسفة والجدل الذين لا يقتنعون بسهولة، تم تدبير الأمر بالكلام المبهم (والفارغ) عن الواجب والممكن والمستحيل ووجوب الله ووجوب صفاته واستحالة وجود غيره إلخ ...

وبرغم من أن هذا الكلام لا يمكن أن يقنع شخصا واعيا فهذا ليس مشكلة على الإطلاق، إذا أن الخطاب الديني ليس موجها لهذا الشخص أصلا ولا يتوقع اقتناعه في أي حال، لكن الهدف منه هو الدخول مع اللاديني العنيد في حوار فلسفي لا تفقه العامة فيه من حجج الطرفين شيئا وتعتمد على ثقتها بعلم الكاهن وقدسيته في تصديقه أكثر بكثير مما تعتمد على صدق براهينه المعقدة وقوة حجته.

وهكذا يبدو الاختيار للإنسان العامي بين شخص قديس ذو لحية طويلة وعمامة أو صليب كبير تنم جميعا عن سعة العلم والتبحر في الفهم، يعطيه إجابات سهلة ووافية و"منطقية" يمكن أن يفهمها،
وبين شخص آخر غالبا بلا لحية وبلا ادعاء قدسية يعطيه إما أجوبة مضحكة مثل أن الإنسان أصله قرد أو سمكة !! تصور !! شيء غريب فعلا عقل هؤلاء الملاحدة !!
أو يعطيه أجوبة مبهمة وغامضة لا تقنع عاقل عن اللاتناظر والأوتار الفائقة كي يميع الموضوع ..
أو ثالثة الأثافي والطامة الكبرى وقاصمة الظهر يجيب لا أعرف !! تصور جهل هذا المتعالم الذي يبني اعتقاده على الظنون !! تصور فقط !! الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا !!

فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن الكاهن يدعم كلامه بقليل (وأحيانا بكثير) من سياسة العصا والجزرة والوعد والوعيد بالإضافة إلى الحجة، وهذا يخلو منه حديث مدعي العلم المتذاكي البائس تماما حيث لا يعدك بشيء إن صدقته ولا يهددك بشيء إن لم تفعل، وفي هذه الحالة الأسلم طبعا هو اتباع الكاهن والمراهنة على المضمون، فإن صدق الكاهن فزنا وإن لم يصدق لم نخسر !!

إذا أخذنا ذلك كله بعين الاعتبار، بأمانة من ستصدق ؟
من صاحب الفكر الأقوى ؟
من يمكنه مقاومة بساطة وإعجاز البعر والبعير ؟

4 – الإرهاب:
ولا أقصد هنا بالطبع إرهاب القاعدة وأمثاله، بل طريقة التفكير التي تعتمد التخويف والإقصاء في الإقناع عوضا عن المنطق والحجة. وهنا سأخصص قليلا وأناقش بشكل رئيسي الأديان الابراهيمية الثلاثة التي يدين بها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، وسأخصص أكثر بالإسلام تحديدا الذي لا يزال مع الأسف مستعصيا حتى الآن على المصالحة مع الحضارة وبقية النظم الفكرية.

أبدأ بشرح هذه النقطة من مبدأ أن الإنسان يخلق الإله على شاكلته، وتتغير حتى صفات الإله الواحد حسب المزاج العام لأتباعه.
فالبدوي في معيشته القاسية في الصحراء تحرقه الشمس ويقرصه البرد ويعضه الجوع، وحيث تكون الخيارات عادة أمامه هي "إما قاتل أو مقتول" وتمثل القبيلة والجماعة له الانتماء الكلي وفرصة الحياة الوحيدة، هذا البدوي يخلق إله على شاكلته، قاسيا، جلفا، عشائريا، غيورا، محدود الأفق ولا يتحمل العصيان.
والحضري المتنعم في الحياة، الميسور الحال، الذي يملك وقتا من الفراغ يستغله في الفنون والشعر والعلم وتقدير الجمال بعيدا عن الصراع اليومي لانتزاع لقمة العيش، يخلق إله مثله، يعيش ويدع غيره يعيش، متسامح، رحيم، لا يهمه فرض طاعته على الجميع ولا يضيق ذرعا بالاختلاف.

وكي لا نتكلم في المجردات، لنعقد مقارنة بين إله المسيحية الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين حيث يتغنى المسيحيون على أنغام القيثارة وزقزقة العصافير بحب المسيح للبشر ومغفرته ورحمته وملكوته وفدائه إلخ، وبين نفس هذا الإله بالضبط قبل 900 سنة زمن الحروب الصليبية، الإله الذي كان لا يرتوي من الدم والذي لا يرضى إلا بإبادة أعداءه عن بكرة أبيهم نساء وأطفالا ورجالا، شيبا وشبانا وتدمير مدنهم وحرثها بالملح.

من هو إله المسيحية الحقيقي ؟ الجواب هو كلاهما، فهذا الإله ليس إلا فكرة في العقل الجمعي لأتباعه وبالتالي يتغير مع تغير هذا العقل الجمعي. وعندما تنعم المسيحيون الأمريكيون والأوروبيون بالحضارة والعلم وتحسنت أحوالهم المادية بدأت تخف غلواء إلههم خصوصا بعد تقليم أظافره من قبل المد العلماني، وبرأيي أن تسامح المسيحية الحالي لا يرجع إطلاقا إلى تعاليمها الرحيمة التي أعاد المؤمنون اكتشافها بعد أنهر الدم التي أسالها أجدادهم بل إلى ضعفها أولا وترقي معتنقيها ثانيا، لا أكثر ولا أقل.

يلعب الإرهاب والتخويف دورا أساسيا في الأديان الإبراهيمية، وإذا اعتبرنا للتبسيط أن اليهودية البدوية والمسيحية هما عمليا شيء واحد كونهما تتشاركان في العهد القديم، وأن الإسلام ليس إلا نسخة منقحة ومعدلة عن اليهودية الصحراوية القاسية، نستطيع أن نفهم أن الإله الإبراهيمي عمليا ليس إلا شيخ عشيرة بدوي، فهو:
– له أمة خاصة به (أمة بمعنى جماعة وليس بمعنى nation المحدث) وينظر إلى الدنيا من منظار: نحن وهم.
– لا يوجد بالنسبة له شيء اسمه اختلاف أو رأي آخر أو حرية على الإطلاق، وهذا طبيعي إذ أن كل هذه المفاهيم لم تكن حتى تدخل في نطاق التفكير في ذلك الزمن والبيئة.
– غيور لأقصى درجة ولا يحتمل أي مشاركة في الولاء.
– عصبي المزاج وقاسي القلب بشكل غريب وليس لانتقامه من أعداءه حد.
– كريم لأقصى درجات الكرم مع أتباعه وحلفاؤه (سواء في الدنيا أم في الآخرة).

ولعل الإرهاب والتخويف هو عامل الإيمان الأول في الإسلام تحديدا، فالقرآن ليس بالكتاب الكبير، وخصص قسم منه للقصص والروايات، وقسم آخر ليس كبيرا للتشريع ويكاد يكون الباقي كله تخويفا وتهديدا ووعيدا بأبشع الانتقامات وأشنع العقوبات التي تجعل أقسى الجلادين البشريين ملاكا رحيما مقارنة بها. ولا داعي لأن آتي بأمثلة لأن القرآن كله مثال كبير على ذلك.

والتخويف سلاح فعال للغاية في "الإقناع" كما يعرف الجميع، فمن الأسهل كثيرا أن تقول للشخص: لا تفعل كذا وإلا عاقبتك من أن تقول له لا تفعل كذا لأن ذلك يضر بالمجتمع ككل، بلا مجتمع بلا كلام فارغ..

لكن ليس هذا هو الإرهاب الذي أقصده كعامل قوة في الفكر الديني، على العكس تماما، فالإرهاب والتهديد هو سلاح ضعيف الحجة وليس العكس حتى في نظر العامة والبسطاء.

الإرهاب الذي أقصده كعامل قوة هو إرهاب من يتصورون أنهم وكلاء الإله على الأرض، سواء عن حسن نية أو سوء نية.

فحسني النية منهم يدفعهم ذعرهم من إغضاب إلههم المحدود الأفق والمعكر المزاج دوما والمتفرغ للاهتمام بالصغائر بدءا من الرجل التي يجب بها دخول الحمام إلى طول اللحية وليس انتهاء بأي رجل يجب أن توضع على الأخرى أثناء الاضجاع. وهو متربص دوما بعباده على أقل غلطة كي يخسف الأرض بهم.

يدفعهم هذا الذعر ليس إلى التدين الشخصي فحسب، بل إلى إخراس أي صوت يمكنه إزعاج إلههم حتى ولو لم يكن لهم علاقة به كي لا يصب حمم غضبه عليهم، وهو من له باع طويل في الانتقام بشكل عشوائي والعقوبات الجماعية التي تصيبب الصالح والطالح والبريء والمذنب بلا تمييز بدءا من نوح إلى عاد وثمود وليس انتهاء بالتسونامي، تماما مثل زعماء قبائلهم الأرضيين الذين خلقوا إلههم على شاكلتهم.

والحيوان المذعور والمحشور في الزاوية هو أخطر الحيوانات وأكثرها قدرة على الإيذاء، وهناك أمثلة لا تحصى في التاريخ عن هجوم رعاع المتدينين على من يتصورونهم سبب بلائهم من "الكفار" و"الفاسقين" و"المنحلين" و"العاهرات" بعد الكوارث الطبيعية والأوبئة والمجاعات، ومحاولتهم تملق وتهدئة غضب الإله بقتلهم والتمثيل بهم.

أما سيئي النية منهم الذين يستخدمون الدين كمطية للوصول إلى الثروة والجاه فأمرهم ليس أفضل بل أسوأ، إذ على الأغلب يزاودون على البقية في الغلو والتشدد لكي يظهروا عليهم ويثبتوا أنهم أكثر إخلاصا منهم.

هذه الناحية من قوة الفكر الديني لا تتعلق بالإقناع والتفضيل الشخصي العاطفي كالنقاط السابقة، بل بميله الطبيعي لحجب الفكر المعاكس وإخراسه تماما إما قتلا أو منعا أو نفيا وإسماع العامة وجهة نظر واحدة فقط مما ينفي الحاجة للدخول في نقاشات لا داعي لها أصلا وتقديم الحجج فيها. وفي غياب أي معارضة لا توجد صعوبة كبيرة في تمرير حتى أشد الأفكار سخفا وضحالة ما دام لا يوجد من يفندها.

وهكذا يتضافر الإرهاب الفكري للإله مع الإرهاب الإنساني لوكلائه الأرضيين لتثبيت وتقوية الفكر الديني أكثر وأكثر بين الناس.

5 – السلطة والنفوذ: تساورني دوما شكوك – لا أستطيع إثباتها طبعا – بأن عددا لا يستهان به من الكهنة ورجال الدين ملحدين حقيقة يستخدمون الدين كأداة رائعة للوصول إلى النفوذ والجاه، وترتفع نسبة الملحدين منهم كلما ارتفعنا في السلك الكهنوتي حتى تصل إلى الغالبية العظمى بين القيادات والنجوم منهم.

قد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى غريبا وشطحة كلامية وتجنيا عليهم، لكني سأسرد رؤيتي وتفسيري وأترك للقارىء أن يوافقني أو لا، ولكن أطلب منه إن لم يوافقني أن يقدم تفسيرا أفضل على الأقل.

للمفارقة، يشاركني في هذه الرؤيا كل المتدينين البسطاء عمليا، فهم يتصورون أن أي رجل دين من أي طائفة غير طائفتهم بالذات مهما كانت هم ملحدين متخفين يعرفون حقيقة كذب دينهم الخرافي ولكن هدفهم الوحيد هو حرف الناس عن دين الحق الواضح كالشمس لكل ذي عقل والذي هو بالمصادفة السعيدة هو دين هؤلاء البسطاء وطائفتهم تحديدا.

وبتنحية هذه النظرة الطفولية جانبا نجد أن الإيمان موجود فعلا بدون أي شك في كل الطوائف والأديان ولا يقل إيمان الإنسان البسيط المسلم عن نظيره المسيحي بأي حال من الأحوال، بل وأكثر من ذلك لا يقل إيمان الشماس الصغير المسيحي بالثالوث والفداء رسوخا عن إيمان طالب الشريعة الشاب المسلم بالجن والملائكة.

لكن يبدأ الأمر بالتغير بسرعة كلما صعد الكاهن في سلم الكهنوت، حيث يتعرف فعلا عل كتبه المقدسة عن كثب وليس عن طريق المرشحات التي تنقيها لأسماع العامة، وفي نفس الوقت يترك نقاء كتبه المقدسة على مقاعد الدراسة ليدخل في تحديات العالم الواقعي ويتعامل مع الحياة كما هي وليس كما يقرأ عنها.

هنا يصطدم بمشكلة كبيرة، فالمطلق المكتوب في النصوص المقدسة يتعارض مع الواقع على الأرض اجتماعيا وعلميا على مختلف الأصعدة، وهذا المطلق لا يمكن أن مخطئا لأنه سماوي ولكن في نفس الوقت الواقع يفرض نفسه بقوة فما العمل ؟

هنا أمام الكاهن ثلاثة طرق:

– أن يترك الكهنوت ويلحد. وهؤلاء أقل من القلة ومنهم عبد الله القصيمي وشهاب الدمشقي مثلا.

– أو أن يبقى مع الكهنوت ويكون صادقا مع نفسه وينكر الواقع والعقل لصالح النصوص المقدسة، وهذا طريق المخلصين منهم مثل عبد العزيز بن باز وأسامة بن لادن. وهؤلاء قلة لا تخشى تسمية الأشياء بمسمياتها ولا تتحرج عن الإعراب عما تعتقده فعلا.
ومنهم أيضا الشيخ مهدي الخالصي العراقي الشيعي الذي لا يتحرج من القول أن الرق والتسري نظام ممتاز ولا غبار عليه في معاملة أسرى الحرب ونسائهم وأطفالهم.

– أو أن يبدأ في التفكير المزدوج والكذب على نفسه لإقناعها أنه لا تعارض بين النصوص الدينية والواقع، وهؤلاء هم الغالبية الساحقة برأيي.

يبدأ بالكذب على نفسه أولا ولكن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، فالشيخ يعرف، على العكس من المؤمن البسيط دواخل وخوارج الدين وما تقوله الكتب الدينية بالضبط وليس ما يردده الكذابون والمدلسون على لسانها.

عندما يصل الكاهن إلى مرحلة معينة من التفكير المزدوج لا بد أن يعرف أنه يكذب عامدا متعمدا ولكن في هذه اللحظة أو قبلها يكون الوقت قد فات على التراجع وأصبح للكاهن أتباع ومريدين يقبلون يديه ويجلسون كالغنم تحت منبره كي يلتقطوا درر الحكمة التي تتناثر من فمه وينهلوا من غزير علمه.

وكي لا نبقى على مستوى التنظير، لنتناول بعض الأمثلة الحديثة نسبيا والإسلامية منها خصوصا كونها مألوفة بين القارئين:

- يا هل ترى هل يعتقد أي رجل دين من نجوم الفضائيات فعلا أن الإسلام يتفق فعلا مع حرية الفكر والتعبير ؟
- هل يصدق من قرأ تفاصيل تاريخ الرق والخصي والتسري المخزي في العالم الإسلامي - والذي لم ينته حتى اليوم بشكل كامل - أن الإسلام كان فعلا يحض على تحرير العبيد ؟
- يا هل ترى هل يعتقد الزنداني والنجار فعلا بالهراء الإعجازي الذي يلفقانه عندما يخترعان أستروخ وبالما وأبحاث العلماء الوهمية عن أجنحة الذباب ؟
- هل يعتقد أي شيخ مخلص لعقيدته فعلا أن الإسلام يحترم المرأة عندما يشنف آذان مستمعيه البسطاء ببعض النصوص الإيجابية ويهمل معاكساتها ؟
- هل يصدق عمرو خالد فعلا - كونه قرأ التاريخ الإسلامي – حين يصعد الزفرات ويذرف الدموع السخينة ويتهدج صوته تأثرا أمام أتباعه أن مجتمع الإسلام الأول كان مجتمعا مكونا من الملائكة الأطهار ؟

هذا كله بفرض أن نية الكاهن كانت صادقة في البداية وبدون ذكر وعاظ السلاطين المفضوحي الكذب الذين تكون مهمتهم تبرير أي تصرف أو موقف سياسي لأرباب نعمتهم مهما كان، فهؤلاء محتقرين عادة حتى بين تابعيهم. ولكنهم يشاركون أصحابهم السابقين في المصلحة بنشر الفكر الديني بين الناس.

كم من البشر يستطيع مقاومة شهوة الشهرة والنفوذ ؟ كم من البشر لا يرغب بنظرات الاحترام والتبجيل ممن حوله ؟

هذه النظرات يمكن أن يحصل عليها العالم الحقيقي طبعا، لكنها تحتاج لجهد ووقت وتفاني وذكاء بينما لا لزوم في حالة الكاهن إلا إلى فهم نفسية الناس وما تريد أن تسمعه وبعض التلاعب بالكلام وتطويل اللحية ولبس ثياب غريبة.

هل يتوقع من هؤلاء إلا أن يحاربوا وبكل قوة وبكل الأسلحة المتاحة لهم من يريد نشر الفكر العلمي ؟ هؤلاء وبرغم معرفتهم بكذبهم لا يقلون عداء للعلم على الإطلاق عن المخلصين من الفئة الأولى بل وربما يزيدونهم. ولهم كل مصلحة ورغبة في تعميق ونشر الفكر الغيبي بين الناس وإغراقهم أكثر وأكثر في الخرافات، إذ لا مكان لهم في مجتمع عقلاني على الإطلاق سوى للتسلية والترفيه في السيرك.

وهم أخطر من المؤمنين الحقيقيين من أمثال بن باز بكونهم يستهدفون عموم الناس بكلامهم بينما لا يلتف حول المؤمن الحقيقي إلا غلاة المتشددين، وهم أيضا مثل أي سياسي لا يتحرجون من الكذب والتلفيق والضرب تحت الحزام في سبيل مصالحهم وحفاظا على مراكزهم.

بعضهم يتبع طريقة التلفيق والكذب لنشر قيم التسامح والحرية والتنوير مثل الشحرور والنيهوم وجمال البنا وغيرهم، ولربما بدون مصلحة خاصة تذكر إذ يسبحون بعكس التيار أحيانا، ولكن المبدأ واحد والأسلوب واحد للأسف، وعندما يلعبون هذه اللعبة فهم يلعبونها على أرض الخصم (الكهنة التقليديين) وحسب شروطه ومعاييره وباعتماد طريقة تفكيره ذاتها التي تعتمد على قدسية النص، ولا أرى طريقة يمكن أن ينجحوا فيها للأسف ولربما كان ضررهم أكثر من نفعهم على المدى البعيد.

وعلى الطرف الآخر لا توجد قوة مكافئة من العلماء الحقيقيين والفلاسفة تحارب بالسيف وبأقذر الوسائل، فهم لا يملكون قوة سياسية عادة وليس لهم أتباع ومريدون يحاربون من أجلهم، ومنفصلون عادة عن العامة في أبراج عاجية.

توجد بعض نقاط القوة الأخرى الثانوية مثل اختراع الشيطان كشماعة نعلق عليها أخطاءنا وفكرة المغفرة التي تسكب العزاء في قلوب الناس وربما غيرها أيضا، ولكن برأيي ليس لها نفس أهمية النقاط السابقة.

ما أريد أن أقوله من هذا الاستعراض هو أن الحرب على الفكر الغيبي لم ولن تكون سهلة، حيث تتضافر عناصر القوة الخاصة به في نفوس العامة من الناس والتي تخاطب غرائزهم الأساسية المغروسة فيهم منذ أبعد الأزمان، تتضافر هذه العناصر مع مصلحة من يهمه التسلق والوصول السهل في تقويته وتغذيته لتشكل جبهة منيعة يصعب اختراقها ومنظومة مرنة إذا هزمت في معركة تستطيع لم جراحها والعودة بأقوى مما كانت بعد حين.

وباعتقادي أن المعركة بين العلم والدين هي معركة أبدية ستظل قائمة ما دام الإنسان يمشي على سطح الأرض، ومن المؤسف أن نكون نعيش في عصر ومكان الغلبة الحالية فيه للدين ولكن الدنيا دوارة ولننتظر ونرى.



ردوا عليكم تسامحكم


ربما يبدو هذا المقال في زمننا هذا، زمن "العلماء" من أمثال الزنداني والقرضاوي والبوطي وبن باز، وزمن "الأبطال" من أمثال بن لادن والزرقاوي والصدر، ربما يبدو مع شديد الأسف غريبا بعض الشيء.

زمننا الرديء هذا، زمن المزاودة الذي يطلب فيه الكل من "العلماء" الرد على "الأبطال" الذين بالغوا قليلا في جهادهم الذي امتدت ناره لتحرق الأخضر واليابس بلا عقل ولا تمييز. يطلب منهم الرد عليهم وتبيان "سماحة الإسلام الحقيقي" و"بعده عن التعصب"، وتبيان "خطورة التكفير بلا دليل قطعي".

وقد استجاب "العلماء المعتدلون" من أمثال القرضاوي والعودة والعبيكان نفاقا وكذبا لأرباب نعمتهم من الحكومات وانبروا للرد على "التكفيريين" و"الضالين" ابتداء من المودودي وسيد قطب وانتهاء إلى أبو بصير الطرطوسي وأمثاله.

وامتلأت الفضائيات والجرائد ومواقع الإنترنت بكم هائل من الحوار العقيم والمطولات المملة التي يوردها كل طرف لبيان خطأ وضلال وانحراف الطرف الآخر مع السند الشرعي الصحيح من قرآن وسنة وإجماع وقياس.

في غمرة طوفان العبث هذا الذي يتبارى فيه كل من الطرفين في إثبات أنه هو الممثل الشرعي للإسلام الصحيح دفنت المشكلة الأساسية تحت ركام الآيات والأحاديث والأسناد والاجتهادات بحيث لم يعد يظهر للعين غير الناقدة أن الطرفين هما وجهان لعملة واحدة وأنهما ينطلقان من نفس الأسس ويتشاركان في نفس الأرضية ويتفقان على أمور أكثر بكثير مما يختلفان.

من قال أن "التسامح" هو المطلوب ؟ من قال أن "التكفير" خطأ ؟

هذان السؤالان هما ما يجعل المقال غريبا بعض الشيء، ففي غمرة الحماسة لإثبات تسامح الإسلام (حتى من قبل أناس يعتقدون فعلا وليس نفاقا بهذا التسامح) نسي الناس معنى كلمة التسامح أصلا، التسامح يتم مع شخص أخطأ بحيث نغض النظر عن خطأه ونتسامح معه وليس مع شريك في وطن أصلا !!

العلوي والمسيحي والاسماعيلي والدرزي والملحد هم مواطنون لا رعايا وشركاء في الأرض وأصحاب حق مثل المسلم تماما وليس أقل منه بشعرة واحدة. وهم لا يطلبون مساواتهم من سماحة نفس المسلم وكرم أخلاقه وعظمة شريعته، بل يطلبونها لأنها حق لهم لا شك فيه ولا ريب، حق لهم اكتسبوه بحكم وجودهم فقط رضي المسلم أم لم يرض، قالت شريعته بذلك أم لم تقل، كانت شريعته منفتحة أم لم تكن.

بإمكان المسلم أن يكفر الآخرين كما يشاء، هو وشأنه.
بإمكانه أن يكفرهم إذا ألحدوا علنا أو تركوا الإسلام أو حتى "اتبعوا الطاغوت" لمجرد مطالبتهم بقوانين عقوبات منفصلة عن الشريعة حتى ولو صلوا الخمس صلوات.
بإمكانه أن يستمطر عليهم لعنات الله والملائكة أجمعين ويدعو عليهم بتيتيم الولد وثكل الأمهات كما يشاء وبلا حساب طالما لم يؤثر هذا على حقوقهم الدستورية في وطنهم وأرضهم.

عندما أبحث مجرد بحث (كرجل دولة وليس دين) في تسامح الإسلام وأجند المشايخ لبيان ذلك فأنا أنطلق من خطأ فادح هو أن الإسلام متفوق على غيره ويمتلك الحق في إصدار الأحكام عليهم سواء كانت هذه الأحكام متسامحة أم لا.

عندما أبحث مجرد بحث (أيضا كرجل دولة وليس دين) في مخاطر الشطط في التكفير فأنا أقر ضمنا أن الكافر مجرم تجب معاقبته وليس مواطن حر صاحب رأي. وأكون بذلك قد وقفت مع التكفيري على نفس أرضيته وبين جمهوره ورقصت على أنغامه.

مكان "علماء" الدين ومناقشاتهم هو الجوامع حصرا، حيث بإمكانهم هناك الخطابة كما يشاؤون بين المؤمنين وتبادل الأسانيد والأحاديث بعيدا عن الدولة والحكم.

هذا لا ينفي طبعا وجوب معالجة مشكلة التطرف والتسامح عند المسلمين، لكن هذا بين المسلمين أنفسهم ولا علاقة للدولة به إلا في حدود منع التحريض والعنف والتعدي على الآخرين.

باختصار أنا لا أطلب كأقلية أو كعلماني تفهم المسلم وتسامحه وسعة أفقه وكرمه، بإمكانه رد منته على نفسه، بل أطلب من الدولة والقانون أن يقفا موقفا حازما منه وأن يضعاه عند حده مثله مثل أي مواطن آخر بحيث لا يحصل على امتياز على غيره لمجرد كونه مسلم.

لا يجب أن يحاول الدرزي والعلوي أن يثبتا للسني أنهما مسلمان صالحان مثله كي يحوزا على رضاه.
لا يجب أن يضطر المسيحي إلى حضور مؤتمرات تبويس اللحى والنفاق والتزلف للأغلبية والتغني بالتوافق التام بين الرسالتين.
لا يجب على الشيعي تجنب الخوض في سيرة الصحابة كي يرضى عنه الأغلبية السنية. (أو بالعكس في إيران، حيث الأغلبية شيعية).
لا يجب أن يضطر المفكر العلماني إلى انتقاء ألفاظه كي يدفع عنه سيف التكفير الغوغائي الجاهز كي يشرع في وجهه عند أول كلمة نقد.
كل ما سبق لا يؤدي إلا إلى زيادة عنجهية وغرور صاحب مذهب الأغلبية (السنة في أغلب الأحيان والشيعة في المناطق التي يكونون فيها الأغلبية) وتعزيز إحساسه المغلوط بالتفوق.

قد تبدو هذه الطلبات في زمننا هذا الذي تتبارى فيه الدول في التزلف للإسلاميين والمزاودة عليهم إرضاء للدهماء، قد تبدو غريبة بعض الشيء ومغرقة في التفاؤل والخيال، ولكني أعتقد اعتقادا راسخا أنه لن نرتقي الخطوة الأولى في سلم التطور والرقي ما لم تتحقق، طال الزمن أم قصر.

لقد أضاعت الحكومات العربية التي تسمى "علمانية" في الستينات والسبعينات فرصة ثمينة عندما لم تقف موقفا حاسما من الدين وتفرض علمانية الدولة التامة عندما كان التيار الديني أضعف بكثير وهي أقوى بكثير، واختارت مبدأ المداورة والمداهنة وتجنب مواجهة المشكلة. يضاف هذا بالطبع إلى فساد هذه الحكومات وقصر نظرها واهتمامها بمصالحها الآنية والأنانية.

المخرج الوحيد برأيي هو تبني الحكومات (فهي الجهة الوحيدة التي تملك القوة في مواجهة القوة الشعبية الحالية لرجال الدين) لمنهج إصلاحي أولا وعلماني حقيقي ثانيا لا مهادنة فيه ولا مكان للكلام المعسول تشجع فيه جميع الأقليات على الجهر بمطالبها بالمساواة التامة وتفرض هذه المساواة على الجميع.هذا التبني لمصلحتها أولا وأخيرا بالإضافة لمصلحة الوطن، فقد وصلت الأمور مع الإسلاميين المتطرفين إلى حد اللارجعة وما كان يصلح سابقا لم يعد يصلح الأن.

لقد جربت طريقة المسايرة وجبر الخواطر ووصلت بنا إلى هنا، فهل نكرر أخطاء الماضي نفسها ؟

هل أطلب المستحيل من حكومات فاسدة قمعية يهمها كرسيها أكثر من الوطن ؟ ربما
هل ينطبق علي مثل "يا طالب الدبس من قفا النمس" ؟ ربما أيضا
لكن ربما أيضا يوجد في هذه الحكومات من ينظر ابعد من أنفه ليرى المستقبل غير البعيد ويحاول أن يغير الدرب.


سلسلة الإيمان الإسلامي


كنت جالسا قبل عدة سنوات مع مجموعة من أصدقائي المؤمنين، حيث من حسن الحظ أنه حتى الآن في سوريا (ولا أعرف إلى متى يمكن أن يستمر هذا) يمكن أن يجاهر المرء بأفكار غير تقليدية في بعض الدوائر الاجتماعية دون أن تثور ثائرة من حوله ويقاطعونه أو أن يحصل ما هو أسوأ من ذلك.

المهم أن الحديث تراوح جيئة وذهابا إلى أن وصل إلى حياة الصحابة والمدينة الفاضلة الوهمية التي عاشوا فيها والتي توجد فقط في الخيال الجماعي للغالبية الساحقة من المسلمين المؤمنين الذين لا يعرفون عن دينهم ما يتجاوز الشعائر وما درسوه في الكتب المدرسية وسمعوه في خطب الجمعة من الأحاديث والآيات المنتقاة بعناية لتبرز الجوانب المعقولة من الشريعة.

وبدأت أحدثهم أحاديث غريبة تماما عن أغلبهم، أحاديث عن تقاتل الصحابة فيما بينهم وبغضهم لبعض وتكالبهم غير المحدود على الدنيا وأظافرهم التي أنشبوها في بعضهم والدماء التي أسالوها أنهارا في حروبهم الداخلية. وكانت الإجابات كالعادة تترواح بين عدم تصديق كلامي وبين التشكيك في مصادري "المدسوسة" و"انتقائيتي" وإبرازي للسلبيات دون الإيجابيات و"الإسرائيليات" التي أقحمت لتحرف الناس عن العقيدة وبين التبرير المعهود للأكثر اطلاعا منهم بأننا لسنا مؤهلين ولا يحق لنا أن نحكم على تصرفات الصحابة بل يجب أن نترك ذلك لله ومن اجتهد وأخطأ فله أجر إلى آخره.

لم يكن أي من هذا جديدا علي وكانت المناقشة تسير إلى نهايتها العادية، لكن قبل ذلك حسم أحدهم النقاش في النهاية بجملة واحدة حيث قال لي، لن أناقشك بأي شيء من ذلك إلا إذا بدأنا من البداية، أي من الإيمان بالله، فحسب منطقه يجب الوصول لمناقشة تصرفات الصحابة عبر الإيمان بالله أولا ثم بالأنبياء والأديان ثانيا ثم الكتب وصحة النقل، وبعد إقرار كل هذا، وفقط بعد كل ذلك يمكننا الجلوس لمناقشة تصرفات الصحابة.

وهذا رأي وجيه، فما كنت أحاوله فقط هو فتح ثغرة في جدار التسليم الغيبي الذي لا يناقش ولا يتشكك والذي تشربه معظم الناس في الصغر. ولكن الموضوع أعقد من ذلك، فدفاعات المؤمن الغريزية ترجعه مباشرة عند أي نقد يمس ما يقدسه إلى أصل الأمر في رأيه وهو الإيمان بالله.
من يؤمن بالجنة والنار والجن والملائكة والإعجاز العلمي وغيره لا يمكن مناقشته بأخلاقية تصرفات بشر لأنه سيجد ألف عذر ومهرب لهم ولنفسه، وإنما يجب مناقشة الموضوع معه منذ البداية، فعمليا كنت أفعل كما يفعل أي مسيحي في نقاشه مع مسلم أو أي سني مع شيعي في إبراز نقائص جهة معينة من عقيدة محاوره دون مواجهة القلب والأساس.

وأنا أستعمل هذه الطريقة في كثير من الأحيان حينما أرغب في مناقشة شخص لا أريد أن أصدمه منذ البداية بأني ملحد وبالتالي أغلق أي إمكانية للتواصل معه، فهو سيصل لحقيقة تفكيري أثناء النقاش ولكن بعد فترة وبالتدريج. لكن صاحبي بتر الموضوع وقفز للأصل مباشرة، لا بأس، لعل هذه الطريقة أفضل.

سأعتبر هذه المقالة ردا على صديقي الذي للأسف لا أستطيع أن أعطيه رابطه كي لا تثبت على "الردة المغلظة" بمحاولة نشر أفكاري الإلحادية وأقتل دون محاولة استتابتي عند التمكن مني، فأنا على استعداد تام للتوبة عند طلب ذلك مني بلطف وإقامة الحجة علي من قبل المشايخ في الأيام الثلاثة المتاحة قبل قطع رأسي حسب تعليمات الشريعة السمحة.
وأقولها منذ البداية أني لن أقلد مصطفى محمود وآخرين مثله في اختراع حوار وهمي أنتصر به على صاحبي المسكين الذي لا يستطيع أن يحير جوابا أمام حججي المفحمة وبراهيني الدامغة، فأنا لم أناقش الموضوع معه وما سأكتبه هو ما كنت أود أن أقوله له، وهو لم يسمعه ناهيك أن يرد عليه.

حسب صديقي يجب أن نناقش الأمور بالترتيب المتسلسل التالي:
1 - وجود الله
2 – وحدانية وصفات الله
3 - وجود الرسل
4 - حقيقة كون محمد رسول فعلا
5 – حقيقة كون ما وصلنا عن محمد صحيحا (قرآن وسنة)

ويجب أن أقتنع بكل عناصر السلسلة وليس أغلبها وبالترتيب كي أناقش أي شيء آخر معه. وهذا الكلام سليم تماما من وجهة نظر المنطق، فأي انقطاع في هذه السلسلة يلغيها بالكامل.
المشكلة أني لست مقتنعا بكل عناصر هذه السلسلة وليس ببعضها فقط، وما سأفعله هو مناقشة كل حلقة منها بالترتيب وسأفترض في آخر كل مناقشة أني اقتنعت بالرأي الإسلامي في الموضوع وأناقش النقطة التي تليها بناء على ذلك لنرى إذا كانت تصمد بذاتها.

المواضيع المطروحة ضخمة بالطبع ولا يمكن الإحاطة بجميع جوانبها في مقال واحد، والمقال هو فقط خواطر ومناقشة عقلية لبعض جوانب السلسلة.

حلقة الإيمان الأولى: وجود الله:
يحب المسلمون المسيسون الشعارات الرنانة التي تسهل كتابتها على اللوحات القماشية الكبيرة في المهرجانات الخطابية والمؤتمرات، ومثلهم مثل كل معتنقي العقائد الشمولية الأخرى الدينية منها والعلمانية، يفرغونها من معناها تماما ويتصرفون بعكسها بالضبط:

"الإسلام دين يسر" : يترجم إلى أن الله يهمه ويتدخل في طول اللحية والرجل التي أدخل بها إلى الحمام واليد التي آكل بها واتجاه المؤخرة أثناء التغوط.
"الإسلام دين رحمة" : يترجم إلى تشريع الرق والسبي والغزو والجلد والرجم وتقطيع الأيدي والأرجل وسمل العيون.
"اطلبوا العلم ولو في الصين" : بشرط ألا يصل هذا العلم أي أي شيء لا يعجب المشايخ.
"الإسلام يحث على استعمال العقل" : من تمنطق تزندق.
"أمرهم شورى بينهم" : الحاكمية لله.
"الإسلام كرم المرأة" : بدون تعليق.
"لا إكراه في الدين" : أيضا بدون تعليق.
وغيرها الكثير،

ومن هذه الشعارات التي يرددها المشايخ "نصف العلم لا أدري"، وهذه اللاأدري بالضبط هي التي لا يقبلوها منا نحن الملحدين، فنحن مطالبون:

1 – بتفسير لماذا وكيف خلق الكون.
2 – بشرح ماذا كان قبل الخلق (بفرض صحة السؤال).
3 – بتفسير لماذا خلق البشر وكيف وجدوا.
4 – بييان ماذا سيحصل لنا بعد الموت.
5 – ببيان كيفية معاقبة المسيئين في حال موتهم بلا عقاب.
6 – ببيان ماهية "الروح".
وغيرها وغيرها.

فإذا أجبنا على أي من هذه الأسئلة بلا أدري يهزون رؤوسهم مشفقين علينا ويقولون: انظروا إلى الملحدين، يبنون كل حياتهم على أمور ظنية !!! يقولون بالصدفة !!! تصور !!!
بينما هم عندهم الجواب الشافي لكل هذا وهو الله.

بكلمة سحرية واحدة حلت كل المشاكل ووضحت كل الإجابات لكل عاقل، بشرط بسيط هو عدم نقل السؤال إلى المستوى الأعلى وإعادة نفس الأسئلة بشكل لماذا وكيف خلق الله وماذا كان يوجد قبله.
- طبعا ردهم جاهز وهو "التسلسل المستحيل عقلا"، لماذا هو مستحيل عقلا ؟ لأنهم قالوا ذلك !!
- جيد، سلمنا بذلك جدلا، لماذا إذن لا أوقف التسلسل عند الكون بدلا من الله وأبسط المسألة دون أن أعقدها أكثر ؟
- لأن الكون مخلوق ولا بد له من خالق.
- لماذا الكون مخلوق لماذا لا أقول أنه موجود ؟ لأنهم قالوا ذلك.

ويأتي هنا المحدثون منهم ليتقمص دور العلماء الفعليين (لا الفقهاء) ويدخل الانفجار العظيم في إحداث الكون وكيف أن هذا يبرهن أن الكون له عمر محدد، بل وربما يدخل في كلامه بعض التعابير العلمية مثل "إشعاع الخلفية" و "التفرد" ولا بأس ببعض المعادلات الرياضية والأرقام وأسماء العلماء أيضا في بعض الحالات لإبهار البسطاء وإظهار تبحر الشيخ وسعة علمه الغزير.

مع أن كل هذا لا يغير شيئا من النقاش لأنه سينتقل به فقط إلى وجود التفرد الذي أدى للانفجار العظيم والذي بدوره لا تفسير له.

أجمل تشبيه للمنطق الديني في تفسير الوجود سمعته من أحد الأصدقاء:
- اسمع يا فلان، جارنا يستطيع القفز من الطابق العاشر إلى الأرض دون أن يصاب بأي أذى.
- معقول ؟ فسر لي كيف يستطيع ذلك.
- لأن أبوه كان يستطيع القفز 20 طابقا دون أن يصاب بأذى !!
- آه، الآن وضح الأمر تماما !!!

باختصار ما أراه هو الآتي:
لا يمكن للعلم أن يجيب عن سؤال "لماذا" إذا كان القصد منه هو الغاية من الشيء، هذا حقل الفقهاء والكهنة ولا علاقة له بالعلم من قريب أو بعيد، وكونه لا علاقة له بالعلم هو بالذات سبب وجود آلاف الأديان والطوائف والملل التي يعتقد بسطاء المؤمنين فيها أنهم أنهم يقبضون على مفاتيح الحقيقة الأبدية ويهزون رؤوسهم بإشفاق على الضالين من أتباع الأديان المزيفة الأخرى.

وبالتالي أقصى ما لدي لأقدمه للمؤمنين جوابا على أسئلة الوجود الكبرى مثل من خلقنا ولماذا خلقنا هو نقطتين:

1 – سؤالكم بحد ذاته هو مغالطة منطقية وهو افتراض أنه توجد غاية أو خالق دون محاولة إثبات ذلك. هذه الغاية التي يراها المؤمنون واضحة كل الوضوح نتيجة "التفكر" (الذي اكتشفت من مناقشاتي مع المؤمنين أنه يختلف عن التفكير)، هذه الغاية لا أراها على الإطلاق وتحتاج بنظري لإثبات بحد ذاتها وسوف يسعدني أن أقرأ إثبات منطقي وعلمي عليها غير "التفكر" الذي استنتجت أنه نوع من الخشوع أمام عظمة الكون والخالق الافتراضي.
أما الخالق فأنتم تفترضون ما تحاولون إثباته، أي عندما تسألون "من خلقنا" تكونوا قررتم سلفا أنه يوجد خالق وانطلقتم من ذلك إلى إثبات وجوده !

2 – حتى لو سلمنا جدلا أن السؤال صحيح فالجواب هو ببساطة "لا أدري"، فإذا أحبوا تطبيق كلامهم وشعاراتهم الفارغة على هذا الجواب وقبلوه فلا بأس وإذا لم يحبوا فأرجوهم التوقف عن ترديدها على أقل القليل!

وهذه اللاأدري لا يمكن أن أنتقل منها إلى احتمال وجود الله ، لأن هذه حجة بالجهل، ويمكنني أن أعيد تشبيه أنقله عن أحد مقابلات صحفية أجريت مع ريتشارد داوكنز عالم التطور المشهور: نحن لا نعرف ولا نستطيع أن نثبت أنه لا توجد مكنات تحميص خبز تدور حول كوكب المريخ، هل يبرر هذا إيماننا بوجودها ؟

وقد كان جواب الصحفي الذي يجري المقابلة مع داوكنز، هل من المعقول أن احتمال وجود الله هو نفس احتمال وجود مكنة تحميص الخبز تدور حول المريخ ؟، فأجاب: نعم،

لا أملك إلا أن أوافقه على رأيه.

حلقة الإيمان الثانية: صفات الله:
سأتابع الآن بفرض أني اقتنعت تماما وبالدليل الدامغ بوجود موجد لهذا الكون.
سأبحث كنه وصفات هذا الموجد، وأنا في هذه النقطة ألتقي مع اللادينيين غير الملحدين.
والذي سأبحثه هنا هو النسخة الإبراهيمية للإله عموما والإسلامية منها خصوصا، هذا الإله الذي له الصفات التالية:
1 – واحد
2 – كلي المعرفة والقدرة
3 - شخصاني (يغضب، يرضى، يمكر، يهزأ، ...)
4 – عادل.

لنأخذ أولا وحدانية الإله، ما هو الدليل المنطقي أن الإله واحد ؟ الجواب الإسلامي التقليدي لأنه لو وجد أكثر من إله واحد فسيتنازعوا ويفسد الكون.

لكن.... لماذا افترضت أنهم سيتنازعوا ؟ أليس هذا إسقاط صفات بشرية على الآلهة ؟
ما المانع المنطقي أن أفترض أن الآلهه عقلها أكبر من عقل البشر وأنها وصلت لصيغة تفاهم فيما بينها وأنها لا يهمها أن ينتصر أحدها على الآخر وأنها تضحك من تنازع وتدافع البشر ؟
بل ما المانع المنطقي والعقلي أنها تحاربت سابقا ولم يستطع أحدها الانتصار على الآخر وبالتالي وصلت لصيغة هدنة و"توازن رعب" مثل التوازن النووي بموجبه يلزم كل إله حده ولا يعتدي على مجال إله آخر ؟ تعجبني هذه الفكرة بالذات لأنها تقدم تفسيرا جيدا للكوارث الطبيعية حيث يمكن اعتبار الإعصار كاترينا "حركشة" من الله الإسلامي للرب المسيحي ورد على التسونامي الذي ضرب أكثر ما ضرب المسلمين وواحدة بواحدة والبادي أظلم !!

أعرف أن هذا كله إمعان وإغراق في الخيال لكن ما هو ما يمنع حصوله منطقيا ؟ أحد من ناقشتهم قال أنه لا شيء يمنع من وجود الأنبياء عقلا، وأنا هنا أستعمل نفس المنطق فقط، أي أستعمل المغالطة المنطقية: أن غياب دليل النفي هو دليل إثبات !!

نأتي الآن لمعرفة الإله وقدراته الكلية، فالممسلمين لا يرضون بإله كيفما كان، بل يجب أن يعرف الإله الشاردة والواردة في هذا الكون الفسيح ويعرف كل ذرة في الكون أين هي وما هي سرعتها واتجاهها وكم إلكترون يدور حولها الآن وفي الماضي رجوعا إلى بداية الكون وفي المستقبل إلا ما لا نهاية.

ليس الذرات فقط، بل الفوتونات والموجات والإشعاعات والتموجات الجاذبية وما يجري داخل الثقوب السوداء.

هذا على المستوى الكوني، أما على المستوى البشري فالله يعرف من ولد إلى آدم ومن سيولد وماذا فكر وسيفكر وتصرف وسيتصرف كل منهم إلى نهاية العالم.

ليس يعرف فقط كل ذلك كمراقب ولكن بإمكانه التدخل في أي وقت بأي أمر من هذه الأمور وإيقاف أو تشغيل أو تعديل أي من هذه الأمور أو التصرفات متى وكيفما شاء.

وهنا لدي أسئلة:
سؤال 1: من أين أتيتم بهذا الكلام ؟ إما من من القرآن وكلام الرسل عموما، وفي هذه الحالة سيكون هذا استباق للأمور فنحن لم نصل للرسل والقرآن بعد وإذا سلمت بهذا من قول القرآن فقط أكون قد بدأت من القرآن كي أثبت صحة القرآن !! أي ما يعرف بالحجة الدوارة أي مرة أخرى افتراض ما أريد إثباته !!

حجة أخرى هي أن الكون كامل والكامل لا يمكن أن يخلقه إلا كامل، وهذا هراء وبلاغة لا أكثر لأنه: ما معنى كامل أولا أعطوني تعريفا له ؟ هل تعريف الكامل هو الصفات التي ذكرتها سابقا ؟ إذا كان الأمر كذلك فأنتم تقولون فعليا أن الله كلي المعرفة والقدرة لأن الله كلي المعرفة والقدرة !!

ثم كيف حددنا أن الكون كامل ؟ بمقارنته مع ماذا ؟ نحن لا نعرف إلا هذا الكون فأين الناقص لنقارنه معه ؟ ألا يجب أن أقول أن فلانا ذكي أو طويل بمقارنته مع علان الغبي أو القصير ؟
سؤال 2: ما الذي يمنع - عقلا - كون الإله يريد أن يجرب قدرته فوضع مجموعة من القوانين الفيزيائية وخلق مادة وطاقة وأطلق الكل وجلس ليراقب نتائج تجربته من بعيد وما ستؤول إليه الأمور ؟

سؤال 3: بحق كل أنواع الآلهة والعقائد، إذا استكثرتم علينا نحن الملحدين تصور أن البشر بتعقيد جسمه وعقله الخرافي لا يمكن أن يأتي صدفة أو من عدم أو أن لا يكون لدينا تفسير جاهز عن وجوده (بغض النظر عن التطور لأني لا أريد تشعيب الموضوع)، هل تتصورون أنتم كينونة معقدة لدرجة تستطيع بها معرفة وفعل كل ما وصفته سابقا من قدرات خيالية يبدو بها تعقيد البشر صفرا مطلقا أمامها، تتصورنها بكل بساطة ثم ....

ثم تريحون نفسكم من عناء تفسير كل ذلك بقول أنها سرمدية بينما يضيق صدركم إذا قلنا نحن ذلك على الكون والبشر المسكين ؟!!!

نأتي الآن للصفات الشخصانية للإله،
أأتفق مع المؤمنين هنا أنه لا شيء يمنع عقلا من وجود شخصية تغضب وترضى وتمكر وتهزأ وتفضل بعض الناس على بعضهم الآخر وتحب وتكره ويهمها الرجل التي أدخل بها الحمام واليد التي آكل بها إلخ، فالقدرة المطلقة والمعرفة المطلقة لا تنفي كل ذلك. لكني مع ذلك لا أملك إلا أن أفكر:

هل الإله صغير إلى هذه الدرجة ؟ هل من خلق كونا عرضه آلاف السنوات الضوئية وفيه مليارات المجرات يهمه كيف أبول وأتغوط وأغتسل ؟ ويحاسبني على ذلك ؟ إلا يشكل هذا امتهانا واضحا للإله العظيم ؟

بل ألا يشكل هذا امتهانا حتى للبشر ؟ إذ نقول عمن يهتم بهذه الأمور أنه ضيق الأفق ويهتم بالتوافه من الأمور ؟

أليس من المنطقي أكثر افتراض أن هذه الصفات هي انعكاس لشخصية من خلق هذا الإله ؟ حيث أن ضيق الأفق يتصور أن كل الناس ضيقي الأفق مثله واللص يتصور أن كل الناس لصوص مثله ولا يثق بأحد والخير الطيب يتصور أن كل الناس أخيار مثله ويستحقون الثقة ؟

ولكن الصفة الوحيدة التي تتعارض عقلا بشكل لا يمكن تجاوزه مع كلية القدرة والمعرفة هي العدل.

فالله:
- يعرف الشر الذي حدث وسيحدث ويستطيع منع ذلك متى شاء ولم يفعل.
- ويعرف مصير كل إنسان سلفا ومع ذلك خلقه ليعاقبه أو ليكافئه. (أرجو ألا يفكر أحد بتفسير ذلك بالتشبيه الممل عن أستاذ المدرسة الذي يعرف من سينجح ويرسب قبل الامتحان، فأستاذ المدرسة لم يخلق عقل التلميذ وبيئته ولا يستطيع تغييرهما حتى لو أراد).
- ويعاقب الذنوب المنتهية بعقوبات لا نهائية، مع أن أبسط مقومات العدل أن تكون العقوبة على قدر الجريمة.

كملخص، بفرض وجود خالق للكون فإن أي محاولة لمعرفة صفات هذا الخالق لا تعدو ولن تعدو الحدس والتخمين لعدم إمكانية إثبات أو نفي أي شيء وبالتالي يصبح البحث فيها عبثا وإضاعة وقت وتخمين وتكهن ينتهي فيه كل إنسان لما يريده بكل بساطة وهذا ما يحدث فعلا على أرض الواقع.

والإله الإبراهيمي عموما والإسلامي خصوصا ليس فقط تخميني، بل هو متناقض مع ذاته أيضا إذ شاء محمد أن يلصق صفة العدل إلى جانب كلية القدرة والمعرفة معا (إذ أن كلية المعرفة فقط كانت ستجنبه هذا التناقض).

ولا يغطى هذا التناقض إلا بالبلاغة والكلام المبهم والفارغ عن عدم قدرة عقولنا المحدودة على استيعاب كيفية عمل عدل الإله وكونه غير مسؤول عن تصرفاته.

فعقولنا غير محدودة عندما يطلب منها الوصول للإله الإسلامي وتصبح محدودة ولا يوثق بها عند مناقشة صفاته !!!

حلقة الإيمان الثالثة: الأنبياء والرسل:
أتابع الآن وقد اقتنعت تماما بالبرهان العقلي المفحم أن هذا الكون البديع الإتقان لا يمكن أن يكون إلا مخلوق لخالق واحد عاقل كامل عادل مطلق القدرة والمعرفة.
وسأبدأ الآن بمناقشة موضوع النبوة والأنبياء بشكل عام.

يفترض المؤمنون هنا أن من رحمة الإله (الذي لم نصل بعد أنه الإله الإسلامي) أنه ليس فقط عادل، بل هو أيضا يهتم بأمور عباده ولأمر ما يريد أن يعرفوه كي يعبدوه بالشكل الذي يراه مناسبا ويعيشوا حياتهم بالطريقة التي يراها مناسبة لهم أيضا.

لنناقش النقطتين:
1 – كيفية عبادته: لماذا يا ترى يهم الإله أن أعبده ؟ ماذا تفيده هذه العبادة ؟ الجواب الديني هنا طبعا أنها لا تفيده في شيء فهو غني عنا، لكن في هذه الحالة لماذا يريدها ؟ هل يريد أن يمدحه أحد ويتذلل إليه ؟ هل الإله الشخصاني له شخصية تحب أن تسمع كلمات الإطراء دوما ؟ ماذا يقول المرء عن البشر الذي يحب ذلك ؟ فما بالك بالإله ذو العقل الكبير والشخصية الناضجة ؟

من الأجوبة الإسلامية التي سمعتها أنه وجبت علينا الصلاة للإله شكرا له على "النعم" التي أسبغها علينا من بصر وسمع وما إلى ذلك، أشبه ما يشبه هذا الكلام هو كلام الحكام العرب عن "عطائاتهم" لشعوبهم التي يمنون عليهم بها ليل نهار. لكن لولا هذا السمع والبصر الذي كسبت المنة عليه لما عشت أصلا ولما كان الموضوع كله له معنى، فعلى ماذا المنة ؟
من ناحية أخرى أنا لم أطلب منه التفضل علي وخلقي، فلماذا يخلقني دون أن أطلب منه كي أشقى وأكافح في هذه الحياة القاسية ثم يمن علي بذلك ويريدني أن أشكره فوقها ؟
هل إذا مررت بشخص في الشارع وأعطيته نقود دون أن يطلبها أستطيع إلزامه بأن يشكرني ويطريني، وحتى إذا ألزمته بذلك إذا قبل الهبة، أليس من العدل ألا ألزمه بذلك إذا ردها لي ولم يرغب بها ؟

هل من المنطق أن أقول له سواء كنت تريد هذا المال أو لا تريده فأنت مجبر على أخذه وأنا فضلت على رأسك وغمرتك بإحساني إلى أبد الآبدين وستكون نذلا وحقيرا إذا لم تشكرني وتمدحني ؟؟ بل سأعذبك وأقتلك كذلك !!

نحن مجبرون على الحياة التي يمن علينا الإله بها لسببين، أولا لخوفنا الغريزي من الموت الذي خلقه هو فينا افتراضا وثانيا بسبب تعاليم الإله نفسه الذي حرم الانتحار علينا، فقاتل نفسه في جهنم !!! مغلقة من كل النواحي !!!

2 – كيفية حياتنا: ربما يكون الموضوع هنا أكثر منطقية بكثير من النقطة الأولى، فالإله العادل يرى أننا قاصرين لا نستطيع معرفة ما ينفعنا وما يضرنا، وبالتالي عقد العزم على إبلاغنا بالصح والخطأ وما يجوز وما لا يجوز. وهو لطف منه يمكن أن نشكره عليه.

من نافلة القول هنا أن كل ماسبق عن اهتمام الله ورغبتة في إيصال رسالته للناس هو استرسال في الخيال بلا أي إثبات، لكن على رأي المؤمنين، لا يوجد ما يمنع ذلك وبالتالي فهو واقع حتما وسأعتبره كذلك.

لربما كان الإثبات الوحيد "المنطقي" لكل ما سبق لدى المؤمن على ذلك هو التساؤل "الفطري":
"هل يعقل أن هذه الحياة كلها سدى وعبث ولا حساب ولا ثواب ؟؟؟"

وأنا أسأل هنا، هل هذا إثبات ؟ لماذا لا يعقل ؟ هل تمنياتنا بعقاب الظالم أو مكافأة المحسن هي إثبات منطقي لوجوب ذلك ؟؟

وأكرر سؤال سألته لأحد المؤمنين مرة، هل إذا رأيت عصفور يطير وتمنيت أن أطير مثله، يصبح من الواجب أن أستطيع ذلك ؟

ولأتابع سأعتبر نفس الآن راضي بن يقظان، السليل المباشر لحي بن يقظان الذي وصل بالاستدلال العقلي المجرد إلى ما وصلت إليه من أن الإله الخير العادل يريد فعلا أن نعبده وأن يهدينا وأنه وضع على عاتقه تنفيذ ذلك وسأناقش الكيفية التي اختارها وهي الأنبياء.

إذا افترضنا أن:
1 - الإله يريد فعلا هداية مخلوقاته البشرية
2 - الأمور تقاس بنتائجها

فيصعب علي تخيل فشل أكبر من فشل الإله في إيصال رسالته لخلقه، فبعد ألوف السنين من إرسال الأنبياء إلى مختلف الأمم ليهدوهم للحق، وبعد عدة كتب مقدسة من توراة وزبور وانجيل وقرآن، بعد كل هذا العذاب والجهد نجد اليوم آلاف الأديان والملل والعقائد، هذا ناهيك عن الملحدين من أمثالنا.

وإذا فرضنا أن واحدا من هذه الأديان فقط صحيح (الإسلام طبعا، وحسب مذهب الشخص الذي ولد عليه بالضبط، صدفة)، فهذه يعني في أفضل الأحوال أن أكثر من 85% (وصلت للرقم تقريبيا باعتبار الإسلام السنة حوالي المليار شخص، حيث سأفترض أنه الإسلام "الصحيح" كوني ولدت عليه وكونه الأكثر عددا)، أكثر من 85% من البشر لم تصلهم رسالة هذا الإله، هذا بفرض أن الـ 15 بالمائة الباقية مؤمنة فعلا عن اقتناع وليس عن تقليد.

ألا يعرف الله أن خلقه البشر لا يغيرون العقائد التي ولدوا عليها إلا بمنتهى الصعوبة ؟
ألا يعرف أنهم يميلون لتقليد آبائهم ؟ وأن أغلبهم لا يتعب نفسه بالبحث ولا يملك القدرة العقلية على ذلك أصلا ؟
ألا يعرف أن الأغلبية تميل فطريا إلى تكذيب أي شخص يخرج عن مألوفها ؟
ألم يكن يستطيع اتباع طريقة أفضل من ذلك في هدايتنا ؟ هل يعجزه ذلك ؟
ألم يخلق هو عقولهم وهو الأدرى بكيفية إقناعها ؟

عندما أفكر في ذلك لا أستطيع إلا الخروج بأحد الاحتمالين التاليين:
1 – أن الإله، بمعرفته بطبيعة البشر، يتعمد الإيقاع بهم وتضليلهم برسائل غامضة ومتضاربة وغير مقنعة إلا لمن ولد على أحدها إلا في ما ندر، وهو يفعل ذلك كي يضع أكبر عدد منهم في النار وهذا كان هدفه منذ البداية.
2 – أن الإله فشل فشلا ذريعا في إيصال رسالته الحقيقية.
في كلا الحالتين توجد مشكلة جدية مع هذا الإله، فإما هو غير عادل أو غير قادر على نشر رسالته، وفي كلا الحالتين خالفنا أحد صفاته التي وصلنا إليها بالمنطق المحكم في الخطوات السابقة.

حلقة الإيمان الرابعة، نبوة محمد:
أتابع هنا في بحث نبوة محمد بعد أن سلمت أن الله يحق له استخدام أي طريقة يراها مناسبة في إبلاغ مخلوقاته بما يريده، وباعتبار أنه لا يوجد منطقيا ما يمنع أن يستخدم الأنبياء، فربما تكون هذه الطريقة هي التي اختارها فعلا ويبقى الآن إثبات أن محمد ليس فقط أحد هؤلاء الأنبياء، بل هو آخرهم وصاحب الرسالة الأفضل والأكمل.

وكمنهج نقاش، سأعتبر أن ما وصلنا من التاريخ الإسلامي صحيح في المجمل، وهنا لن أدخل في التفاصيل الدقيقة التي يمكن الاختلاف عليها، بل سأبقى في حدود ما اتفق عليه عموما.
كيف أصدق أي انسان إذا قال أنه نبي وأن الله يوحي إليه ؟

هل يكفي أن يكون مخلصا ؟ هل يكفي أن يكون أخلاقيا ؟ هل يكفي أن يكون اشتهر عنه الصدق دوما ؟ هل يكفي أن يكون مقتنعا تماما برسالته ؟

كل ما سبق برغم أهميته لا يكفي بالطبع، فالمستوطنة اليهودية التي أحرقت نفسها وماتت اعتراضا على الانسحاب من غزة مخلصة لمعتقدها تمام الإخلاص ومقتنعة به بشكل يجعلها تضحي بحياتها دفاعا عنه وهي بالقطع ليست مأجورة أو متآمرة ولكن هذا ليس دليلا على صدق العقيدة اليهودية.

والأخلاق أيضا لا تكفي، فالأخلاق الرفيعة للمهاتما غاندي أو للأم تيريزا برغم ما تثيره من تقدير وإعجاب لا تجعلني شخصيا أميل للاعتقاد بقدسية براهما وفيشنو أو صلب المسيح وقيامه.
سمعة الصدق أيضا بحد ذاتها لا تكفي، فالهلوسة تبدو لصاحبها حقيقة لا تختلف بشيء عن الحقيقة الفعلية، وبالتالي فهو لا يكذب متعمدا إذا قال أن الله يوحي إليه ولكن قول أي إنسان أي شيء ليس دليلا بحد ذاته على صحة القول بغض النظر عن من هو هذا الشخص.
ماذا إذن ؟ يجب أن يكون هناك شيء خارق للعادة وغير قابل للدحض يقنعني أن مدعي النبوة مؤيد بقوى خارقة تجعله يفعل ما لا يستطيع أحد غيره فعله، وهو ما اصطلح بتسميته "معجزات" مؤيدة للنبوة.

أعتقد أنه حتى هذه النقطة لا يوجد اختلاف ذو شأن بيني وبين أي مسلم مؤمن، حيث يعتقد المسلمون بالإعجاز القرآني الذي هو – بخلاف معجزات الأنبياء السابقين الوقتية – خالد وباق إلى الأبد دليلا على صحة رسالة الإسلام.

هناك بعض المتحمسين من المسلمين الذين يعتقدون أيضا بمعجزات مادية مماثلة لمعجزات بقية الأنبياء (شق القمر مثلا) ولكن لن أناقش هذا هنا لأن الكثير من عقلاء المسلمين يرفضون هذه المعجزات ويكتفون بالقرآن دليلا على صحة الرسالة.

وسأنطلق من كون القرآن هو الشيء الوحيد الذي يمكن مناقشته لإثبات النبوة، وهو القاسم المشترك بين كل الفرق الإسلامية من السلفيين الجهاديين إلى الشحروريين والنيهوميين (إن صح التعبير) أي من أقصى الانغلاق والتعصب إلى أقصى الانفتاح وسعة الأفق.

لن أناقش السنة وتصرفات محمد الشخصية، فالمؤمن الفعلي سيجد مبررا لأي تصرف مهما كان غريبا ومثيرا للتساؤل بكون النبي موحى إليه وأنه كان يتصرف ليس لمصلحته بل بإيحاءات مباشرة من الله أو سيرفض الرواية ويعتبرها غير موثوقة وفي كلتا الحالتين لن نصل لنتيجة. وفي مطلق الأحوال فإن هذه المقاربة لنبوة محمد قتلت بحثا ولا يوجد لدي ما أضيفه عليها.
وبالتالي سأحصر نقاشي بالقرآن فقط وتأثيره الإعجازي.

هناك عدة طرائق لنقض إعجاز القرآن، وكلها وجيهة، ومنها:
1 - الأخطاء اللغوية والعلمية والمنطقية في القرآن، وقد درست بشكل واف وليس لدي ما أضيفه في هذا السياق.
2 – التكرار والإعادة بدون أي معنى أو مبرر.
3 - السياسة الواضحة: تغيير كلام الله المنزل حسب الظروف السياسية وقوة أو ضعف وضع محمد.
وغير ذلك من النقاط.

لكن الأخطاء العلمية كانت غير معروفة في ذلك الزمان، والتكرار بحد ذاته ليس دليلا على شيء والسياسة قد لا تبدو غريبة في ذهن البدو البدائيين وقتها عابدي آلهة القبائل التي ينتصر كل منها لقبيلته. وبالتالي فقد كان المسرح مهيئا تماما لمحمد أن يبهر الناس بإعجازه الخالد لكن...

هل تعتبر البلاغة بحد ذاتها إعجازا يجعلني أصدق أنها آتية من إله ؟ لماذا هذه المعاملة الخاصة لبلاغة القرآن ؟ لماذا لا يعتبر جبران خليل جبران أو المتنبي أنبياء إذا كانت البلاغة يمكن أن تكون إعجازا ؟ ما هي المعايير العلمية التي تجعل هذه البلاغة إعجازية وغيرها ليست إعجازية ؟

وحتى لو سلمنا جدلا أن البلاغة يمكن أن تكون إعجازية، يبقى تساؤل ..
خلال 13 سنة من الدعوة المستمرة من صاحب الدعوة بالذات وليس غيره، لم يفلح هذا الإعجاز المفترض إلا في جذب أقل من مائة شخص للإسلام، مائة شخص فقط، أي ثمانية أشخاص في السنة تقريبا !! منهم زوجات وعائلة وأقرباء وأصدقاء محمد !!

بدأت الناس في التحول فعليا إلى الدين الجديد بعد الهجرة عندما قويت شوكة المسلمين وأصبح هناك مغانم وسبايا وأسلاب تسيل اللعاب وليس لبلاغة وسحر القرآن أو أي إعجاز تخيلي فيه.

لعل أفضل تشبيه لذلك هو البعثيين في سوريا والعراق، حيث اندفع الناس أفواجا إلى الانتساب للحزبين بعد استلامهم السلطة وأصبح من المستحيل التمييز بين الأقلية التي تنتسب عن قناعة والغالبية الساحقة التي تنتسب لمصلحة وانتهازية بعكس بعثيي الأربعينات والخمسينات الذي كانت الغالبية الساحقة منهم منتسبين عن قناعة.

ومن ناحية أخرى، فهناك تصور في منتهى السذاجة عند عموم المسلمين ومفاده أن أي شخص غير مسلم هو أحد احتمالين لا ثالث لهما، إما جاهل ومضلل (بالفتحة) أو خبيث ومضلل (بالكسرة) يعرف تماما أن الإسلام دين الحق ويكابر لأنه يفضل الملذات ولا يستطيع كبح جماح نفسه.
وهذه التفكير نابع بالطبع عن الهراء الذي يحشى في عقول الناس من طفولتها عن كون الإسلام دين الفطرة السليمة الذي يرتاح إليه قلب الإنسان وعقله إلا إذا أتى من حرفه عن طريق الحق إلخ.

يتناسى المسلمون هنا جانبا هاما من طبيعة البشر وهي الخوف، فالمجرم يرتكب جريمته على أمل ألا يحاسب عليها، فلو عرف القاتل مسبقا أنه سيعدم حتما جزاء ما اقترف لما قتل بالتأكيد (وهذه بالمناسبة من المغالطات الشائعة التي يرتكبها أنصار العقوبات الوحشية المسلمين وغير المسلمين، إذ يتصورون أن شدة العقوبة عامل زجر بينما يرتكب المجرمون جرائمهم على أمل ألا يضبطون ولا يعاقبون أصلا).

يحقل القرآن بالتهديد والوعيد بشكل ليس له مثيل، النار والشوي والحديد المصهور والسلاسل وغيرها، وفي العقيدة الإسلامية لا يوجد مهرب من الله، فهو يعرف الظاهر والباطن وما كان وسيكون، وبالتالي فعقوبة الكافر لا مهرب منها إطلاقا، وأي عقوبة أرضية تبدو أمامها تافهة ولا تذكر مهما كانت قاسية.

أنا شخصيا لو كان عندي شك واحد في الألف بإمكانية أن تكون الديانة الإسلامية صحيحة لما قمت عن سجادة الصلاة إطلاقا ولصمت 12 شهر عوضا عن شهر واحد ولحججت كل سنة. أي عاقل سيفعل ذلك إذا عرف أن مصيره النار في النهاية حتما.

هذا ناهيك عن المكافأة، فتجنب العقوبة وحده حافز لا مثيل له للطاعة والعبادة، ومن لا يصدقني لينظر كيف تقفز الناس (والمؤمنين أولهم) وتدبك في مظاهرات الفرح بأعياد نصر صدام حسين وأمثاله من القادة الملهمين، ليس انتظارا لمكافأة بل خوفا فقط من العقوبة.
أرجع للقرآن، هل يريدني المسلمين أن أقتنع بإعجازه – بغض النظر عن كل ما فيه – في حين أن الدعوة المباشرة – مصحوبة بالوعد والوعيد والتهديد - من محمد لمدة 13 سنة كاملة والاطلاع المباشر على الإعجاز القرآني من أكثر الناس قابلية لتأثر به، أي من الناس الذين يتكلمون العربية ويقدرون البلاغة حق قدرها، ويعرفون حق المعرفة العواقب الوخيمة الحتمية لعدم اتباع الدعوة، كل هذا لم ينتج إلا حوالي مائة شخص !!

هل كان الناس أغبياء ؟ يعرفون أنهم سيشوون إلى الأبد ويختارون ذلك بأنفسهم ؟ أم أنه من المنطقي أكثر أنهم لم يروا تلك البلاغة الأسطورية التي يتحدث عنها الناس الآن ؟
هل أتجنى على الحقيقة وأتحامل على الإسلام إذا قلت أن بريق الذهب ونعومة بشرة السراري والتهديد بالقتل في حال المخالفة أفضل ألف مرة من كل الإعجاز البلاغي في جذب الناس للدين ؟
هل يا ترى كان محمد يقوم بالدعوة والحوار بنفسه لتبيان الإعجاز بعد أن اصبح قائد دولة أم انشغل أكثر بالتخطيط للغزوات وعقد التحالفات والاستمتاع بنتائج ذلك ؟

لماذا كان الناس لا يقتنعون بدعواته المخلصة عندما بح لسانه بها واندفعوا أفواجا إلى الإسلام عندما بدأت كفته السياسية والعسكرية ترجح بدون حتى أن يسمعوا شيئا من القرآن ؟
هل كان المقاتلون من أفراد القبائل التي تسلم دفعة واحدة مقتنعون بالإعجاز المفترض ولانت قلوبهم أمام بلاغة القرآن وسحره أم أنهم وقفوا بحكمة مع المنتصر اتقاء لبطشه وأملا بالمكاسب ؟

أنا مقتنع أن الرجال تعرف بالحق وليس العكس، وأن عدد معتنقي عقيدة ما ليس دليلا على صحتها أو خطئها بأي شكل من الأشكال، لكني أناقش هنا إعجاز مبهر حاسم هدفه تحديدا هو بيان صحة الرسالة وليس نظرية علمية يمكن إثباتها أو دحضها، وبالتالي أستطيع أن أفترض أن عدم اكتراث أغلب الناس بهذا الإعجاز يمكن أن يفسر بعدم وجود هذا الإعجاز أصلا، خصوصا مع العواقب الوخيمة الناتجة عن تجاهله.

مما وصلنا من الأدبيات الإسلامية نستنتج أن أكثر الناس لم تتأثر إطلاقا بهذا "الإعجاز" على ما يبدو، بل أكثر من ذلك فقد أشبعوا محمدا سخرية، والحل الوحيد إزاء هذا "الجحود" كان في مهاترتهم وسبابهم ووصفهم تارة بالبهائم وتارة أخرى بالمجرمين وغيرها من الألفاظ التي لا أعتقد أنها تليق بإله مطلق القوة أمام مخلوقات لا حول لها ولا طول. وبرأيي أنه كان من الأفضل بكثير للإله أن يبعث معجزة أكثر إقناعا مع نبيه عوضا عن الدخول مع مخلوقاته في مهاترات.

من كل ذلك أقدر أن هالة إعجاز القرآن البلاغية هي أسطورة يشربها المرء من صغره مع حليب أمه إذ يكرر له ليل نهار في المدرسة والجامع والمجتمع أن هذا الكتاب إعجاز ويستحيل الإتيان بمثله حتى تترسخ هذه المقوله في عقله الباطن، ونظرا أن التعليم لدينا هو في أغلب الأحوال مجرد تلقين تقتل فيه بشكل ممنهج إبداعية الفرد وقدرته على المناقشة العقلانية فلا يستغرب أن يصبح القرآن معجزة لمجرد أن كل الناس تقول أنه معجزة.

وبالتالي ففي غياب اي إعجاز في القرآن (ناهيك عن تناقضاته وأخطاءه) وعدم وجود معجزات مادية لا يمكن دحضها غيره لتقنعني لا يبقى هناك ما يجعلني أصدق نبوة محمد حتى لو سلمنا جدلا أنه صادق ومخلص وذو أخلاق لا غبار عليها ومقتنع تمام الاقتناع بما يدعو إليه لأني بكل بساطة أريد دليلا والبينة على من ادعى.

حلقة الإيمان الخامسة والأخيرة، صحة النقل:
الآن وصلت إلى القسم الأخير من المقال، أنا الآن مسلم مؤمن بأن محمدا هو خاتم الأنبياء الذي اختاره الله ليبين دين الحق وأن القرآن هو معجزته الخالدة. وبقي الآن علي أن أعمل عقلي كي أميز صحة أو عدم صحة ما وصلنا منه عبر التراث الإسلامي أي القرآن وسيرته والأحاديث المنقوله عنه.

ولن أدخل هنا في بحوث تاريخية وأبحث في بطون الكتب والمخطوطات القديمة لأفند الصحيح من الخاطىء منها، فهذا يتجاوز قدرتي بكثير من عدة نواح وتوجد في هذا السياق الكثير من الأبحاث الأكاديمية التي لا أستطيع أن أضيف إليها شيئا يذكر.

ما أريد مناقشته وبيانه فقط هو خطورة الاعتماد على مصادر تأتي من جهة واحدة للحصول على المعلومات، خصوصا إذا كانت هذه المعلومات تاريخا سياسيا ودينيا توجد مصلحة مباشرة لكل الناس في تحويره وتعديله ليتوافق مع هواهم.

"التواتر القطعي": هو حجة المسلمين على أن ما وصلنا من المصادر الإسلامية هو صحيح تماما نظرا "لاستحالة" أن يتفق هذا العدد الكبير من الناس على الكذب في موضوع معين. وهذا التواتر القطعي هو بالذات ما أريد مناقشته في بقية المقال.

فبالنسبة للمسلم يكفي أن تأتي الرواية أو الآية أو الحديث على لسان عدد معين (لا أدري ما هو بالضبط) حتى تصبح واقعا لا مراء فيه وتصبح مناقشة صحته كفرا وهرطقة، وما سأفعله هنا هو الاتيان ببعض الأمثلة من التواتر القطعي المعاصر لإظهار تهافت وسخف حجة التواتر المعتمدة.
يا هل ترى، هل يوجد سوري أو مصري لم يسمع بجول جمال ؟ لمن لا يعرفه من غير السوريين والمصريين، جول جمال هو الضابط السوري البطل الذي تطوع في البحرية المصرية والذي اندفع بزورق الطوربيد الخاص به في قلب الدارعة الفرنسية جان بارت Jean Bart الضخمة وأغرقها على الفور بمن عليها في حرب السويس عام 1956.

وهذه بعض الروابط التي بحثت عنها على عجالة لتبين بطولاته وإن أخطأت واحدة منها وسمت السفينة جان دارك.

رابط 1
رابط 2
رابط 3

في سوريا مئات من المدارس والشوارع المسماة باسمه في مختلف المدن، وفي مصر كذلك.
وأنا درست كالملايين من الطلبة السوريين قصته في كتبي المدرسية.

والحادثة لم يمر عليها حتى الآن خمسين عاما بعد (وعندما درستها عشرين) في عصر كان فيه راديو وصحف لها مراسلين ومطابع ومراكز توثيق ودول شبه حديثة فيها جامعات ومعاهد وسيارات وطيران وغيره من صفات الحضارة الحديثة.

ما الذي أريد أن أقوله من كل هذه المقدمة الطويلة ؟ بكل بساطة أريد أن أقول أن هذه الحادثة هي أكذوبة من أولها لآخرها ولم تحصل على الإطلاق !!! نعم أكذوبة ولا أدري ما الذي فعله جول جمال في حرب 1956 بالضبط لكنه بالتأكيد أنه لم يغرق الدارعة جان بارت على الإطلاق.
لربما كان جول جمال بطلا، ولربما استشهد فعلا في الحرب، بل لربما حاول فعلا إغراق الدارعة وقتل ولكنه بالتأكيد لم يغرقها وهذا لا ينتقص من بطولته لو حاول فعلا.

إليكم بعض الارتباطات التي تابعت تاريخ السفينة:
ويكيبيديا
نجد أن:
1 – السفينة هائلة الحجم، طولها 248 مترا ووزنها 49 ألف طن.
2 – طاقمها كان 1280 بحارا في حرب السويس.
3 – بنيت عام 1936 وأطلق إلى البحر عام 1940 ودخلت الخدمة عام 1949 و....
4 – أخرجت من الخدمة عام 1961 !!!
5 – وتم تفكيكها إلى خردة عام 1969 !!! أي بعد 13 عاما من غرقها المزعوم !!!

عندما سمعت لأول مرة أنها لم تغرق وأن الحكاية كلها مختلقة لإبراز بطولات وهمية لم تحصل لم أستطع تصديق ذلك، هل من المعقول أن تكون كل هؤلاء الناس متفقون على الكذب ؟ الحادثة وقعت في القرن العشرين في البحر المتوسط مركز الدنيا وليس في مجاهل أفريقيا أو القطب الشمالي.
أين الصحفيين ؟ أين الكتاب ؟ أين من رجع من الحرب ليحكي ؟ وأهم شيء، أين الفرنسيين كي يكذبوا القصة ؟؟

حسب أحد المصادر (الذي لم أستطع التأكد من صحته من مصادر أخرى) فإن قبطان الدارعة أقام وقتها حفل استقبال للصحفيين على ظهر الدارعة "الغارقة" ليروا بعينهم الأكذوبة. ولكن تم التعتيم على ذلك في الإعلام العربي.

نحن لا نتحدث عن زورق صغير يمكن الكذب بشأنه وتغطية خسارته، بل عن دارعة هائلة عليها أكثر من 1200 بحار يمكن لأي منهم تكذيب الحكاية لو أخفت البحرية الفرنسية غرقها ناهيك عن بقية الجيش الفرنسي والإنجليزي والإسرائيلي.

كيف اخترعت القصة ؟ بكل بساطة ما حصل هو أن مصر مع شديد الأسف أذلت عسكريا في حرب 1956 وهذا متوقع تماما لجيش دولة متخلفة أمام الجيش الاسرائيلي أولا ثم جيشي قوتين عظميين. أذلت عسكريا على الرغم من الانتصار السياسي الكبير الذي تحقق مصادفة نظرا للخطأ الكبير الذي وقعت فيه أطراف العدوان بتصور أنها ما زالت قوى عظمى أولى في العالم وبالتالي التصرف بدون التنسيق مع الولايات المتحدة التي لقنتهم درسا في الطاعة انعكس ذلك الانتصار الكبير لعبد الناصر.

لكن عبد الناصر ومهرجيه الكذابين أراد بالإضافة إلى ذلك اختلاق انتصارات عسكرية أيضا، ولا أدري من اختلق القصة أولا لكن يبدو أنها اكتسبت زخما جعل من الصعب التراجع عنها، وفي جو السعار القومي العروبي الشمولي آنذاك لم يكلف الكثير من الناس أنفسهم عناء التحقق من القصة التي أصبحت واقعا تاريخيا في المخيلة الجمعية لشعبين يعدان بالملايين. لكن كيف تعرف أن كل الموضوع كذب بالاطلاع فقط على الكتابات العربية "المتواترة" ؟

لدي شخصيا عدد كبير من القصص التي تسير على نفس المنحى:
1 – في سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي وقع في يدي عدد كبير من القصص والكتب السوفيتية (التي كانت تباع بشكل شبه مجاني لنشر الشيوعية، تماما كما تباع الكتب الإسلامية الآن)، أغلب هذه الكتب كانت تتحدث عن "الحرب الوطنية العظمى " (أي الحرب العالمية الثانية) وبطولات الجيش السوفيتي فيها ونبل أفراده وتضحياتهم في سبيل الشيوعية و"تحريره" لألمانيا وأوروبا الشرقية والعدوان الآثم الذي تعرض له الاتحاد السوفيتي النبيل الوطن الاشتراكي الأول.
العشرات من الكتب لعشرات من الكتاب لا تحوي سوى الهراء المقطر والكذب بدون حياء ولا خجل والاحتقار الذي لا حدود له لذكاء الناس. ولكن كيف تعرف أنها كذب دون أن تطلع إلا على الكتابات السوفياتية "المتواترة" لعدد كبير من الكتاب لا يمكن أن يتفقوا على الكذب ؟

2 – رأيت على الفضائية العراقية أثناء مروري عليها عدد من الندوات "لمفكرين" و"باحثين" عراقيين وعرب تبين انتصار صدام وهزيمة الأمريكان والحلفاء في حرب 1991، إذا لم يصلك غير كلام هؤلاء "المتواتر"، كيف تعرف ما جرى ؟

3 – قرأت مرة كتابا تافها اسمه The Arab Israeli Wars لمؤلف اسرائيلي لم أعد أذكر اسمه عن إطباق جيوش ست دول عربية على إسرائيل في عام 1948 والخطر المحيق الذي نجت منه، نسي الدجال أن يقول أن عدد أفراد الجيش الإسرائيلي وقتها كان ضعف عدد أفراد الجيوش العربية مجتمعة، ناهيك عن خبرة أفراده الذي حارب الكثير منهم مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية والإمكانيات المادية الكبيرة للوكالة اليهودية التي كانت تمد اليهود بالمال والسلاح والذخائر والتغطية السياسية لإسرائيل من كل الدول العظمى وقتها. ولكن إذا قرأت هذا الكتاب فقط ستخرج بانطباع أن بطولة اليهود الخارقة هي التي انتصرت أمام جحافل العرب التي ملأت الآفاق وحجب غبارها نور الشمس.

باستطاعتي الاسترسال كثيرا في هذا المجال لولا خوفي من الإطالة والإملال.

ما أريد قوله باختصار هو التالي: كل ما وصلنا عن حياة محمد وسيرته والقرآن والسنة أتى حصرا من مصادر إسلامية، فالمراكز الحضرية في ذلك الزمن (بيزنطة وفارس) لم تنتبه إلى أن شيئا ما يجري في الجزيرة العربية إلا بعد وفاة محمد وبالتالي قلا يوجد أي ذكر لسنوات الإسلام الأولى فيها إطلاقا.

عندما ندرس التراث الإسلامي بما وصلنا عن المسلمين فقط (وهذا كل المتوافر) يجب أن نكون على أقصى درجات الحيطة والحذر حتى بافتراض أفضل النوايا، ففي هذه الحالة نكون كقاضي يصدر حكما بمجرد سماع طرف واحد فقط، وهنا أريد أن أسأل بعض الأسئلة على سبيل المثال وليس الحصر في أي حال من الأحوال.

1 – ما هو يا ترى مدى صحة الاضهاد المزعوم "لكفار" قريش لمحمد ؟ لماذا تركوه يدعو لمدة 13 سنة بدون أن يتعرضوا له ؟ هل يوجد أثر تاريخي واحد لمؤلف "كافر" حاول أن يشرح وجهة نظرهم من القضية ؟
2 – ما قصة المؤامرات التي حاكها بني قريظة وغيرهم من اليهود وسببت إفنائهم وتهجيرهم ؟ هل وصل إلينا شيء من وجهة نظرهم ؟
3 – ما هي صحة الآيات المنسوبة لمسيلمة "الكذاب" عن الضفدع التي نصفها في الطين ؟ هل وصلنا شيء منه شيء غير عن طريق خصومه ؟

كذب المصلحة والسياسة التاريخي واضح الهدف وتعج به كتب الأحاديث من تنبؤات ما أنزل الله بها من سلطان مثل حديث إصلاح الفتنة بين فئتي الأمة وحديث تقتله الفئة الباغية وحديث الجبل الذي عليه الشهداء والخلفاء وغيرها كثير.

الكذب الذي لا يقل خطورة عنه هو كذب المؤمنين الصادقين الذين يرون في محمد الكمال المطلق والذين يعتبرون أن أي خبر عنه يناقض هذا الكمال المطلق غير صحيح ويجب حذفه، أو بالعكس يجب اختراع معجزات وكرامات لجذب العوام إليه، ومع الوقت تضيع معالم ما حذفوه ويصبح ما اخترعوه حقائق لا لبس فيها.

بين نوعي الكذب وبين حقيقة أن كل تاريخ السنين الأولى للإسلام وقع في بيئة غير متحضرة لا وجود فيها عمليا للكتابة والتأريخ الفعلي وبين غياب أي تأكيد خارجي لأحداث تلك الفترة ووقائعها.

بين ذلك كله لا بد لي من أخذ أي رواية إسلامية وصلت لي (قرآن أو حديث أو سيرة) لا كواقعة فعلية بل كرواية يجب التحقق منها وعدم تصديق شيء فيها قبل التمحيص التام فيها ومحاولة التثبت منها تاريخيا، وعدا ذلك في رواية، مثل سيرة امرئ القيس أو أبو زيد الهلالي، لا أكثر ولا أقل.

في النهاية أكرر أن هذا الموضوع ليس بحثا علميا أو شاملا بأي حال من الأحوال، بل هو مجرد انطباعات شخصية عن منهجية التفكير الإيماني عموما والإسلامي منه خصوصا وضعفه وعدم ترابطه واعتماده المطلق على الإيمان الأعمى بدون دليل في كل مرحلة من مراحله.



عدة كشف المغالطة


هذا المقال هو نقل عن كتابات العالم الفلكي الكبير Carl Sagan، وبالتحديد هو جزء من أحد كتبه وهو The Demon Haunted World: Science as a candle in the dark (العالم المسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام) وقد سمى الفصل The baloney detection kit (عدة كشف الدجل أو المغالطات) ويشرح فيه بعض المغالطات المنطقية في النقاشات وكيفية كشفها وطريقة عمل الذهن الناقد الشكاك التي لا تقبل بتصديق أي شيء ما لم يوجد دليل دامغ عليه.

وبمتابعتي للكثر من النقاشات الدينية، لاحظت الكثير من هذه المغالطات التي يرتكبها المحاورون باستمرار وقد أحببت أن أشرح هذه المغالطات مع أمثلة مما رأيته.

متطلبات الحوار الأساسية:
1 – يجب أن يكون هناك تأكيد مستقل "للوقائع" إذا كان بالإمكان: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فعمليا كل "الوقائع التاريخية" التي يتحدث عنها المتدينين تأتي من مصدر واحد وهو الكتب الدينية دون أي سند تاريخي من أي جهة محايدة: إبراهيم، نوح والطوفان، موسى وشق البحر، ....

2 – يجب أن تشجع مناقشة كافة الحجج والبراهين من كافة الأطراف المعنية والمطلعة:
بالرغم من عدم وجود مشكلة في ذلك في منتديات الحوار الإلكترونية نظرا لطبيعتها، لكن هذه النقطة في غاية الأهمية في كتابات الدينيين التي يردون بها على اللادينيين، إذ غالبا ما يمنعون الكتاب الذي يناقشوه ! أو في حالات أخرى يناقشون أنفسهم عوضا عن مناقشة الطرف الآخر، والمثال الأشهر على ذلك هو عندما "يفحم" مصطفى محمود صديقه الملحد بعد أن يكون هو الذي وضع كلام الملحد وتولى بنفسه الإجابة عليه ولم يعط الملحد الافتراضي فرصة التعقيب.


3 – حجة السلطات ليس لها قيمة على الأغلب:
والمعني بالسلطات هنا هو أي شخص أو جهة لها أهمية، كمثال على ذلك: هذا الموضوع أكده العالم الفلاني فإذا هو صحيح، أو طالما أسلم شخص مشهور فذلك يعني أن الإسلام صحيح، أو طالما قال القرآن أن أكل لحم الخنزير حرام فهو مضر بالبشر. المشكلة هنا أنه حتى تكون لحجة السلطة قيمة يجب توافر الشروط التالية:
- أن تكون السلطة مختصة بالموضوع المطروح، فلا يكفي أن يكون الشخص مشهورا أو ذو شعبية. ولا يجب الاستشهاد برأي كيميائي علامة في موضوع جيولوجي مثلا.
- يجب أن يفسر كلام السلطة بدقة شديدة ولا يخرج من سياقه (الإسلاميون أبطال هنا في هذا المجال وخصوصا في موضوع "الإعجاز العلمي").
- يجب أن يكون هناك دليل مادي وملموس على الحجة بغض النظر عن قوة السلطة وتخصصها فكل إنسان يخطىء.
- يجب أن توجد طريقة للحكم على حجج السلطات المختلفة وأيها أصح في حالة التعارض (الأديان المختلفة على سبيل المثال).

4 – يجب طرح أكثر من فرضية واحدة لتفسير أي ظاهرة، فإذا كانت هناك ظاهرة معينة يجب التفكير في جميع الاحتمالات التي يمكن أن تفسر هذه الظاهرة ثم التفكير بطرائق يمكن بواسطتها دحض هذه الفرضيات والفرضية التي تنجو من كل محاولات الدحض تكون هي الصحيحة.
وعلى سبيل المثال وبرغم أني شخصيا لا أرى ما يستحق النقاش في موضوع "الإعجاز العلمي" ولكن سأطرح بعض أفكاره هنا لتبيان النقطة:

يدعي الإعجازيون أن القرآن تنبأ بكروية الأرض قبل اكتشاف ذلك بآلاف السنين، وبالتالي فلا يوجد تفسير سوى أن الله قد أنزل ذلك على محمد وبالتالي هو نبي. سنفرض هنا أن القرآن قد قال فعلا بكروية الأرض (برغم أن ذلك غير صحيح إلا بتأويل الكلام بأشد أنواع التأويل تعسفا) ولكن هل تفسير هذه الظاهرة الوحيد هو أن محمد رسول الله ؟

فرض أول: العالم Eratosthanes في مصر الذي عاش في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح، أي قبل محمد بألف عام تقريبا لم يكتف بإثبات كروية الأرض فقط، بل قاس ايضا قطرها بدقة تبعث على الدهشة نظرا لبدائية الوسائل المتاحة له. ومن الممكن افتراض ان ذلك وصل إلى محمد بطريقة ما عبر أسفاره.
فرض ثاني: أخبر أحد رواد الفضاء من عالم آخر محمد بذلك.
فرض ثالث: محمد قال هذا الكلام صدفة بدون أن يعرف أنه صحيح.
فرض رابع: محمد من المستقبل وقد رجع إلى الماضي وكتب تلك المعلومة.
فرض خامس: محمد رسول الله.
فرض سادس: محمد مندوب الشيطان وقد أخبره بذلك كي يغوي البشر عن دين الحق وهو البوذية مثلا.
فرض سابع: محمد عالم فلك وقد توصل إلى ذلك الاكتشاف وأحب أن يستغله كي يدعي النبوة. وغيرها وغيرها ....

الآن علينا أن نبحث في هذه الفرضيات واحدة بعد الأخرى ونحاول أن نستبعد ما يثبت خطأه منها ثم نختار الباقية ونعتمدها. وهذا يقودنا للنقطة التالية:

5 – حاول ألا تتعلق بنظرية أو فرضية ما لأنها لك أو لكونها تروق لك شخصيا، هذه النقطة من أصعب النقط لأنه عندما يتعلق الشخص عاطفيا بنظرية معينة يصبح همه هو إثباتها بأي طريقة ويتجاهل (ولو لا شعوريا) الدلائل التي تدل على عكسها. الحل هنا يكمن في النظر بتجرد وعدل بين كل الاحتمالات ومقارنتها ومحاولة تحسس نقاط الضعف في نظريتك نفسها لأنه إذا لم تفكر أنت في مكامن ضعف نظريتك فسيفكر غيرك بها.

6 – تحدث بالأرقام إذا أمكن، فإذا كانت المسألة التي تريد اثباتها لها صفات رقمية فهذا يساعد كثيرا على اختيار الخيار الصحيح.

إذا أخذنا مثالا على ذلك النقاش حول انتشار الإسلام الواسع في الدول الغربية، الشيء الذي يكرره الإسلاميون باستمرار كدليل على صحة الإسلام (برغم عدم منطقية هذا الدليل إذا أن الحقيقة لا يتم التوصل إليها بعدد الأصوات وإلا كانت المسيحية هي الدين الصحيح !!)، نجد دائما أن كلامهم غير مرفق بأرقام وإن أرفق فهذه الأرقام بلا أي سند علمي أو منتزعة من سياقها. فحتى يمكن أن أتحدث عن زيادة عدد معتنقي الإسلام يجب ان أوضح:

- عدد السكان العام
- نسبة المنتمين لكل دين ونسبة الملحدين
- نسبة التوالد والزيادة الطبيعية بالنسبة لمعتنقي كل معتقد
- نسبة الهجرة القادمة بالنسبة لعدد السكان ونسب كل معتقد فيها
- نسبة تاركي الإسلام برغم ولادتهم مسلمين
- نسبة المسلمين الذين ولدوا كذلك ولا يهتمون كثيرا بالأديان حتى يحاولوا البحث في تغيير دينهم.
- الخلفية الإثنية لمعتنقي الإسلام، فعدد كبير من السود يعتنق الإسلام نكاية بالرجل الأبيض وكعلامة احتجاج أكثر منه قناعة بالحجة.
- الأسباب التي دفعت الناس إلى الدخول في الإسلام (نسبة لا يستهان بها تدخل الإسلام كي تتزوج من مسلم أو مسلمة فقط أو كي ترث دون أي قناعة من أي نوع وأنا شخصيا أعرف أكثر من مثال على ذلك).

ومن نافل القول أن أغلب "الباحثين" المسلمين عندما يثير موضوع انتشار الإسلام في الغرب لا يجدون أي ضرورة في إجهاد أنفسهم بتحري مثل هذا الجزئيات التافهة ويكتفون في أغلب الأحوال بالقول ان عدد المسلمين في أمريكا في سنة 1950 كان كذا والآن هو كذا. (بشكل يشبه تماما سخافات "الإنجازات والعطاءات" عندما تعد عدد المدارس قبل وبعد الثورة مثلا).

7 – إذا كانت هناك سلسلة اثباتات لقضية محددة فيجب أن تكون جميع حلقات هذه السلسلة مثبتة (ضمنا الفرض الأول منها) وليس معظمها فقط.

المثال الذي يحضرني هنا هو إثبات الغيبيات الإسلامية (الجنة، النار، الجن، إلخ ...) فحتى أصدق هذه الإثباتات يجب أن يثبت المسلم أن:
- هناك علة لوجود الكون
- هذه العلة هي الله
- هذا الله لا علة لوجوده
- أن الله يهمه أن يسمع رسالته إلى الناس
- أن الله يهمه أن تعبده الناس
- أن الله صادق ولا يخدع الناس
- أن الله قد اختار أن يعلن عن وجوده بطريقة الأنبياء الغريبة بدلا من إظهار نفسه بشكل واضح
- أن محمد هو رسول الله فعلا
- أن محمد صادق في كل ما قاله ولم يخطىء أو يسيء فهم كلام الله
- أن ما وصلنا عن محمد صحيح ولم يحرف
وربما كان هناك المزيد من البراهين،

ولا يمكن إثبات وجود أي من الغيبيات إلا بعد إثبات جميع حلفات السلسلة وليس أحدها فقط. أعتقد أن مثالي هنا ظالم بعض الشيء لأن معظم إن لم يكن كل حلقات هذه السلسلة ضعيف للغاية.

8 – إذا كانت هناك أكثر من نظرية تقدم تفسير لمسألة ما بشكل جيد، فمن الأفضل اتباع أسهلها، ويقصد بأسهلها النظرية التي فيها أقل عدد ممكن من الفرضيات غير المثبتة. يطلق على هذه القاعدة اسم حد أوكام Occam’s Razor.

أي بعبارة أخرى يجب اتباع النظرية الأسهل بين النظريات التي تقدم تفسيرا لكل المعطيات المتاحة.
وعلى سبيل المثال، إذا رأيت أحدا يتدحرج على الأرض ويصرخ وأنا لا أعرف الكثير عن الطب بحيث لا يمكنني التمييز بدقة أكثر وتحري أصل المشكلة بالضبط، يمكن أن أفترض:

- بأن الموضوع هو اضطراب كيميائي في دماغه
- أو أن الجن الكافر قد تلبسه
إذا أخذت بنظرية الجن الكافر فيجب أن أفترض أنه
- يوجد جن
- وأن الجن شقين كافر ومؤمن
- وأن الجن الكافر يتلبس البشر وأن علامات التلبس هي الدحرجة والصراخ إلخ ... وكل هذا بالطبع غير مثبت.

بينما في الحالة الثانية الأمر أسهل بكثير وفيها فرض واحد فقط.

لاحظ أن النظريتان تقدمان تفسيرا معقولا حسب المعلومات القليلة المتاحة وقد تم اختيار الأولى نظرا لقلة الافتراضات غير المثبتة فقط.

تنطبق نفس القاعدة على مناقشة وجود الله بذاته كتفسير للكون ووجود الروح كشيء منفصل عن الجسد ومستقل عنه، حيث كلتاهما فرضيتان تزيدان من تعقيد الشرح عوضا أن تبسطاه.

9 – النقطة الأخيرة في غاية الأهمية ولعلها الأهم على الإطلاق في رأيي، وتنص أن يجب لأي نظرية أن تكون قابلة للاختبار وللنقض من حيث المبدأ على الأقل، فكل ما لا يمكن اختباره ونقضه لا قيمه على الإطلاق.

والمثال الأول على ذلك هو وجود الله نفسه، فمهما فعل المرء فلن يستطيع ابتكار اختبار علمي يثبت عدم وجود الله (أو وجوده بالطبع)، وهذا بالذات ما يجعل نظرية وجود الله ليس لها أي قيمة علمية على الإطلاق وتنقل بالتالي إلى مجال الإيمان الذي لا علاقة له بالعلم.

ولعل من أمتع ما قرأته حول هذا الموضوع هو التنين الوردي، لا أذكر حرفية القصة لكنها تسير بالشكل التالي:

يقول أخ لأخيه: يوجد في غرفة النوم تنين وردي ينفث النار.
ينظر الأخ ليتحقق فلا يرى شيئا، يسأل أخاه فيقول له هذا بسبب أن التنين الوردي خفي.
- ولكن أليس له علامات أقدام على الأرض ؟
- لا فهو يطير في الهواء
- مع ذلك، كيف دخل علينا وباب الغرفة مغلق ؟
- التنين يستطيع اختراق الأبواب لأن ليس له كيان مادي
- طيب، طالما أنه ينفث النيران لماذا لم يحترق البيت ؟
- لأن نيرانه خفية أيضا ولا تحرق الأشياء المادية

ويستمر الحوار بهذه الطريقة، ومن الواضح أن هذا ليس حوارا بل مهزلة، لأنه لا توجد أي طريقة يمكن للأخ الثاني بها اختبار وجود هذا التنين المزعوم وبالتالي نقض كلام أخيه وبإمكان الأول أن يقول أنه يوجد تنين أو فيل أو وحيد قرن أو أي شيء ما دام الكلام لا يمكن نفيه.

التجربة المسيطر عليها Controlled Experiment والتي يمكن تكرارها هي الأساس في العلم، التفكير المنطقي والمحاججة العقلية بحد ذاتها ليست دليلا علميا، فتعقيد الطبيعة أكبر بكثير من تعقيد الحجة.

هذا ينهي متطلبات المناقشة العلمية السليمة ونأتي الآن إلى طرح الخدع والمغالطات المنطقية التي يرتكبها البعض بانتظام مع أمثلة إذا أمكن.


1 – مهاجمة شخص المحاور عوضا عن حجته: لا حاجة لإجهاد النفس في البحث والتحري لإيجاد أمثلة في هذه النقطة فللأسف الشديد ارتقى بعض المحاورين الإسلاميين بهذه المغالطة إلى مرتبة الفن.
وأنا شخصيا لا أرى تعبيرا أوضح من هذه الطريقة في المناقشة على الإفلاس الفكري.

المؤسف أن هذه الطريقة في "النقاش" ليست مقصورة على المتدينين فقط بل استخدمت وتستخدم بانتظام من كل أطياف الفكر العربي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولعلها من أوضح تجليات الانهيار الفكري والحضاري الذي نعيشه.

2 – حجة السلطة: أو المطالبة بالثقة في شخص ما بدون دليل. مثال:
إذا حكم المشايخ البلاد فستعم البركة ويقضى على الفقر وتسود العدالة،
- كيف ذلك ؟ - لأنهم مشايخ أطهار ويجب أن نثق بهم فعندهم الحلول لكل شيء،
- سايرونا واشرحوا لنا كيف سيقضي حكمهم على الفقر، ما هو برنامجهم ؟
- يجب أن نثق بهم لأنهم يطبقون الشرع وبتطبيق الشرع سيحل كل شيء ......
- تحملوا غبائنا وبينوا لنا كيف سيؤدي تطبيق الشرع إلى حل مشاكل الإسكان والبطالة والفساد والتخلف العلمي والانفجار السكاني ونقص المياه والتلوث وحقوق الإنسان إلخ .... ؟
- ألا تفهم ؟ الشرع عنده حل لكل شيء، انتظر وسترى

طبعا بالإمكان النظر إلى البلدان التي يحكمها المشايخ ورؤية نتائج مثل هذه المحاججة. والشعب الإيراني المسكين يدفع غاليا اليوم ثمن ثقته بالحلول السحرية التي يقدمها المشايخ.

3 – الحجة بالجهل: أي المحاججة بأن كل ما لا يمكن إثبات خطأه فهو صحيح، أو بالعكس كل ما لا يمكن إثبات صحته فهو خطأ.
مثال 1: لا يوجد دليل مادي على عدم وجود النبي موسى وبالتالي فهو موجود.
مثال 2: لا يوجد دليل مادي أن الله موجود وبالتالي فهو غير موجود.

يمكن دحض هذه الطريقة في المغالطة بالعبارة التالية: غياب الدليل ليس دليلا على الغياب.

4 – التحذير من العواقب الوخيمة بلا دليل: أمثلة:
- إذا لم يعتقد الناس بالجنة والنار فسيفقد كل رادع وتعم الفوضى المجتمع.
- إذا لم تطبق الحدود الإسلامية فلن يتم ردع اللصوص والعابثين وستعم الجريمة.
- إذا لم نمنع الفكر "الكافر" فسيغوى الناس عن دينهم ويعم الفساد.
- إذا خلعت النساء الحجاب سيعم الفساد والدعارة وتتفكك الأسرة.

تم تكرار هذه المغالطات باستمرار يصل إلى حد الملل، طبعا لا تستند هذه التحذيرات إلى أي دراسة من أي نوع وإنما هي الرأي الشخصي لصاحب القول فعلى سبيل المثال:

- المجتمعات الأوروبية التي تحوي أعلى نسب ملحدين في العالم (تتجاوز 50% في بعض دول شمال أورويا) هي أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تنظيما وإنسانية وحضارة.
- لم يستطيع أحد الربط بين تطبيق حكم الإعدام وانخفاض معدلات الجريمة، فأمريكا التي تطبقه فيها معدلات جريمة أضعاف مضاعفة عن أوروبا التي لا تطبقه. الجريمة في أمريكا لها عواملها وشدة العقوبة ليست هي الحل وإنما هي فقط إشباع الرغبة البدائية في الانتقام. وتطبيق قطع الرأس تعزيرا في السعودية عقابا على تهريب المخدرات لم يوقف التهريب بأي شكل من الأشكال.
- أمريكا التي تسمح بكل أنواع الفكر من مختلف التيارات فيها أكبر نسبة مؤمنين في العالم المتقدم ولم يؤثر فيهم "الفكر الكافر" الذي يسهل الوصول إليه من أي مكتبة على ما يبدو.
- تفكك الأسرة لا علاقة له بالحجاب من قريب أو بعيد، فالأسرة لم تتفكك كما يبدو في الصين واليابان والهند بالرغم من عدم وجود الحجاب هناك. ما يجمع الأسرة حقيقة في مجتمعنا هو القهر القانوني الممارس بانتظام على المرأة وعدم استقلاليتها المادية والحجاب هو مظهر جانبي لهذا القهر فقط.

5 – التفسير بالجهل أو بالغموض Special Pleadingويستخدم عادة في إنقاذ المواقف الواقعة في تناقض منطقي وأخلاقي عميق. أمثلة:
- كيف يعرف الله مسبقا قبل أن أولد أني لن أكون مؤمنا ومع ذلك خلقني ليعذبني ؟
- جواب: أنت لا تستوعب دقة موضوع الإرادة الحرة في الإسلام.
- كيف يمكن أن يصاب طفل صغير بالسرطان، أليس هذا قسوة من الله ؟
- هذا ابتلاء وأنت لا يمكنك أن تناقش إرادة الله.
- كيف يعاقب الله الصالح مع الطالح والأطفال مع الكبار ويغرق الجميع في طوفان نوح ؟
- الله حر في عباده ومن أنت حتى تناقشه ؟
- كيف يرسل الله زلزالا يدمر حياة الناس بلا تمييز ؟
- قدر الله وما شاء فعل

6 – افتراض ما تحاول إثباته، أو بناء نتيجة على فرضية بحاجة إلى إثبات، أمثلة:
- الله موجود لأن تصميم الكون البديع لا بد له من مصمم، هنا تم تقديم فرضية أن للكون تصميما على أنها حقيقة للاستدلال على وجود المصمم.
- محمد رسول الله لأن االبلاغة لإعجازية للقرآن لا يمكن أن تأتي من بشر، هنا تم تقديم الإعجاز البلاغي القرآني كحقيقة ثابتة والبناء عليها.
- لابد من تطبيق حكم الإعدام لردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة، هنا تم تقديم فرضية أن حكم الإعدام سيؤدي إلى ردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة كحقيقة ثابتة.
- لابد من إعلان الجهاد لوقف المؤامرة العالمية الرامية للقضاء على الإسلام. (تم تقديم المؤامرة على الإسلام كحقيقة).
- شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين لأنه من المعروف أن المرأة متقلبة المزاج وتغلبها العاطفة، (بدون أي محاولة لإثبات تقلب المزاج وغلبان العاطفة، ثم تعميم ذلك على كل النساء بشكل مطلق وبشكل يدعو للضحك تنزيه كل الرجال من ذلك).

غالبا ما تأتي هذه المغالطة مسبوقة بكلمات مثل: "الكل يعلم" و "من الواضح" و "لا ينكر إلا مكابر" و "من المعروف أن"، إلخ ..

7 – الملاحظة الانتقائية: أي إبراز الأمور الإيجابية وتجاهل السلبيات. هذه المغالطة منتشرة بشكل هائل والكل يمارسها بانتظام:

- الشيوعيون يبرزون عدم وجود البطالة في مجتمعاتهم ويتجاهلون البطالة المقنعة وانخفاض الإنتاج.
- الإسلاميون يبرزون تماسك مجتمعاتهم ويتجاهلون الظلم والقهر الذي ادى لهذا التماسك.
- النظم العربية الديكتاتورية تتشدق بالاستقرار الذي جلبته بعد مرحلة الانقلابات وتتجاهل القمع الذي سمح بهذا الاستقرار.
- تتفاخر الحكومات العربية بعدد الجامعات وتنسى ذكر مستوى التعليم المتدني. إلخ ...

8 – الإحصائيات بأرقام صغيرة. أو تعميم تجربة محدودة على الجميع:
- برهنت مرة إحدى المحاورات في أحد منتديات الحوار على تفكك المجتمع الأمريكي وتعاسة الناس فيه بأنها تعيش هناك وقد خالطت الناس هناك ورأت ذلك بعينها، النقطة هنا أن تعداد سكان أمريكا يعادل كل الدول الناطقة بالعربية مجتمعة، كم شخصا رأت المحاورة لتعمم ذلك ؟
واجهتني هذه المغالطة كثيرا في حياتي وهذا أمثلة واجهتني شخصيا:
- أحد الأصدقاء يقول أنه ليس عنصريا لكنه لا يحب الفلسطينيين كون كل تجاربه معهم كانت سلبية، كم من الفلسطينيين يعرف ؟ وكيف انطلق من ذلك للتعميم ؟
- النساء في الغرب عاهرات ويكفي أن ترى الأفلام الخلاعية لتعرف ذلك، كيف تم تعميم العهر على الجميع ؟ (هذه الخرافة بشكل خاص مغروسة في ذهن الرجال العرب الذين يسافرون لأول مرة إلى الغرب حيث يتوقعون أن النساء هناك مستلقيات على الطرقات بانتظار فحولتهم العربية)

أطرف ما يمثل هذه المغالطة هو نكتة يشنع بها على الأطباء: عالج مرة طبيبا مريضا مصابا بالسرطان بحساء البصل، وقد شفي هذا المريض فكتب الطبيب بحثا علميا عن فوائد حساء البصل في شفاء السرطان، وبعد فترة عالج مريضا ثانيا به فمات هذا المريض فعدل بحثه بحيث قال: يشفي حساء البصل 50% من مرضى السرطان.

9 – إساءة استعمال الإحصائيات: ولهذا عدة أشكال مثل:
- اعتبار البرهان الإحصائي ينطبق على الجميع: بما أن الرجال أكثر عدائية وعنفا من النساء إحصائيا فهذا يعني أن أي رجل عدائي أكثر من أي امرأة.
- الذين يرفضون التطور (حتى من بدايته، إذ أن بعض "المعتدلين" يقبلون أنه يطبق على غيرالإنسان) ويقولون أن احتمال تكون جزيئة الحياة الأولى ضعيف جدا، يتجاهلون حجم الكون الهائل واتساع الفترة الزمنية التي حدث فيها التطور. فالإنسان الذي يعيش عشرات السنوات ويتحرك في حيز مئات أو آلاف الكيلومترات لا يستطيع بسهولة تصور فترة آلاف ملايين السنين وآلاف ملايين السنوات الضوئية.
- أغلب الناس لا تستطيع تصور النسب المئوية الصغيرة جدا أو الأرقام الكبيرة جدا وبالتالي يصبح مجال التلاعب في إحصائياتها سهلا، فمثلا لا يتصور الإنسان العادي أن احتمال ربحه اليانصيب أقل بكثير من احتمال مقتله بحادث سير وهذا يفسر غباء الناس الذي تثرى بموجبه الجهات المنظمة لليانصيب، والإنسان الذي تبلغ ديونه الشخصية آلاف الدولارات يبدو له دين الدولة الذي يبلغ مئات الملايين رقما أسطوريا رغم أنه قد يكون كسرا ضئيلا من ميزانية تلك الدولة.
- استخدام الأرقام الملائمة فقط في الإحصائيات، وهنا لدي مثالين: مثال انتشار الإسلام في الغرب الذي بينته سابقا ومثال التفاهة التي روجتها أجهزة الإعلام الأمريكية في عام 1990 أن صدام حسين يملك رابع جيش في العالم، إذ اكتفت بعد الدبابات والطائرات والجنود (أعداد صحيحة أو قريبة من الصحة) وتجاهلت الاقتصاد والمستوى العلمي والتدريبي والصناعة ونوعية العتاد ومصادر قطع التبديل والموارد الطبيعية و و و و

10 – التناقض أو عدم الثبات على مبدأ، ولا يوجد مثال أوضح من ذلك أكثر من موضوع "الإعجاز العلمي"، فإذا طابق اكتشاف علمي ما تفسيرا ملتويا لجملة ما من القرآن يصبح حقيقة دامغة بينما يتم تجاهل أو تأويل ما هو واضح تماما بأنه تفسير غير دقيق أو مجاز:

- اختار الإسلاميون أن كلمة "دحاها" أنه جعلها بشكل البيضة، أما أن الشمس تغرب في "عين حمئة" و"تسجد لربها" فهو تعبير مجازي.
- اختار الإسلاميون أن تعبير "وإنا لموسعون" تدل على تمدد الكون وهذا قمة الإعجاز بينما الذكر الواضح أن الشهب التي تدور في مسارات محددة حول الشمس يمكن التنبؤ بها لآلاف السنين في المستقبل هي لرجم الشياطين التي تسترق السمع هو مجاز ويجب ألا يفسر بحرفيته.
- والطريف هنا أن نظرية الانفجار الأعظم أصبحت مقبولة لديهم ولا غبار عليها إطلاقا كونهم وجدوا نصا يمكن لوي عنقه لينطبق عليها بينما التطور وكل ما نتج عنه من أبحاث وراثية واستنساخ وتحسين نسل النباتات والحيوانات والأمثلة التي نراها كيف تطور الحشرات والجراثيم مناعتها تدريجيا ضد الأدوية والمبيدات الحشرية، كل هذا يتم تجاهله بكل بساطة لكونه "نظرية غير مثبتة".
- يسخرون من خرافات آلهة الإغريق بينما الطوفان والدببة القطبية التي أتت من القطب الشمالي والبنغوين الذي أتى من القطب الجنوبي وكنغر أستراليا والطوف الذي اتسع لملايين أنواع الحشرات وعشرات آلاف الزواحف والثدييات والطيور وطعام كل ذلك لفترة طويلة، ناهيك عن النباتات (التي يموت أغلبها عند غمرها بالماء) والتربة اللازمة لها وماء الطوفان الذي أتى من حيث لا يعلم أحد وذهب بعد الطوفان إلى حيث لا يعرف أحد وغيرها هي حقائق علمية ثابتة لا ينكرها إلا مكابر أو مغرض !!!

والتناقض ليس في الإعجاز العلمي فقط بل هو راسخ رسوخ الجبال في التفكير الإسلامي والأمثلة كثيرة:
- السنة يرون أن زواج المتعة الشيعي هو نوع من الدعارة (وهذا صحيح برأيي) ولكن التسري بغير حساب وإعارة الجواري والاستمتاع بأكثر من جارية معا لا غبار عليه من الناحية الشرعية.
- الغرب مطالب باحترام الشريعة الإسلامية والمسلمين المهاجرين وعدم ممانعة الدعوة الإسلامية بينما نحن غير مطالبون حتى باحترام مسيحيي الشرق الذين هم أصحاب الأرض مثلنا تماما من فجر التاريخ، ناهيك عن التبشير والعياذ بالله.
- يضحكون من تقديس الهندوس للأبقار بينما تقبيل الحجر الاسود هو قمة المنطقية.
- يشنعون على المسيحيين كهانتهم بينما تدخل المشايخ في الكبيرة والصغيرة وتكفيرهم للناس وارتزاقهم على حساب الشعب ومصادرة حق النقاش من الناس وحصره بهم فقط وفتاوي الجهاد والوعد بالجنة هو "علم ومساعدة في التفسير" فقط. وغيرها وغيرها

10 – إثبات نتيجة لا علاقة لها بالفرض (حتى لو كان الفرض صحيحا)، أي عدم الترابط المنطقي: من الأمثلة المضحكة على ذلك: لو كنت تحبني لاشتريت لي هذه الهدية، ولكن ليست كل الأمثلة واضحة بهذا الشكل:
- الإسلام دين إرهاب، يكفي أن تنظر للإرهاب في العالم حاليا حتى تعرف ذلك. (لا تحاكم الفكرة أو العقيدة من تصرفات أشخاص، بل تحاكم بذاتها).
- المسيحية هي دين الحق، ألا ترى أنها أكثر الأديان انتشارا في الأرض ؟ (عدد المعتقدين بفكرة لا علاقة له بصحتها أو عدمها).

11 – حدث بعد هذا، إذا فهذا هو السبب، أي لمجرد أن حادثا ما قد وقع بعد حادث آخر فهذا لا يعني أن الحادث الثاني كان نتيجة للحادث الأول ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو مثال الحضارة التي ازدهرت في العصر العباسي وقوة الدولة وقتها وكيفية استدلال الإسلاميين من ذلك على عظمة الإسلام. ولكن،
- هل يرجع الفضل في حضارة اليونان القدماء إلى سمو معتقداتهم الدينية وكون زيوس هو إله الحق ؟
- هل يرجع سبب حضارة الفراعنة الرائعة إلى عقلانية دينهم وكون الفراعنة آلهة فعلا ؟
- هل ترجع حضارة بابل وبقية حضارات بلاد الرافدين إلى أنهم كانوا يتبعون دين الحق الذي أتى به تموز وعشتار وبعل ؟ والصينيين ؟
واليابانيين والغربيين أخيرا ؟ لماذا فقط الحضارة الإسلامية نتجت عن صحة الدين ؟؟؟؟

كل هذه الحضارات - وضمنها "الحضارة الإسلامية" - نتجت عن عدة عوامل: الدولة المستقرة نسبيا، التحضر (عكس البداوة)، الرخاء الاقتصادي النسبي، قدر معين من حرية التفكير، وهذا السبب الأخير هو برأيي سبب الإنطلاقة الصاروخية للحضارة الغربية الحالية كما نعرفها قبل أي شيء آخر. وكل هذه العوامل ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالدين

12 – الأسئلة العبثية أو عديمة المعنى أو المناقضة لذاتها، والمثال الأشهر على ذلك هو سؤال: هل يستطيع الله خلق صخرة كبيرة جدا بحيث لا يمكنه تحريكها ؟ أمثلة أخرى:
- هل يستطيع ذهن الإنسان القاصر فهم طبيعة الله غير المحدودة ؟
- هل يستطيع الله خلق إله يماثله ؟
- لماذا الكلاب ليست قططا ؟

ومن أمثلة قرأتها في طروحات منتدى اللادينيين العرب:
- اذا اردت ان تعصي الله فلا تاكل من رزقه ؟
- اذا اردت ان تعصي الله فلا تسكن في بلاده. ؟
- اذا اردت ان تعصي الله فاذهب واعصيه في مكان لا يراك فيه ؟

وبالرغم أنها ليست أسئلة إلا أنها طرحت كذلك

13 – التطرف أو إلغاء الوسط: وهذه المغالطة منتشرة بشكل فظيع في الفكر الديني والوطني والعقائدي (أي جميع أنواع الدوغما) بشكل خاص:

- من كان ليس معنا فهو ضدنا (سيدنا جورج بوش الابن عليه السلام).
- يقسم العالم لفسطاطين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان (مولانا أسامة بن لادن كرم الله وجهه).
- إما أن تحب بلادك أو تكرهها.
- إما أنت طيب أو شرير.
- إما أنت وطني أو خائن.

واحدة من أفظع مشكلات الفكر الديني عموما والإسلامي خصوصا هي عدم وجود الحلول الوسط: إما أن تقبل الإسلام كما هو بدون أي اعتراض أو تعديل (حسب المذهب طبعا، فإسلام السنة غير إسلام الشيعة) وإما تكون كافرا أو مرتدا حلت عليك لعنة الله والناس أجمعين.

لا يمكن حصر المآسي التي سببها هذا النمط من التفكير وللأسف الشديد فإن التطرف والاستقطاب يزدادان في العالم حاليا بشكل مخيف وعند جميع الأطراف.

14 – المدى القريب / المدى البعيد: حالة خاصة هامة من تجاهل الوسط، أي تجاهل المنفعة البعيدة الأمد لحساب حل سريع قد يكون غير كاف في الكثير من الحالات: من الأمثلة الجيدة جدا والمعاصرة هي طريقة تعامل الدول العربية مع إسرائيل، وخصوصا دول "الصمود والتصدي" أو ما بقي منها:
- لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
- يجب حشد كل طاقاتنا في معركة المصير.
- لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بينما أرضنا محتلة.
- يجب توجيه الاقتصاد نحو الناحية العسكرية كي نستطيع الدفاع عن أنفسنا.
- يجب عدم بحث أي مواضيع فرعية مثل المشكلة الطائفية المستعصية أو الفساد كي لا نظهر ضعفاء أمام العدو. وما إلى ذلك من الشعارات الجوفاء.

وبصرف النظر عن صدق نوايا رافعي هذه الشعارات (أغلبهم لصوص وقطاع طرق وانتهازيون وهم أول من يعرف خواء كلامهم ونفاقه)، فهذه المغالطة منتشرة بشكل هائل حتى في أوساط عامة الناس التي تقودها عاطفتها قبل عقلها ويثيرها الكلام الحماسي وعنتريات أحمد سعيد في الستينات وسعيد الصحاف الأحدث منها.

بمناقشة سريعة، إسرائيل تملك قنابل نووية ليس هناك أدنى شك بأنها ستستعملها إذا لزم الأمر وكان هناك تهديد فعلي لوجودها، إسرائيل لديها عدد من أرقى المعاهد العلمية والجامعات في العالم، إسرائيل لديها صناعة متطورة واقتصاد يتفوق على معظم الدول العربية مجتمعة، ناهيك عن جيشها والدعم الأمريكي لها، ما هي فرصتنا في تحقيق نصر عسكري عليها حاليا (أو في أي مرحلة من مراحل وجودها السابقة) ؟ صفر.

نحن لسنا أول أمة تهزم في التاريخ ولن نكون الأخيرة، هزمت قبلنا اليابان وألمانيا واحتلتا وقسمتا وتعرضتا لأهوال تبدو أمامها خسائرنا أمام إسرائيل تافهة ولا تذكر ورغم ذلك لم تستغرق كلتيهما إلا عشرين أو ثلاثين سنة كي ترجع إلى مقدمة العالم كثاني وثالث اقتصاد عالمي على التوالي.

لم تستخدما التفجيرات الإنتحارية والمظاهرات الصاخبة والشعارات الفارغة والخطب الرنانة والتحريض الحماسي والجعجعة بالنصر والتحرير، بل تقبلتا بصبر حقيقة الهزيمة وعملتا على تجاوز ما أدى بهما إلى هذه الهزيمة واليوم أصبح مواطنو روسيا التي هزمت ألمانيا يحلمون بفيزا لدخولها والعمل في محطة بنزين بها.

هزمت الصين وأذلت أكثر من مرة ولم تستطيع تجاوز هزيمتها إلا عندما تخلت عن الشعارات والإيديولوجيات الفارغة والرفيق ماو وكتابه الأحمر وها هي اليوم في طريقها لتصبح من أول دول العالم.

وربما لو اتبعنا طريقتهم لأصبح اليهود يحلمون بمواطنية الدول العربية، ربما.

15 – المنحدر الزلق: أي بناء سلسلة من الافتراضات غير المثبتة بناء على تصرف معين وتقديمها كحقيقة، وكاسم آخر، مغالطة الدومينو، وهي نوع خاص من مغالطة عدم الترابط المنطقي التي ذكرتها سابقا. توجد نكتة قديمة تبين هذه المغالطة بشكل كوميدي:

أرادت امرأة أن تستعير مكواة من جارتها، وهي في الطريق فكرت أن جارتها ستمانع في الإعارة أولا ثم تتبع ذلك بالمنة ثم ستقول للجيران أنها استعارت منها المكواة نظرا لبخلها كي لا تشتري واحدة وهكذا، عندما رنت الجرس وفتحت لها الجارة وقبل أن تفتح الجارة فمها قالت لها: لا حاجة لي بمكواتك اللعينة، رديها عليك.

وكمثال آخر: يجب الا تسحب يانصيب لأن اليانصيب نوع من القمار، فإذا قامرت فستتعود على القمار وتفقد كل مالك ثم ستستدين من المرابين ثم تلجأ للجريمة كي تسد ديونك ثم ستنتهي في السجن وتتفكك عائلتك ويتشرد أولادك !

أما إذا رجعنا للجدية، فالمثال الأوضح على هذه المغالطة والذي يتكرر بانتظام عجيب وإن بصياغات مختلفة في حوارات المتدينين هو التالي: إذا انتشر الإلحاد فسيفقد الرادع الديني للناس وبالتالي فستزول الأخلاق وتعم الجرائم وتفقد الثقة بين الناس. قام الكثير من اللادينيين مشكورين بالرد على هذاه المغالطة ولا يوجد لدي ما أضيفه على ردودهم.

مثال آخر طويل هو ما ما نقله أحد المحاورين المسلمين مرة عن "الإعجاز الاقتصادي" في القرآن بتحريم الربا، إذ يكاد يكون كله مبني على هذه المغالطة ومغالطة التحذير من العواقب الوخيمة. حتى وصل الاسترسال في الخيال بلا دليل بالأمر إلى أن الربا هو سبب كثرة أمراض القلب !!!!

16 – الخلط بين العلاقة والسببية، أي أنه إذا كانت توجد علاقة ما بين ظاهرتين فهذا لا يعني بالضرورة أن إحداهما كانت سببا للأخرى حتى لو كانت العلاقة صحيحة، مثال: لاحظت الإحصائيات أن نسبة المصابين بالسرطان من قاطني الأبنية العالية أكبر بكثير من نسبة المصابين القاطنين في أبنية منخفضة، نستنتج من ذلك أن علو البناء مسبب للسرطان. تبدو المغالطة هنا مضحكة ولكن العلاقة موجودة فعلا، المغالطة هنا ليست صحة العلاقة بل نسيان عامل أن الأبنية العالية توجد عادة في مراكز المدن التي يكثر فيها تلوث الجو.

بالرغم من وضوح سخف المثال السابق إلا أن هذه المغالطة واسعة الانتشار وأحيانا قد تمر بغير ملاحظة إذا موهت بشكل جيد، يستعمل الناس هذه المغالطة في تأييد مواقفهم المسبقة، ولا يوجد مثال أوضح على ذلك من موضوع المرأة في الإسلام، يقول المسلم: أنت تناقش في كون عقل الرجل أرجح من عقل المرأة، انظر حولك وأخبرني، كم يوجد من العلماء الذكور وكم من الإناث ؟ كم يوجد من القادة الذكور وكم من الإناث ؟ والقضاة ؟ والأدباء ؟ ألا ترى بعينيك ؟؟ أتماري في الحق ؟ وهذا على صعيد العالم كله وليس فقط في الشرق الأوسط ؟

الظاهرة موجودة بلا شك ولا جدال فيها والإثبات الإحصائي لا نقاش فيه لكن هذه الحجة تتناسى العوامل المسببة لذلك: تفضيل الأولاد الذكور في التعليم والتوظيف وفتح الفرص أمامهم، توجيه الإناث نحو الزواج من الصغر وإبعادهن عن الحياة العملية، الذكورية المتأصلة في الرجال والتي لا ترضى أن تتفوق عليها النساء، كل هذه العوامل لا تتعلق من قريب أو بعيد برجاحة عقل المرأة. أنا هنا أتحدث عن العالم كله وليس الإسلام تحديدا الذي ذي أكرم المرأة بجمعها مع الحمار والكلب في حديث واحد.

الخلط بين العلاقة والسببية هي المغالطة المفضلة أيضا لدى العنصريين لإثبات تفوقهم على غيرهم وعمليا يمكن إدراج كل براهينهم تحتها.

17 – رجل القش: أي إظهار خصمك بشكل ساخر كي تظهر حجته في ضوء سلبي:
- هل تريدني أن أناقش من يقول أن جده قرد ؟
- انظروا ما أسخف كلامه، يقول أن كل التعقيد المذهل للحياة وليد الصدفة ؟
- محبو البيئة يهتمون بالحيوانات البرية أكثر مما يهتمون بتعليم الأطفال وصحتهم (شكل آخر من أشكال مغالطة المدى القصير / البعيد).

18 – إخفاء الحقائق، أو تقديم حجة معينة بوجه معين (قد يكون صحيحا) وعدم ذكر الوجوه الأخرى. تصادفنا هذه المغالطة أكثر ما يمكن في الدعايات التي تتغنى بمزايا منتج معين (قد تكون المزايا موجودة فعلا) ولكن "تنسى" ذكر أن المنتجات المنافسة تقدم نفس المزايا تماما وربما بسعر أقل و"تنسى" أيضا ذكر مساوئ هذا المنتج. المثال الأكبر على ذلك من واقع حياتنا في الشرق الأوسط هو موضوع الغرب المنحط المنحل، تجد الإسلاميين حديثا وقبلهم العروبيين الثوريين يقدمون الدراسات المعمقة والتحليلات الرائعة عن الفقر والجريمة في الغرب والتفكك العائلي في بلاد الكفر والتمييز العنصري في أمريكا والعنف المنزلي إلخ ..

أذكر تماما أنه في أوائل الثمانينات كانت الصحف السورية الرسمية تخصص مقالا يوميا عن بؤس الحياة في أمريكا وتزينها بالإحصاءات الصحيحة (المنقولة عن مصادر أمريكية) عن الأمية ومعدلات الجريمة و... تكفي طبعا رؤية صفوف الناس على باب السفارة الأمريكية وغيرها من السفارات الغربية بانتظار الفيزا وحدها للرد على سخافة هذه الدراسات.

هذه المغالطة منتشرة بشكل واسع جدا في الإعلام العالمي عموما والعربي خصوصا حيث تستخدم بانتظام في تقديم العدو كشيطان رجيم بالتركيز على كل ما هو سيء فيه وإغفال ذكر أي إيجابية.

19 – الكلام المعسول، أي تغيير الاسم بدون تغيير المسمى. أنت عندك مشكلة أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية عويصة ولا يوجد أي طريقة لتجاوزها، ماذا تفعل ؟ الجواب بسيط: غير اسمها باسم آخر أفضل ويمكنك بعد ذلك التغني بها أيضا كإيجابية. وهنا لدي مثالين ممتازين:

المثال الأول: الفائدة على القروض: أنت تاجر، تريد زيادة مبيعاتك وذلك بالبيع بالتقسيط ولكن لا يوجد أي مغفل في العالم يقبل أن يتحمل مخاطرة الإقراض بدون مردود، وحتى في حال عدم وجود المخاطرة، لماذا أقبل بتجميد أموال يمكن استثمارها في قروض بلا فائدة ؟ وأنت مؤمن لا يمكنك تحمل سمعة أنك تأكل مال "الربا" الحرام، ماذا تفعل ؟ المشايخ لديهم الحل، غير اسم الفائدة بأسماء أخرى وانتهى الموضوع، وكل ما سأذكره مر معي شخصيا:
- البضاعة لها سعرين: سعر النقدي وسعر التقسيط !!!
- أنا لا أبيع نقدي إطلاقا، إذا أردت سعر النقدي إذهب إلى جاري !!!
- أنا لا أتعامل في الفائدة والعياذ بالله، ولكن سأدلك على واحد سيقرضك، أنا آخذ منه ثمن بضاعتي نقدا وهو يقسط بفائدة !!

المثال الثاني: حروب الفتح الإسلامية، أنت بدوي تريد غزو البلاد المجاورة المتحضرة ونهبها وسبي نسائها واستعباد رجالها، ماذا تفعل ؟ تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق طبعا وماذا غير ذلك ؟ لنتصور سخف الرواية، أنت امبراطور بيزنطة وريث حضارة ودولة عريقة وقوية تأتيك رسالة من شخص لم تسمع به في حياتك من مكان لا تعرفه في صحراء قاحلة لا يوجد بها إلا قبائل من البدو وقطاعين الطرق تطالبك باتباعه نظرا لأنه رسول الله الحامل لدين الحق، هكذا بدون أي مقدمات أو شروحات، ماذا تفعل ؟ إذا تجاوزت الرسالة بواب القصر ووصلت إلى الإمبراطور (وهذا مستبعد) فالأغلب أنه سيستلقي على ظهره من الضحك ويقول "مسكين، الله يشفيه" هنا افترضت أنه كانت هناك رسالة فعلا، وأنا أشك كثيرا بهذه الرواية لأني أعتقد أن محمد كان أذكى من يرتكب مثل هذه الغلطة.
المهم، بعد عدة سنوات تشاهد مجموعة المحاربين المدججين بالسلاح تقترب من حدودك تعطيك الخيارات المنطقية التالية:
- الاستسلام وتوليتهم الحكم وتحويل نفسك إلى مواطن من الدرجة العاشرة تدفع الجزية وأنت صاغر وذليل.
- القتل ونهب الخيرات وسبي النساء والأطفال وإرسالهم إلى المدينة "المنورة" ليتمتع بهم "الصحابة الأطهار المبشرون بالجنة"

ثم يسمى ذلك "جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق"، من كل العجائب التي يزخر بها التاريخ الإسلامي لم أر أسخف من هذه.

في نهاية الموضوع أحب أن أنوه أنه ببحث بسيط على الإنترنت يمكن لأي شخص يعرف الإنكليزية الاستزادة كثيرا في موضوع المحاججة المنطقية وطرائقها وتقنياتها وكيفية إدارة الحوار. لا أعرف مدى انتشار كتابات من هذا النوع باللغة العربية ولكني لا أتوقع الكثير فكتابات من هذا النوع قد لا تكون محبذة لدى حماة الأخلاق والقيم المسلطين فوق رؤوسنا.