١٠‏/٤‏/٢٠٠٩

هل أنا خائن ؟


قرأت في أكثر من كتاب ومقالة أن الشيخ محمد متولي الشعراوي سجد شكراً لله بعد هزيمة مصر عام 1967 لأن هزيمتها تحت المشروع القومي الاشتراكي منعت الشعب المصري من أن يفتن عن دينه حسب قوله، وبالتالي، وهذا قولي أنا وليس قوله، وهو الأهم كثيراً عملياً، مهدت للردة الحضارية التي حصلت فعلاً بعد ذلك وعودة رجال الدين إلى الواجهة بعد أن تم تحجيمهم بشكل أو بآخر في عهد قوة وعنفوان المشروع القومي "العلماني".

وكوني لم أقرأ هذا الكلام شخصياً في أحد كتب الشعراوي أو في موقع رسمي له، لا أستطيع التأكيد على صحة الحادثة وإن كانت رواية "متواترة" يستحيل أن يجتمع رواتها على الكذب، ولكني أفهمها تماماً لو كانت صحيحة، فالرجل برأيي هو مزيج من شخصيتين:
أولاً مسلم متدين يرى في العلمانية خطراً أكبر من خطر إسرائيل على عالمه.
وثانياً رجل سياسة جماهيري محترف ومحنك رأى فرصة ذهبية سانحة في هزيمة وإفلاس عدوه الفكري.
وبالتالي لا غرابة أن يشعر ما شعر، وما أريد كتابته في هذا المقال هي الأفكار المشابهة منها والمختلفة التي تزاحمت في رأسي وأنا أتابع المذبحة التي نفذتها إسرائيل في غزة مؤخراً بحق شعب سجين أعزل ليس له حول ولا قوة أمام جبروت جيشها.

لأبدأ ببعض النقاط التي تجعلني "وطنيا":
1 - المبرر الأخلاقي لمقاومة الاحتلال الاستيطاني بأي وسيلة من الوسائل لا جدال فيه بالنسبة لي، أي شعب جرد من أرضه وشرد مثل الشعب الفلسطيني له كل الحق في استعمال المقاومة المسلحة لاستردادها. قراءة التاريخ بحيث يبدأ بعد عام 1948 وتصوير أن الفلسطينيين يحاربون إسرائيل لأن الحرب تستهويهم أو لأنهم أشرار بالفطرة مثل أعداء سوبرمان والوطواط في المغامرات المصورة هو مهزلة بكل بساطة. قليلة هي القضايا التي يكون فيها الحق واضحاً مثل وضوحه في القضية الفلسطينية.


2 - لا يملك الفلسطينيون (وأي حركة مقاومة عادة) ترف اختيار أهدافهم بحيث يركزون على الأهداف العسكرية ويتركون المدنيين، عندما تكون حركة المقاومة بهذا الضعف أمام جبروت عدوها لا يسعها إلا أن تضرب حيثما استطاعت وفي خاصرة العدو الضعيفة وحيث تستطيع إيلامه.

3 - يخطئ (أو يكذب) من يظن (أو يتاجر) بأن الفلسطينيين يمكن أن يتجنبوا تصنيفهم كإرهابيين لو ركزوا فقط على مهاجمة الجنود الإسرائيليين وتركوا المدنيين، حزب الله جرب ذلك ولم ينفعه طوال عشرون عامل كاملة، حقيقة الأمر أن القوي يحاول دوماً أن يجرد الضعيف من الشيء الوحيد الذي يتفوق فيه هذا الضعيف وهو الناحية الأخلاقية، تهمة الإرهاب هي قدر لا مفر منه لأي حركة مقاومة أو تمرد، فما بالك لو كان عدو هذه الحركة له تأثير هائل على الإعلام العالمي ويتاجر ويستمر في المتاجرة بالاضطهاد الذي تعرض له على يد النازيين ويربط - بدون أي منطق - بين ما فعله النازيون به وبين ما يفعله شعب مستضعف تقطعت به السبل للدفاع عن نفسه.

4 - المقاومة الإسلامية هي مقاومة وطنية حقيقة، والصراع مع إسرائيل هو صراع سياسي وليس ديني، "الإرهاب" الفلسطيني في بدايته وحتى ثمانينات القرن الماضي كان علمانياً بشكل واضح وكانت مطالبه تنحصر في دولة علمانية يتساوى بها العرب واليهود فقط ولم ينفعه ذلك في تجنب صفة الإرهاب بالطبع، ربط الصراع مع إسرائيل بالصراع بين "الإيمان" و"الكفر" هو مصلحة إسرائيل المباشرة كي تبرر لنفسها أمام شعبها أولاً، وأمام الرأي العام العالمي ثانياً، ما تفعله من اضطهاد وظلم، وتصور نفسها كقلعة حامية لقيم العلمانية والحرية أمام جحافل الهمج الملتحين الذين يسعون لفرض رجم النساء وقطع الأيدي والأرجل على الكرة الأرضية وتدمير الحضارة كما يعرفها الغرب.

5 - المقاومة الإسلامية والسياسيون الإسلاميون الفلسطينيون - حالياً على الأقل - أنظف كفاً وأكثر نزاهة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية الذين انغمسوا في مستنقعات الفساد والمحسوبية والرشوة، وكدسوا الثروات الطائلة على حساب قضية شعبهم العادلة، وقد جاء هؤلاء القادة الإسلاميون نتيجة لإرادة شعبية حقيقية وبناء على نتائج انتخابات شهد الكل بنزاهتها، وبالتالي يتمتعون بشرعية لا جدال فيها من وجهة نظري. ليس هناك حالياً في العالم مهنة أخطر من مهنة قيادي في حركة حماس أو الجهاد الإسلامي، ومع ذلك لم أسمع أن أحدهم قد استغل مخاطرته بحياته من أجل شعبه وأرضه في جمع ثروة شخصية وبناء القصور والفيلات والتنقل بين الفنادق الفخمة لحضور مؤتمرات "النضال" لكي "يندد" من فوق منابرها بالعدوان و"يدين" تصرفاته ويطلب من "المجتمع الدولي" وقفه عند حده !!!!

6 - لا يمكن تجاهل قوة التيار الديني وشعبيته في المنطقة، ورغبة الأغلبية في حكومة دينية بالنسبة لي واضحة تماماً، وبالرغم من وضوح الفرق في ذهني بين الديمقراطية وديكتاتورية الأغلبية التي تدعو إليها الحركات الدينية، فالأمر ليس كذلك بالنسبة للغالبية الساحقة من الناس التي ترى بعينيها مرة بعد أخرى فوز الإسلاميين بانتخابات نزيهة ثم الالتفاف عليهم لحرمانهم من حقهم في تسلم السلطة من قبل حكام ديكتاتوريين وفاسدين (الجزائر، مصر وفلسطين كأمثلة). وبالنسبة لي ولغيري تبدو الحجة التي تستعملها الديكتاتوريات بأن الإسلاميون يريدون ديمقراطية لمرة واحدة فقط غاية في الهزال والسخف عندما يستخدمها أمثال هؤلاء.

ولكن، وكما يقول فيصل القاسم في برنامج صراع الديوك الشهير، دعنا نتكلم عن الجانب الآخر من الصورة:

1 - الحق والعدل ليسا من العوامل الأساسية في انتصار أي قضية، القوة هي الأساس، كون من حق الفلسطينيون أن يقاوموا بأي طريقة لا يعني أن هذه المقاومة حكيمة ويجب أن يقدر لها النجاح، التاريخ بطوله وعرضه مليء بالقضايا العادلة الخاسرة وبشعوب أبيدت أو هجرت أو استعبدت ظلماً وعدواناً ولم تفدها عدالة قضاياها بشيء.

2 - القوة لا تأتي من الشجاعة والبطولة والصمود والتصدي والتضحيات و"الشهادة" وما إلى ذلك، كل ما سبق لا يغني ولا يسمن عن جوع أمام الحضارة والعلم والتقدم والاقتصاد، لا يجب أن يخدع أحد نفسه، لو تحول كل أهل فلسطين بل وكل أهل العالم العربي والإسلامي إلى مفجرين انتحاريين فلن يفلح ذلك في إزالة دولة نووية مدججة بأحدث وأقوى أسلحة العالم من الوجود، ليس دولة تملك أسلحة نووية فقط، بل تملك أهم منها، تملك معهد التخنيون ومعهد وايزمان وعدد من أرقى جامعات العالم ومراكز أبحاثه، تملك اقتصاد متنوع وحديث وقوي. التصور أن "المرجلة" والعنتريات والشجاعة والخطب الحماسية والتلحف بالأكفان في مسيرات الغضب هو السبيل لمواجهتها هو الجنون عينه.

3 - النصر العسكري، حتى لو تم، ليس بديلاً عن النصر الحضاري، بل أكثر من ذلك، لا قيمة لأي نصر عسكري على الإطلاق في حالة الهزيمة الحضارية ولو كان هذا النصر في حجم تحرير فلسطين بأكملها، الاتحاد السوفييتي انتصر عسكرياً على ألمانيا واليابان وانهزم أمامهما حضارياً بشكل مذل وصل إلى درجة أن يهرب رياضيوه كلما سنحت لهم الفرصة بالسفر خارج أسوار سجن "الوطن الاشتراكي" ليلجأوا إلى الدول الغربية، أيضاً فيتنام انتصرت على أمريكا عسكرياً وانهزمت أمامها حضارياً ليهرب مواطنوها "المنتصرون" بالقوارب من جنة الشيوعية. الثورة الجزائرية "انتصرت" أيضاً وأخرجت الفرنسيين من الجزائر ليصطف "المنتصرون" طوابيراً على أبواب السفارة الفرنسية طلباً للهجرة إلى بلد العدو المهزوم. والأمثلة غيرها كثيرة.
الإسلاميون بنظرتهم الدوغمائية الطائفية التي تحكمها الرؤى الأسطورية الدينية التي تعبد الأسلاف وتنظر إلى الماضي لحل مشاكل الحاضر والمستقبل هم آخر من يستطيع تحقيق الانتصار الحضاري، بالإمكان رؤية الإسلاميون يحكمون في إيران وأفغانستان والصومال والسودان لمعرفة الحضارة التي تنتظرنا في حال فوزهم، بإمكاني تصور سيناريو ينتصر به الإسلاميون على إسرائيل (الإغراق العددي مثلاً أو إزعاج اليهود بحيث يقتنعون أن الحفاظ على دولتهم في محيط من العداء لا يساوي حجم الجهد المبذول لأجله)، لكني لا أستطيع تصور سيناريو يستطيع الإسلاميون فيه تحقيق نصراً حضارياً.
يا هل ترى، هل لو زالت إسرائيل بسحر ساحر غداً صباحاً ستنقلب أحوالناً رأساً على عقب ؟ هل ستختفي الأمية ؟ هل ستقل الطائفية والقبلية ؟ هل ستتحول جامعاتنا من معاهد تحفيظ ببغائية إلى مراكز بحث علمية ؟ هل سيجد أولادنا سكناً لائقاً ووظائفاً جيدة وعيشاً كريماً ؟ هل سيتوقف تدمير بيئتنا ؟ لو كان الأمر كذلك، لماذا لم يحصل ذلك في الدول العربية والإسلامية البعيدة عنها ؟ بالإمكان طبعاً إرجاع ذلك إلى المكائد التي يحيكها اليهود المتفرغون كلياً للنيل من "الأمة الإسلامية"، ليس عندي رد على منطق بهذا السخف إلا القول أنه لو كان اليهود فعلاً بهذه القوة بحيث يستطيعون التحكم بالعالم بهذه الطريقة فالأفضل لنا أن نعبدهم كشعب الله المختار !!!!!
لا أنسى خبر مقتل نزار ريان، القيادي في حركة حماس في أوائل أيام الهجوم الإسرائيلي على غزة، قتل هذا القيادي مع ثلاث من زوجاته وتسعة من أبناؤه الأربعة عشر في غارة إسرائيلية، هل سيقودنا إلى الانتصار الحضاري قادة لهم ثلاث زوجات وعشرات الأبناء ؟؟

4 - انتصار حماس أو الجهاد الإسلامي أو أي منظمة تتبنى فكر إسلامي كعقيدة على إسرائيل يعني بالضرورة حكمها لبلادي أولاً، وهذا الحكم يؤدي بالضرورة إلى تصفيتي جسدياً وفكرياً أولاً إما بالقتل أو بالتهجير أو بالإخراس !!، طبعا لا أقصد شخصي المتواضع بهذه الجملة، أقصد بذلك أي مفكر علماني حر لا يرى تقدم بلاده في الدروشة وقطع الأيدي والأرجل والجلد وحبس النساء في البيوت وتطويل اللحى وإرجاع قوانين أهل الذمة.
أعود هنا إلى الشعراوي، فالرجل فضل هزيمة بلاده "العلمانية" كونه رأى الكوارث التي ألحقتها العلمانية فيها من وجهة نظره طبعاً، الأفكار نفسها تدور في رأسي مع فارق كبير وجوهري، لا أحد في بلاد الشعراوي "العلمانية" كان يطالب بتصفية الشعراوي جسدياً أو نفيه خارجها، لا يوجد حد ردة علماني ولا أهل ذمة علمانيون ولم يطلب أحد إغلاق المساجد وقتل شيوخها. هل يا ترى أكون خائناً إذا تخوفت من انتصار المشروع الإسلامي في بلادي ؟ هل أكون خائناً إذا تمنيت هزيمة مشروع لا يخجل من التصريح علناً والكتابة في أدبياته عن ضرورة قتلي قبل أو بعد استتابتي حسب اعتدال الكاتب أو تطرفه ؟

5 - حماس - تعريفاً حسب موقعها على الإنترنت - هي: جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين، هي فرع من الشجرة التي أنجبت سيد قطب ومروان حديد وابراهيم اليوسف وغيرهم من الأبطال الميامين. هي حزب مسلم سني حصراً وطائفي حتى النخاع، هي حزب اسمه بحد ذاته طائفي !!
حماس ليست جهاداً ضد إسرائيل فقط، هي جهاد ضد الشيعة والعلويين والدروز والاسماعيليين وغيرهم من المرتدين الزنادقة لقتلهم أو أسلمتهم، وهي جهاد في سبيل تطبيق قوانين الذمة على المسيحيين الباقين في بلادهم، هي حركة كادت تدخل سوريا في حرب طائفية شاملة، هي حركة كانت تعارض النظام ليس لأنه فاسد أو استبدادي أو فاشل اقتصادياً، كانت تعارضه لأنه نظام "نصيري كافر" حرم "أهل السنة والجماعة" الذين هم أغلبية حسب قولهم من حكم بلادهم وتطبيق شرع الله فيها !!!!
كوني مسجلاً في السجلات المدنية كمسلم بالولادة بإمكاني التخفي والتقية والتظاهر بالإيمان والعيش تحت حكم الشريعة كما يعيش أمثالي ممن شائت لهم الأقدار الولادة في إيران أو السعودية، ولكن ماذا عن أبناء بلدي من الطوائف الأخرى ؟ هل أكون متشائماً إذا توقعت حرباً أهلية شاملة تدمر بلادي أو تقسمها في أحسن حال ؟ هل يجب أن أخسر سوريا كي أربح فلسطين ؟ هذا بفرض أن استرداد فلسطين ممكن.

هذه هي الأفكار التي تتصارع في رأسي، ما هو "الموقف الوطني السليم" الذي يجب أن أتخذه ؟ ما هو رأي العلماني في "مدحي" لحركات الإسلام السياسي وما رأي الإسلامي في "ذمي" لها ؟
لا أستطيع أن أقف موقف بعض الكتاب الذين يلومون الضحية الفلسطينية التي تلبست بالإسلام حالياً على الركلات الضعيفة التي تكيلها للجزار الإسرائيلي وهو يذبحها، ولا أستطيع أن أقف وأصفق لشعب يسعى لحتفه بظلفه ويغرق أكثر فأكثر في حلول أخروية وهمية عوضاً عن مواجهة تحديات الدنيا.
كم هو صعب وضعي، يا هل ترى أين يقف القارئ من ذلك ؟





قراءة بقية المقال

٩‏/١٠‏/٢٠٠٨

لعبة الأمم


لم أجد عنواناً لائقاً لهذا المقال أكثر من عنوان كتاب مايلز كوبلاند عن دور المخابرات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط في أواسط القرن العشرين، ولكن هذا المقال لا يتعرض لذلك، بل يتعرض لشخص ينتمي – رغما عن أنفه - لثلاث أمم في وقت واحد، هذا الشخص هو أنا.

أنا سوري ولدت بعد تسلم حزب البعث السلطة عام 1963، وبالتالي تم حقني من الصغر بالقومية العربية ذات الرسالة الخالدة في كل مكان: الشارع، المدرسة، التلفزيون، المكتبة .... باختصار في أي مكان إلا بيتي، حيث كانت عائلتي السورية القومية المتحمسة تربي أولادها على معرفة الأمة السورية وخصائصها الفريدة والهلال الخصيب ونجمته قبرص وضرورة استعادة مجد حضارتنا السورية الضاربة في أعماق التاريخ.

ثم امتد بي العمر إلى أن أضيفت أمة جديدة مؤخراً إلى القائمة هي الأمة الإسلامية التي أعطت العالم الحضارة والتي ما أن يعيد المسلمون التمسك بدينهم حتى ستتبوأ مكانها الطبيعي ليس كأمة بين الأمم المتقدمة مثل الأمتين السابقتين، بل كقائد ومخلص للبشرية جمعاء تحت رايات التوحيد الخفاقة.


أزمة الهوية هذه يعيشها كل سوري يرفض الاعتراف بحدود اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الولايات العثمانية التي احتلتها انجلترا في الحرب العالمية الأولى، هذه الاتفاقية التي تعاملت مع المنطقة ككعكة تقسم بين المنتصرين دون أي اكتراث برغبات وتطلعات سكان المنطقة على الإطلاق.

أريد هنا أن أشارك القارئ السوري و"العربي" والإسلامي أفكاري حول هذه الأمم الوهمية، ثم أريد أن أقترح التركيز على أمة رابعة (وكأن الثلاثة لا تكفي)، الأمة التي أشعر بالانتماء إليها فعلاً.

أولاً – الأمة العربية: الأمة التي تمتد من موريتانيا غرباً إلى عربستان في إيران الحالية شرقاً، ومن الصومال جنوباً إلى كيليكية في تركيا الحالية شمالاً، دع جانباً جزر القمر التي لا أعرف موقعها على الخريطة إلا بالتقريب الشديد والتي لم تكن عربية في صغري !!!!!

هذه الأمة التي علموني أنها تشترك بلغة واحدة وتاريخ واحد وحضارة واحدة ومصير واحد وتطلعات واحدة، هذه الأمة التي مزقها الاستعمار الغاشم ووضع بين "أقطارها" الحدود المصطنعة كي يضعفها ويستغل ثرواتها ويجعلها سوقاً لتصريف منتجاته.

هذه الأمة التي تشكلت – حسب الإيديولوجيا البعثية - من "الهجرات العربية" المتتابعة التي خرجت من الجزيرة العربية، منهم "العرب السومريين" و"العرب الأشوريين" و"العرب الكلدانيين" و" العرب الفينيقيين" و"العرب الفراعنة" إلى آخر قائمة طويلة من العرب كونت في النهاية هذه الأمة المتماسكة التي نراها حالياً.

طبعاً لم تدخل هذه النظرية في التفاصيل التافهة مثل محاولة شرح لماذا كان البشر متركزين جميعاً في الجزيرة العربية بداية، لماذا تركوا الهلال الخصيب ووادي النيل فارغين واختاروا السكن في صحاري الجزيرة العربية الجرداء.

وفي حال لم تكن هذه المناطق خالية قبل "الهجرات العربية" ماذا حل بسكانها الأصليين؟، هل أبيدوا أو ذابوا في "الحضارة العربية"، هذه الحضارة التي لم توجد في أي يوم من الأيام في الجزيرة العربية، منشأ "الأمة" جمعاء.

وتناست النظرية أن اللغة العربية وهي الشيء المشترك الخاص الوحيد لهذه "الأمة" هي لهجة قريش، وأنها لم تكن موجودة قبل أن ينشرها الإسلام. وأن حضارة سورية الطبيعية ومصر ترجع إلى ألوف السنين قبل الإسلام واللغة العربية.

ولم تدخل أيضاً في شرح تفاصيل ثانوية مثل عدم وجود أي فترة من التاريخ سابقة أو لاحقة على الإمبراطورية الأموية التي دامت 89 عاماً فقط كانت غالبية – وليس كل - "أقطار" هذه الأمة متحدة في كيان سياسي واحد، ودعنا لا ننسى هنا أنه حتى هذه الإمبراطورية لم تكن عربية نقية، بل ضمت الأراضي الحالية لإيران وأفغانستان وباكستان وأجزاء من الهند.

ولم يتم أيضاً التطرق إلى أن هذه الإمبراطورية كانت مثلها مثل جميع الإمبراطوريات التي جمعت أجزاء كبيرة من "الوطن العربي" مثل الإمبراطورية الرومانية والعثمانية، كانت إمبراطورية فتح وإخضاع بالسيف والحديد والنار، وأن التمرد على السلطة المركزية لم ينقطع يوماً خلال فترة وجودها القصيرة حالما أحس أحد من الأقاليم بضعف السلطة المركزية وأنها تفككت على الفور تقريباً عند زوال السلطة المركزية القوية.

ولم تأخذ هذه النظرية في الحسبان أن هناك الكثير ممن لا تروق لهم فكرة العروبة من الأساس مثل الأكراد والسريان والآشوريين والأمازيغ وسكان جنوب السودان، الذي تحولهم العروبة إلى مواطنين من الدرجة الثانية في بلادهم بمصادرة ثقافتهم وتراثهم لحساب "التراث العربي".

القومية العربية كانت فكرة رائعة، تحمست لها بريطانيا وفرنسا كثيراً ودعمتها إلى النهاية لاستغلالها لتحطيم الإمبراطورية العثمانية التي كانت تستمد شرعيتها من الإسلام، وقد نجحت في ذلك أيما نجاح بدون شك. وبعد ذلك فقدتا اهتمامهما بها كأداة استنفذت الفائدة المرجوة منها. وقد تحمست لها لأقليات الدينية التي تعيش في سوريا كرعايا تحت حكم الإسلام للعروبة لتنتقل من ذمة الإسلام إلى المواطنة في دولة قومية لا ترتكز على الدين.

الوطن العربي في النهاية هو البلاد التي يوجد بها الإسلام واللغة العربية (التي هي بحد ذاتها ناتج من نواتج الإسلام) معاً، بدون وحدة جغرافية، أو وحدة مصالح أو تاريخ مشترك أو وعي مشترك أو رؤية مشتركة للمستقبل.

بالإمكان تحبير الصفحات في التنظير الإيديولوجي عن مكونات الأمة بلا نهاية بالطبع، التنظير عن مكونات الأمة وخصائصها في شعوب لم تتجاوز العشائرية والقبلية بعد، شعوب لا يزال فيها الحاكم إلهاً يعبد والانتماء الحقيقي للفرد فيها هو للقبيلة والعشيرة ثم الطائفة، ولكن في النهاية أثبتت هذه القومية خوائها بحيث انهارت بعد هزيمة الديكتاتوريات التي حملت لواءها وإيديولوجيتها أمام إسرائيل، وتبين أن الروابط "القوية والتاريخية والمصيرية" التي تجمع بين "أقطار" الأمة التي "جزأها الاستعمار البغيض" لم تفلح بعد أكثر مرور عشرات السنين من الوعي القومي في توحيد أي بلدين "عربيين" ما عدا اليمن السعيد الذي يحافظ على وحدته حتى الآن بالكاد وبالقوة وسط تمردات وثورات لم تنقطع عملياً من اللحظة الأولى للوحدة.

بل لم تفلح حتى في الحفاظ على وحدة الدول القائمة حالياً، فغالبية الدول الناطقة بالعربية تغلي في نزاعات طائفية وعرقية وعشائرية وقبلية ويحافظ على "المستقر" منها قمع أنظمتها فقط وليس أي قناعة أو وعي قومي لسكانها.

ثانياً – الأمة السورية: الأمة التي تضم أرضها كلا من الدول الحالية التالية: سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والأردن والكويت وقبرص، بالإضافة إلى صحراء سيناء وكيليكية في جنوب تركيا وجزء من الصحراء السعودية وعربستان في غرب إيران.

يفترض أن أنطون سعادة اختار الحدود الطبيعية لبلاد الشام حدوداً لأمته السورية، جبال طوروس شمالاً وزاغروس شرقاً وحدود والصحراء جنوبا وحدود آسيا والبحر المتوسط غربا، أما قبرص فلعل قربها الجغرافي ساهم في جعلها نجمة الهلال السوري.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمة السورية، كونها أقل مساحة وامتداداً بكثير من الأمة العربية، هي مشروع أكثر قابلية للتحقيق من الثانية، لكنها في الحقيقة لا تقل عنها خيالية.

لا أدري حقيقة من أين أتت لسعادة فكرة أن الحدود الجغرافية الطبيعية تترجم تلقائياً إلى حدود أمم، إذا قبلنا هذا الافتراض سنضطر إلى إعادة رسم خرائط العالم كلها، وذلك بالطبع بعد عدة مئات من السنين من الحروب اللازمة كي تقنع كل الدول الواقعة في منطقة جغرافية واحدة بالتوحد وتقنع بعد ذلك الدول الأخرى التي لها أراضي في مناطق جغرافية طبيعية تقع خارجها بالتخلي عن هذه المناطق لصالح "دولها الأصلية".

بإمكاني تخيل الدولة السورية الواحدة التي سأفرض جدلاً فقط أنها نجحت في توحيد سوريا وفلسطين والأردن ولبنان والعراق والكويت، بإمكاني تخيلها وهي تطالب تركيا بالتخلي عن جنوبها وإيران بالتخلي عن غربها والسعودية عن شمالها ومصر عن صحراء سيناء، ثم تبعث المراسلات إلى القبارصة اليونان والأتراك تدعوهم فيها إلى التوحد معها على مبدأ أسلم تسلم !!!

ومن نافل القول أيضاً أن هذه الأصقاع لم تكن يوماً تحت حكم واحد مستقل، بل كانت دوماً أجزاء من إمبراطوريات وممالك متناحرة، وأنه لا شيء يجمع عملياً في الفكر وطريقة الحياة والأهداف بين مسيحيي لبنان وبدو الكويت ويونان قبرص وأكراد العراق وسنة سوريا وشيعة العراق إلخ...

بالنسبة لي شخصياً أفضل المشروع السوري عن المشروع العربي كونه يبتعد عن الدين الإسلامي كمكون أساسي للأمة، حيث أن العروبة هي ترجمة قومية للإسلام في الواقع، وكون القومية السورية تغرف من تاريخ حضاري عميق يتجاوز بكثير الغزوات والأشعار البدوية وقيم الصحراء القبلية التي حاولت العروبة تصويرها على أنها حضارتي وقيمي وتاريخي.

لكن هذا التفضيل العاطفي لا ينعكس على قناعة عقلية بإمكان تحقق مثل هذا المشروع، خاصة كونه يشترك مع المشروع العربي في فاشيته وعنصريته وتعصبه، بل ويتجاوزه في ذلك.

هو مشروع خيالي مثله مثل المشروع العربي تماماً، وفرقه الوحيد عنه هو أن الضباط المؤمنين به لم يقيض لهم اغتصاب السلطة مثل نظرائهم العروبيين واستخدام هذا المشروع مطية في سبيل الثراء والتربع بلا نهاية على كرسي الحكم، ولذلك يبقى لهذا المشروع بعض البريق الرومانسي في نفوس البعض كونه لم يتلوث بأوحال السلطة ولم يتجرع مذلة الهزائم التي مني بها العروبيون.

ثالثاً – الأمة الإسلامية: وهي بلا شك أكثر هذه الأمم غرابة، وهي تقوم على مبدأ بسيط جداً، هو أن الدين هو الهوية بكل بساطة، أي هي عملياً يتمركز مشروعها على إعادة عقارب الساعة 1400 سنة إلى الوراء إلى زمن غزوات الرسول وخلفاؤه المباشرين حيث كانت الدولة هي الدين، ثم بعد ذلك تجاهل كل ما حصل في الأربعة عشر قرناً اللاحقة !!!

حدود هذه الأمة غير واضحة المعالم حتى لمن يعتقد بها، فهي تمتد من أندونيسيا إلى البوسنة، ومن الصين إلى المغرب ومن نيجيريا إلى الشيشان، تتداخل بها عشرات الدول واللغات والألوان والأجناس والأعراق، ولا يوجد من يستطيع ضبطها على خريطة بعكس الأمتين السابقتين، فهل يجب يا ترى إعادة "فتح" الأندلس واليونان وبلغاريا ودول البلقان كونها كانت يوما تحت الحكم الإسلامي ؟ وهل تدخل فيها فرنسا حيث يعيش أكثر من ستة ملايين مسلم وحيث وصلت جيوش الإسلام إلى جنوبها يوما يا هل ترى؟

يتجاهل هذا الطرح الفوارق اللغوية والعرقية والثقافية والمصلحية والجغرافية والسياسية وكل شيء عملياً، ويتناسى أيضاً أن الإسلام هو مذاهب وشيع وطوائف يكفر بعضها البعض الآخر، ويتناسى وجود الأقليات غير المسلمة وأخيراً يتناسى هذا الطرح حقيقة بسيطة هي أنه بمجرد تفككك الدولة الأموية زالت عملياً الوحدة الإسلامية مرة وإلى الأبد وأن محاولة إحياءها هي بالضبط مثل محاولة إحياء مستحاثة.

الفكرة فيها من السخف ما يجعل مجرد الكتابة عنها أمراً محرجاً، ولكنها في عقول بعض المهووسين حقيقية لدرجة أن بعض الجزائريين مستعدين لتفجير أنفسهم في كشمير من أجلها !!! بل وبعض البريطانيين في أبناء بلدهم الذين يحملون جنسيته ويدينون بالولاء إلى أمة افتراضية موجودة في خيالهم فقط.

بالنسبة لي مناقشة الأمة الإسلامية بمعناها المتعارف عليه حالياً يماثل في سخفه محاولة مناقشة وجود الغول أو الإله أوزوريس بشكل جدي وإثبات عدم وجودهما !!

ولا يتبين كم هو سخيف تعبير "الأمة الإسلامية " إلا عند إنشاء أمم أخرى وهمية مثله: الأمة المسيحية والأمة البوذية والأمة الهندوسية مثلاً !!

ولكن التعبير يتردد باستمرار، وهناك كما أسلفت من ينظّر له ومن هو مستعد للتضحية بحياته لأجله ويمثلهم الآن التيار السلفي الوهابي الجهادي، وهم قلة نسبياً، ولكن هناك أغلبية تردده بشكل ببغائي دون أن تفكر لحظة في معناه ومدى واقعيته وتعتقد في وعيها الباطن أن الإسلام فعلاً هو أمة كما فرنسا أو أمريكا أمة !!

مع كل فاشيتهما وتعصبهما، تبدو الأمتان العربية والسورية جنتا الخلد بالمقارنة مع الأمة الإسلامية، فحل الأقليات "الكتابية" هو الجزية، وحل غيرها هو الترحيل أو القتل، وحل الشيعة الإبادة وحل أمثالي من العلمانيين معروف طبعاً وبالإمكان النظر للدول والمناطق التي تحكمها السلفية الإسلامية حالياً لمعرفة ما ينتظر أي شعب تسلمه الأقدار لهم.

أمام المشروع الإسلامي أنا عروبي أكثر من ساطع الحصري وقومي سوري أكثر من أنطون سعادة وشيوعي أكثر من لينين نفسه. فمع كل اعتراضاتي عليها، فعلى الأقل لا تدعو أي من هذه المشاريع إلى قتلي لأني لا أصلي ولا يدخل في مبادئها النظرية تصورات معينة عن طول لحيتي وقصة شعري !!!

الشيء المشترك بين الأمم الثلاث هو الدوغمائية أو الإيديولوجية، أي اعتماد تعريف كل منها على عقيدة غير قابلة للإثبات العلمي مثل الدين تماماً، ويكفيني لإثبات ذلك جمع ثلاثة أشخاص: بعثي وقومي سوري وإسلامي وتركهم يتناقشون حول مكونات الأمة، الدين أو اللغة أو السلالة أو الحدود الطبيعية أو غيرها أو أي مزيج مما سبق ثم انتظار أن يقنع أحد منهم الآخرين، ولا توجد ضرورة لعمل ذلك حقيقة فهذا "الحوار" يدور منذ عشرات السنين ونتيجته معروفة حالياً.

أنا شبه متأكد من أن معتنقي نظرية كل أمة من الأمم الثلاث يوافقني في أغلب انتقاداتي للاثنتين الباقيتين، ويستغرب من عدم وضوح ذلك لكل عاقل، ويستسهل بشكل كبير رؤية مكامن الضعف واللا منطق في تعريفهما، كما يستغرب المسيحي تصديق المسلم للناسخ والمنسوخ والإله الذي يغير رأيه مع تغير الظروف السياسية ويستغرب المسلم تصديق المسيحي للإله الذي يضحي بابنه الوحيد كي يفدي خطايا لم تحصل بعد !!

أهرقت أنهار من الحبر وقطعت آلاف الأشجار على الكتب التي تشرح لماذا بالضبط كل من هذه الأمم هي الأمة الصحيحة وكل ما عداها باطل، هل يذكركم هذا بشيء ؟ ألا تذكركم صعوبة مناقشة عروبي متحمس حول صحة حججه بصعوبة مناقشة مسيحي أو مسلم متحمس لدينه ؟

ولكن ما البديل ؟ من أنا وإلى من أنتمي وكيف تتشكل الأمم إذاً ؟ حقيقة أنني صعب الإرضاء فعلاً، قدموا لي ثلاثة أمم على طبق من ذهب ورفضتها جميعاً !!

كيف تتشكل الأمم إذا ؟ هذا هو السؤال، والجواب متنوع للغاية، هي مجموعة من العوامل منها الغزو العسكري ومنها التمدد الثقافي، ومنها المصالح الاقتصادية ومنها الوحدة الجغرافية ومنها الدين ومنها اللغة ومنها التطهير العرقي للأقوام الأخرى وغير ذلك، ويتفاوت مدى تأثير كل عامل أو مجموعة عوامل حسب المثال التاريخي المطروح.

يمكن لأي إيديولوجي أن يأتي بأمثلة لا حصر لها عن كل عامل أو مجموعة عوامل يعتقد أنها الأهم ويقويها على حساب البقية ثم يبني إيديولوجية متكاملة عليها والتنظير بعد ذلك بشكل رجعي مع الإتيان بأمثلة تاريخية ملائمة وإهمال الأمثلة الأخرى التي لا تتفق مع طروحاته.

والأمر برأيي يتعلق بخليط من كل هذا بالإضافة إلى عامل هام جداً هو الصدفة التاريخية المحضة، بإمكاني تصور أمماً أوروبية مختلفة تماماً عن الموجودة حالياً لو لم يهاجم هتلر الاتحاد السوفياتي وعقد صلحاً مع بريطانيا ولم يهزم، لو تابعنا ذلك المسار الخيالي للأمور أو أي مسار خيالي آخر مثل لو مات بيسمارك في طفولته أو لو لم يولد غاريبالدي أو لو ينتصر شمال أمريكا على جنوبها في الحرب الأهلية أو لم يولد النبي محمد أو أو أو، التاريخ تحركه صدف لا نهاية لها وهو فعلياً مسار معين من عدد لانهائي من المسارات المحتملة التي لا تقل احتمالاً ومنطقية عنه لكنها بكل ببساطة لم تحدث !!!!

برأيي أن السؤال المهم ليس هو العوامل التي تشكل الأمة، فلا يحسم هذا السؤال إلا التنظير الإيديولوجي الذي لا طائل من وراءه، السؤال المهم فعلاً في زمننا هو كيف تحافظ الأمم على تماسكها ؟

ما يجمع الأمم-الدول (nation-states) حالياً هو أحد أمرين:
1 – القناعة المشتركة بين الناس بانتمائهم لهذه الأمة (أمثلة: الأمة الأمريكية، الفرنسية، الألمانية، اليابانية وغيرها).
2 – القوة الغاشمة (أمثلة: العراق، تركيا، سوريا، يوغوسلافيا سابقاً، السودان، سابقاً وغيرها).

فإن تركنا الاحتمال الثاني كون الدول القائمة عليه غير مستقرة بشكل كبير وتنهار عادة عند زوال قبضة الحاكم الحديدية عنها، يظهر السؤال التالي وهو كيف يمكن أن نشكل هذه القناعة المشتركة ؟

وهنا أيضاً توجد طريقتان:
1 – التنظير الإيديولوجي: أو كتعبير مخفف، التثقيف ورفع الوعي القومي أو الوطني أو الديني، وهي طريقة يمكن أن تحقق بعض النجاح بلا شك وهي الطريقة المتبعة في خلق مؤمنين بالأمم الثلاث موضوع النقاش. لكن عيب هذه الطريقة القاتل هو ضعفها الشديد أمام الطريقة الثانية والأهم كثيراً: المصالح.

2 – المصالح الفعلية: أستطيع بكل ثقة أن أجزم أن أي قدر من التنظير الإيديولوجي (الإسلام ضمناً وأولاً) وأي كمية من البراهين والأبحاث العلمية والاجتماعية لن تكون كفيلة بإقناع الكويتي بالاتحاد مع العراق، والقبرصي والماروني اللبناني مع سوريا والإماراتي مع السعودية إلخ..، من يعتقد بإمكانية ذلك هو واهم كمن يحلم من يعتقد أنه بالإمكان إقناع إسرائيل بالمخاجلة أن ترجع فلسطين لأهلها.

يمكن في أحسن حالة أن يبيع الكويتي إلى العراقي كلاماً معسولاً حول "الأخوة العربية" و"التضامن العربي" وما إلى ذلك من تعابير جبر الخواطر ورفع العتب، هذا إذا أحس أنه ملزم بذلك أصلاً، فإن أصر العراقي فلن يعدم الكويتي من يجري له أبحاثاً علمية وتاريخية تثبت أن الكويت أمة وحضارة وهوية ولم تكن في يوم من الأيام جزءاً من العراق، أنا لا أمزح أو أبالغ، فقد رأيت بعيني أبحاث من هذا القبيل وإن كنت لم أحتفظ بها مع شديد الأسف لأشير إلى المصدر. ومثال الكويت والعراق يمكن تطبيقه على الكثير من الحالات الأخرى بتبديل الأسماء فقط.

أرجو ألا أكون أضعت القارئ في الكثير من التفاصيل التمهيدية، ولذلك سأرجع إلى نقطتي الأساسية:

الأمة الوحيدة الموجودة على أرض الواقع وأستطيع الانتماء لها فعلاً هي سوريا السياسية بحدودها الحالية، بالطبع ليست حدوداً طبيعية، فلم يكن يوجد فرق يذكر بين حوران السورية وشمال الأردن، ولا فرق بين دير الزور وغرب العراق ولا لطرطوس عن طرابلس وهكذا، الحدود الحالية ليست لها أي شرعية إلا شرعية الأمر الواقع بكل بساطة، الواقع الذي مر عليه تسعون عاماً حتى الآن، أي أكثر من عمر الإمبراطورية الأموية !!!

تسعون عاماً من الإدارة والحكم والأنظمة الاقتصادية والتعليم المختلف، وكل يوم يمر يزيد في الاختلاف أكثر فأكثر، لم تخلق هذه الأمة الطبيعة ولا اللغة ولا الدين، خلقها الواقع والصدفة التاريخية فحسب، وهي أكثر واقعية بكثير من الأمم الوهمية الإيديولوجية، فعلى الأقل يوجد لها حدود معترف بها وحكومة ومصالح حقيقية ونظام تعليم واحد والكثير الكثير مما يربطها ببعض.

ومع كل هذه الروابط الحقيقية المشتركة، فإن قسماً لا يستهان به من أفراد هذه الأمة الصغيرة مع الأسف لا يشعرون بالانتماء لها نهائياً، سواء من ناحية قومية أو من ناحية دينية، وقسم آخر كبير ولعله الأغلبية يقدم انتماءات العائلة والقبيلة والعشيرة والطائفة بمراحل على الانتماء الوطني، وقسم آخر أكبر يرى أن غيره من مكونات هذه الأمة هو دخيل عليها وأنه هو فقط من ينتمي إليها وهكذا.

ليست هناك ضرورة لكي آتي بأمثلة، فكل من يعيش في سوريا يعرف بالضبط عن من وماذا أتكلم، وهذه هي النقطة التي أريد أن أصل إليها:

من المضحك التكلم عن والدعوة إلى أمم إيديولوجية كبيرة يمكن أن تتحقق ويمكن ألا تتحقق بين شعب لم يصل أصلاً إلى مرحلة الوعي الوطني أولاً.

سوريا الحالية معرضة جدياً للتفكك مثل العراق عند أول تحدي جدي يواجهها، ما انهار عام 2003 ليس هو نظام صدام، ما انهار هو العراق نفسه حيث عادت الساعة فيه فعلياً إلى زمن العشيرة والقبيلة والطائفة وحكم رجال الدين وممالك المدن وأمراء الحرب. وبكل أسف فأن أوجه الشبه بين وضع سوريا ووضع العراق سابقاً أكثر من أوجه الاختلاف.

التكلم عن أي من الأمم الإيديولوجية يضعف ولا يقوي الانتماء الوطني للسوريين ويزرع بذور الفرقة بينهم، فإن تكلمت عن العروبة أقصيت الأكراد والشركس والأرمن، وإن تكلمت عن الإسلام أقصيت كل الطوائف الأخرى، لعل القومية السورية، مع تقليل جرعة الفاشية والعنصرية فيها هي أفضل الثلاثة في حال تحققت، لكن حتى لو كانت قابلة للتحقيق وكنا نريد تحقيقها فعلاً، فعلينا البدء أولاً في بناء وعي وطني محلي حتى لا نقع في سخافة من يريد أخذ شهادة جامعية ولكنه يريد حرق المراحل ولا يريد إضاعة وقته في الدراسة الإعدادية والثانوية أولاً.

سيقول العروبي والسوري القومي أيضاً بالطبع أنهم مع التوعية الوطنية داخل سوريا قبل الحديث عن المشاريع الكبرى، واختلافي معهم هو التالي: لنفرض جدلاً أننا حققنا الوحدة الوطنية الفعلية، وبنينا اقتصادا متطوراً ومؤسسات إلى آخره وأصبحت سوريا قبلة للاستثمارات وانتقلنا إلى مصاف الدول المتقدمة، وبقيت الأردن على فقرها بل وازدادت فقراً، ثم أبدت تركيا رغبتها في تقوية العلاقات معنا كما هي تريد تقوية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي حالياً، وكونه يربطنا تاريخ مشترك طويل ذهب الأمر إلى أبعد من ذلك فكانت هناك رغبة تركية في الاتحاد مع سوريا، هل أترك ذلك وأقول أن إيديولوجيتي تقول أن تركيا أمة أخرى غير أمتي ؟ بينما أقبل طلب الأردن العربية الفقيرة كي تغرقني بعمالتها غير الماهرة وتسحب مواردي لتنمية وتطوير حالها ؟

هل هذا إغراق في الخيال ؟ ربما، ولكني أريد أن أسأل أي سوري، يا هل ترى يرفض فعلاً مثل هذا الاتحاد مهما كانت الظروف لصالح إيديولوجيته ؟ وإذا أجاب بأنه يرفضه عليه أن يسأل نفسه، لماذا يا هل ترى يرفض العرب الخليجيين إدخال اليمن في مجلسهم ؟

ما أريد أن أؤكد عليه أن المصالح أهم بكثير من الإيديولوجيات، وأن التنظير عن القومية يصبح هراء خاوياً عند أول امتحان حقيقي مع مصالح الناس وأنه من الأفضل تناسي الأراضي السليبة في تركيا وإيران والملك الضائع هنا وهناك والنبش في كتب التاريخ عن حدود سابقة لممالك اندثرت الآن والمطالبة بها، من الأفضل تناسي كل ذلك والتركيز على تثبيت ما هو موجود على أرض الواقع.

وعندما نصل إلى مرحلة من التقدم والرفاه تزيد عما هو موجود حولنا فسيأتي جيراننا من تلقاء أنفسهم وبدون أي جهد تنظيري من قبلنا ليطلبوا الاتحاد معنا، بل أكثر من ذلك، سيظهر بينهم منظرون يؤكدون على قوة العلاقة بيننا وبينهم وجذورها الضاربة في أعماق التاريخ!!

علينا فقط النظر لمحاولات تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي لمعرفة ما أعني، ليس فقط سيطلبون الاتحاد معنا، بل سيمكننا فرض شروطنا والتبطر عليهم أيضاً كما يفعل الأوروبيون مع تركيا الآن.

يبقى في النهاية الاعتراضات:
أولاً - الاعتراض الشهير: لن يسمح لنا الاستعمار ولن تتركنا إسرائيل في حالنا وستبقى القوى الخفية التي تحكم العالم تحيك المؤامرات علينا ما لم نتوحد أولاً، سمعتها مائة مرة، هذه الاعتراضات نابعة من عصاب متأصل في الإنسان السوري نظراً للحشو الإيديولوجي الطويل الذي تعرض له، هذا العصاب يهيئ له أن العالم والغرب خصوصاً بطوله وعرضه متفرغ تماماً ولا هم ولا عمل له إلا حياكة المؤامرات كي يبقينا متخلفين خوفا من تسيدنا العالم في حال تطورنا، والتصور الأكثر قرباً للتفكير الجمعي السوري هو أن إسرائيل بالذات لن تسمح بقيام قوة بجانبها وستفشل أي محاولة تبذل في هذا المجال.

أما عن المؤامرات العالمية فهي أتفه من أن يرد عليها، على من يتكلم بهذا المنطق أن يفسر لماذا سمح الغرب الشرير للصين وكوريا وماليزيا وسنغافورا وغيرها كثيراً بالانتقال من العالم الثالث إلى مصاف الدول المتقدمة ثم ضاقت عينه فقط عندما يصل الدور على سوريا.

أما عن إسرائيل فهي الشماعة التي نعلق عليها فشلنا والحجة الأفضل لتقصيرنا، تنبع حجة إسرائيل من افتراض أن الإسرائيليين هم صنف خاص من البشر لا تنطبق عليهم قوانين الطبيعة، وبالتالي لا يهنأ لهم عيش إلا في الدخول في حروب بلا نهاية لها، وأنه لا مصلحة لهم في الحياة في منطقة آمنة ومستقرة وثرية اقتصادياً واجتماعياً وأنهم يفضلون الحياة في قلعة محصنة تسبح في بحر من الكراهية وقضاء أعمارهم في الجيش والاحتياط.

ثانياً – اعتراض أننا لا يمكن أن نتقدم وحدنا، فنحن أمة صغيرة والعالم الآن تتنازعه الحيتان الكبار، موافق مع بعض التحفظات، فبعض الأمم الصغيرة أبلى بلاء حسناً، ولكن لا بأس ففي الاتحاد قوة، ولكني أقول فقط: دعوا الإيديولوجيا والتنظير وانظروا للمصالح فهي أساس كل شيء.

أريد في النهاية أن أقول أنه لو حصلت معجزة ما وتوحدت الأمة العربية أو السورية فلن أحزن، بل سأكون أول المصفقين والمؤيدين، وأنه ليس عندي أي مانع في حصول تقارب بين الدول السورية أو العربية على الإطلاق بل أشجعه بشدة، كل ما أدعو إليه هو ترك أوهام الماضي وأحلام العصافير والتركيز على ما لدينا فعلا، عندما نبني بيتنا الصغير الذي ورثناه دون أن يكون لنا يد في ذلك نستطيع البدء منه لبناء بيت كبير نفاخر فيه الأمم في مستقبل الأيام.





قراءة بقية المقال

٢٥‏/٣‏/٢٠٠٨

نصيحة من مسلم ملحد إلى مسيحيي الإنترنت


مسلم ملحد ؟؟؟ لا، ليس هذا خطأ طباعياً في العنوان، أنا ملحد شاءت الصدفة أن ألد لعائلة مسلمة في بلد غالبية سكانه من المسلمين، وبناء على ذلك تم تسجيلي في السجلات المدنية على أني مسلم بدون أن يكون لي يد في ذلك، مثل أي طفل آخر يلد في بلادنا.

أنا ملحد من ناحية الإيمان، لكني مسلم من ناحية الانتماء، أهلي مسلمون والكثير من أصدقائي مسلمون وغالبية سكان بلدي الأول سوريا مسلمون، أتكلم لغتهم وأفرح لفرحهم وأتألم لألمهم، أهنئهم بولاداتهم وأفراحههم وأعزيهم بوفياتهم وأتراحهم، باختصار هم - مع جميع السوريين من الطوائف الأخرى – أهلي، والإنسان لا ينكر أصله وأهله.

لا أحد يكره الإسلام السياسي كما أكرهه، ولا يوجد من يعارض تطبيق الشريعة كما أعارض وليس هناك من ينفر من السلفية ومظاهرها كما أنفر، ولا أحد يستطيع المزاودة علي في العلمانية والحرية وضرورتهما.


- فلئن اشتكى المسيحي من رغبة المتأسلمين بفرض الجزية عليه أقول له أنت محظوظ، هم لا يرغبون إلا بفضل رأسي عن جسدي.
- وإن تأفف من إجياره على تحجيب زوجته أقول له اضحك في سرك، هم لا يرضون بأقل من تفريقي عن زوجتي.
- وإن تبرم من عدم السماح له بإشهار شعائر دينه أحسده في سري، على الأقل هم لن يجبرونه على أداء شعائر دينهم.
ذكرت هذه المقدمة فقط لأبين للمسيحيين جميعاً من أنا وكيف أفكر، أنا ملحد لا أؤمن بأي غيبيات أو آلهة من أي نوع، ولكني أؤيد حق أي انسان أن يعتقد ما يشاء طالما لم يفرض اعتقاده على الآخرين، وبناء على هذا الموقف لن أتردد في دعم أي مطلب مسيحي مشروع دعما مطلقاً:

- فإن طالب بإالغاء تحديد دين رئيس الجمهورية في الدستور فأنا معه.
- وإن طالب بعدم صرف أموال الضرائب التي يساهم فيها على وزارة الأوقاف التي لا يستفيد منها فهذا حق لا شك فيه.
- وإن طالب بعدم فرض قوانين الإرث الإسلامية عليه فهذا مشروع.
- وإن طالب بوقت على إذاعات الدولة السورية يخصص لنشر الدين المسيحي مناسب لما يقدم للدين الإسلامي فأنا معه طالما أن ضرائبه تمول هذا التلفزيون (مع أني أؤيد إلغاء الدعوة لأي دين على إذاعة الدولة).
وهكذا .....

ولكني سأخصص هذا المقال لظاهرة غريبة وخطيرة بدأت تتنامى مؤخراً خصوصاً على الإنترنت التي تقدم منبراً حراً بشكل مطلق بإمكان كل إنسان أن يقول فيه ما يريد، هذه الظاهرة هي تحول البعض (وأرجو بشدة أن يكون هذا البعض قليلاً) من المسيحيين الشرقيين إلى مهاجمة الإسلام كعقيدة والنبي محمد كشخصية وإطلاق كافة الشتائم والنعوت القبيحة بحقهما وحق كل من يتبعهما مما يخطر ولا يخطر على البال.

وتحول بعضهم إلى "باحثين تاريخيين"، ينقبون الكتب الإسلامية الصفراء بحثاً عن كل ما ينتقص من محمد وصحابته كي يشبعوا أي مسلم يقرأ لهم أو يسمعهم هزؤاً وسخرية من معتقداته وكتبه ودينه.

بل وذهب الأمر بالسخف إلى أبعد من ذلك، إذ بدأ بعض العباقرة منهم في الحديث عن "الاحتلال الإسلامي - العربي" لمصر أولا ومؤخراً لسوريا أيضاً، وكأن مسلمو مصر وسوريا غزاة جاؤوا من الجزيرة العربية وليسوا من السكان الأصليين الذين قرر أحد أسلافهم اعتناق الإسلام في مرحلة ما ربما تخلصاً من الجزية أو طاعة لشيخ قبيلته أو إكراها بحد السيف، مثله تماماً مثل سلف سابق قرر قراراً مشابهاً ولنفس الأسباب قبله ببضع مئات من السنين بالتحول من الوثنية إلى المسيحية .......

هل تظن عزيزي القارئ أن هذا أسوأ ما يقال ؟ كلا للأسف، سمعتهم أكثر من مرة يردون على كل مسلم معتدل يقول لهم أن الإسلام يحترم بقية الأديان السماوية – مع تحفظي الشخصي على كلمة السماوية - وبأنه ضد الجزية والتمييز وأنه مع مبدأ المواطنة، يردون عليه بأنه جاهل لا يعرف دينه ولو عرفه لأصبح إرهابياً مجرماً مثل بقية "الهمج الغزاة" ...........

ونظراً لكوني في النهاية واحداً من هؤلاء "الغزاة الهمج" انتماءً، أريد في هذ المقال الرد على طروحات هؤلاء "الباحثين العلميين" بطريقة منهجية، وسأقسم ردي إلى قسمين، رد على منطقية الطروحات و"الأبحاث التاريخية" ورد من الناحية العملية على جدوى هذه الطروحات و"الأبحاث" من الأساس.

أولاً: الرد من الناحية المنطقية:
1 – إنكار المسيحي على المسلم استعمال نفس الآليات "العقلية" و"المنطقية" التي جعلته يتصور أن المسيحية هي دين متسامح:
يصول الجهبذ المتمسح – على وزن متأسلم إن صح التعبير - ويجول في النصوص القرآنية وكتب الأحاديث والسيرة مقتطعاً منها الاقتباسات المطولة التي تتحدث عن الحرب والدماء، ورضاع الكبير والشجاع الأقرع والتبرك ببول الرسول قافزاً بثقة من ذلك إلى الاستنتاج باستحالة إصلاح الإسلام تماماً نظراً لأنه لا يمكن أن يؤمن إنسان بعصمة هذه النصوص ويكون بشراً سوياً في وقت واحد، أليس هذا واضحاً لكل ذي عين ؟
لكن ..
هل قرأ المسيحي العهد القديم يا ترى ؟ ألا يعرف أن ما فيه من الدماء والقتل والخرافات لا يقل، إن لم يكن يزيد عما في القرآن من ذلك ؟ ألا يعرف أن كل ما يعيبه في الإسلام موجود في كتابه المقدس وزيادة ؟
سأسأل أسئلة لا جواب عليها إلا بنعم أو لا:
- هل العهد القديم جزء من الكتاب المقدس نعم أم لا ؟
- هل إله العهد القديم المتوحش هو إله آخر غير يسوع الحمل الوديع نعم أم لا ؟
- أم هل تغيرت شخصيته عندما نضج نعم أم لا ؟
- أم هل اكتشف أن طريقة العهد القديم في التعامل مع الناس فاشلة ولذلك غير من مقاربته عل الطريقة الجديدة تنجح ؟
وحتى إذا فرضت بسحر ساحر اني أستطيع تجاهل العهد القديم والتركيز على العهد الجديد الإيجابي، لماذا أتمسك بالوصايا العشر ؟ والمزامير ؟ ونشيد الإنشاد ؟ وغيرها ؟ أليسوا جميعاً من الكتاب القديم "المنسوخ" ؟ وإذا تجاهلتها أيضاً هل أبقى مسيحي أم أن لدي ديانة خاصة لا يشاركني بها أحد ؟
أطلب من كل من "باحث" من هذا النوع ان ينظر إلى المرآة مطولاً ويسأل نفسه:
"يا هل ترى ما هي الآلية العقلية والمنطقية التي اعتمدتها في تجاهل كل ما هو مخزي في الكتاب المقدس وتصديق كل ما هو جميل" ؟؟؟
وبعد أن يجيب يسأل نفسه ثانية:
"ألا يمكن أن يستعمل المسلم نفس الآلية يا ترى" ؟؟

2 – تسهيل الرد على المسلمين بالهجوم المعاكس:
سمعتها وقرأتها عشرات المرات، أسهل طريقة للدفاع هي الهجوم، فعوضاً من أن يدافع المسلم عن نصوصه الخرافية والمتناقضة والدموية ويعيد النظر بصحتها يلجأ إلى الطريق الأسهل: مهاجمة مقابلات هذه النصوص في الكتاب المقدس ثم الضحك على تناقض المسيحي الذي يعيب على المسلم ما ابتلي به هو شخصياً.
وكلام المسلم سليم، والطريف أن كلام المسيحي سليم أيضاً، فكلا الكتابين (القرآن والكتاب المقدس) حافلين بما لذ وطاب من الخرافة والتناقض والدموية مما يجعل من السهولة بمكان لأي شخص أن يسرح ويمرح بهما كما يشاء بدون جهد يذكر، ولكن العمى الإيديولوجي الذي يضرب بصيرة المتدين فيحجب عنه تناقضات وخرافات دينه بينما يترك له "العقل" و"التفكير" ليتمعن في الأديان الأخرى بتجرد يجعله يتصور أنه أتى بما لم يأت به الأولون حين يقرأ عن دين الآخرين ويكتشف عيوبه ويتعجب من "صغر عقولهم" عندما يصدقون تلك الخرافات المضحكة !!

3 – تناسي أن الإسلام قطع شوطاً بعيداً في الإصلاح فعلاً قبل الردة الحضارية بعد هزيمة المشروع العربي:
على كل من يتصور استحالة إصلاح الإسلام أن يخرج إلى السوق ويشتري فيديو عن حفلة لأم كلثوم أو عبد الحليم حافظ، ويبحث فيهما عن أي أثر للحجاب بين الجمهور، وإذا وجده فليخبرني، وهنا لدينا تفسيرين:
أ – أن كل حضور تلك الحفلات كانوا من المسيحيين "المتحضرين"، ولكن مهلاً، فعبد الحليم وأم كلثوم هما نفسهما من "الهمج" ....
ب – أن الأمور لم تكن وقتها كما هي الآن.
كل من تجاوز الأربعين عاماً رأي بعينه التحول التدريجي نحو التشدد والخبل الديني الإسلامي المتدروش، ويعرف بالضبط ان إسلام الخمسينات والستينات بل والسبعينات وأوائل الثمانينات كان مدجناً، وديعاً وحضارياً مثل المسيحية الآن بالضبط.
هل كان يجرؤ وقتها شيخ على التكفير بسبب وبلا سبب ؟ والإفتاء ببول البعير وأفضلية النقاب على الحجاب ؟
لماذا لم يكن وقتها يوجد من يتكلم بالجزية والجهاد والتمترس ودار الإسلام والحرب ؟ كيف سمحت تعاليم الإسلام "الدموية المتحجرة" للنساء أن يتحررن وقتها من الحجاب ؟ كيف يا ترى ؟
كيف سمح المسلمون المتعصبون الهمج لفارس الخوري ونايف حواتمة وجورج حبش بتبوء أعلى المناصب ؟
أين كانت المصارف الإسلامية والطب النبوي والملابس الإسلامية والجوامع المكتظة ومشايخ البزنس وزواج المسفار والمسيار ؟
وهذا كله يقودني إلى الفقرة التالية:

4 - تناسي كم استغرق إصلاح المسيحية:
يعترف الجهبذ المتمسح بوقوع أخطاء في التاريخ المسيحي – وهذه نقطة لصالحه -، فلم أسمع أحدا منهم يدافع عن محاكم التفتيش وحرق العلماء، لكنه يرميها ببساطة على البشر الذين لم يفهموا الكتاب المقدس بشكل سليم وينزه المسيحية عنها، حيث أنها نفضت عنها تلك التفاسير والتصرفات الخاطئة وأظهرت وجهها الوضاء الذي عم العالم فانتشرت تحمل الخلاص للبشر المعذبين التائقين للنور على أنغام القيثارة وزقزقة العصافير ......
ويتصور لسذاجته الشديدة أن القسس والرهبان والأحبار ناموا ذات يوم بعد صلاة روحية صادقة واستفاقوا في الصباح التالي وفتحوا كتبهم المقدسة وأمعنوا فيها النظر فاستنتجوا أن أسلافهم كانوا على خطأ بتعصبهم الماضي وتمسكهم بالسلطة وأن "المسيحية الصحيحة" لا تقول بحرق المهرطقين والتنكيل بالساحرات وإجبار الناس على تغيير دينها وتجييش الحملات الصليبية وتحريم الكتب العلمية.
ولكن كل من يعرف أي شيء عن تاريخ أوروبا والغرب يعرف أن معركة العقل والتنوير مع المسيحية امتدت مئات السنوات ولم تنته عملياً بشكل نهائي إلا في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين (أرجو ان يكون نهائي حقيقة، فالردة الحضارية الإسلامية يمكن أن تتكرر مثيلتها في الغرب مع المسيحية وعندها اقرأ على البشرية السلام).
معركة امتدت مئات السنوات سالت الدماء والدموع فيها أنهاراً، حاربت المسيحية فيها بالأنياب والنواجذ دفاعاً عن الخرافة والجهل والتعصب ولم تترك فيها خندقاً إلا بعد أن تقطعت بها السبل، وعندما تمت هزيمتها والإجهاز عليها كقوة سياسية بشكل نهائي على يد العقل والعلمانية والتنوير اكتشفت فجأة أنها ديانة متسامحة علمانية وأن الصراع كان سوء تفاهم بسيط لم يكن له داع أصلاً ........

وطريق الإصلاح الوعر هذا لم يكن دون نكسات وردات وكر وفر وحقب يقوى فيها التنوير والعقل وأخرى ترتد بها الخرافة والجهل إلى الواجهة، كما يحصل الآن مع الإسلام بالضبط، ومن يتصور أن التاريخ توقف في نهايات القرن لعشرين وبدايات الواحد والعشرين وأن حالة الإسلام الحالية هي قدر لا فكاك منه عليه فقط أن يقرأ الاقتنباس التالي لفولتير ويتصور نفسه مكانه وفي وقته يخضع لاضهاد رجال الدين:
“Christianity is the most ridiculous, the most absurd, and bloody religion that has ever infected the world”
"المسيحية هي أتفه وأسخف وأكثر دين دموي ابتلي به العالم على الإطلاق"

ولا يزال الوحش المسيحي الجريح الذي يلعق جراحه الآن ويلملم قواه الآن بعد الضربات التي أثخنته، لا يزال يطل بوجهه المخيف - المغطى بالمساحيق التجميلية - يحارب العلم والعقل حيث استطاع، فمن نشر خرافات الخلق والتصميم الذكي ومحاربة علم التطور، إلى الوقوف في وجه الأبحاث العلمية على الخلايا الجذعية إلى محاربة حق الإجهاض وحق إنهاء الحياة اختيارياً وغيرها.
لا يترك فرصة تفوته ينتقم بها من العقل إلا وانتهزها، لكنه حتى الآن مروض بالعلمانية، لنأمل ان يظل الأمر كذلك.

إصلاح المسيحية كان بإضعافها، من قبل العلمانية في الغرب ومن قبل الإسلام في الشرق، وإصلاح الإسلام سيتبع المسار نفسه، هكذا بكل بساطة.
مضى الآن على المشروع الإصلاحي الإسلامي حوالي 150 عاماً "فقط"، آه كم كنت أتمنى لو كانت كافية كي نتعلم، آه كم كنت أتمنى ألا نعيد نفس طريق الدم والدموع المسيحي، أه كم أتمنى الآن لو يمتد بي العمر لأرى زخم المد الإصلاحي العلماني يعود من جديد، لكني واثق من عودته فالتاريخ لم ولن ينته ويوم القيامة لن يأت ابداً.
باختصار: أروني شيوخاً لا سلطة لهم أريكم إسلاماً "حضارياً" مثل المسيحية وحبة مسك.

5 - المحاكمة التاريخية للدينين تميل لصالح الإسلام لا المسيحية. مسيحيو الشرق أنفسهم شاهد على ذلك.
من أكثر الأمر إثارة للغيظ بالنسبة لي الكلام الببغائي عن العلماء "المسلمين" مثل ابن سينا والرازي وغيرهما الذي تبارى فقهاء عصرهم في تكفيرهم ويستعلمهم دجالو وكذابو اليوم في إثبات عظمة الإسلام عبرالحضارة التي بناها !!!!!!

نفس المنطق المعوج المنافق يستخدمه الكهنة المتمسحين اليوم في تجيير تسامح العلمانية – التي حاربوها حتى الرمق الأخير في وقتها - وقبولها للآخر المختلف، تجيير هذا التسامح بكل صفاقة إلى الديانة المسيحية!!!!، ينسى هؤلاء المنافقون أن أوروربا الغربية كان عدد المسلمين فيها يساوي الصفر عملياً قبل أواسط القرن العشرين !! ينسى هؤلاء الكذابون (ليسوا جميعهم كذابون حقيقة بل يوجد قسم منهم جهلة، مثل المسلمين الذين يتغنون باليوتوبيا الإسلامية الوهمية) أن مسيحيو اسبانيا المتسامحين قتلوا وهجروا كل من هو غير كاثوليكي من الأندلس.

وجود مسيحيي الشرق بحد ذاته هو أنصع شهادة للإسلام على المسيحية بكل بساطة بغض النظر عن نصوص أي كتاب مقدس، لا أقول هذا مثل بسطاء وجهلة المسلمين الذين يتصورون أن حياة مسيحيي الشرق كانت لبناً وعسلاً تحت حكم الإسلام العادل، بكل تأكيد لا، كانو يخضعون للجزية والتمييز والإجحاف والاضطهاد وتقلبات مزاج الحكام واستعلاء الأغلبية عليهم، نعم ولكنهم ظلوا موجودين بعكس مسلمي أوروبا الذين أبيدوا وهجروا بالكامل. بل كان الشرق الإسلامي "الهمجي" ملاذاً لليهود المضطهدين في أوروبا المسيحية المتسامحة !!!!!
عندما يأتي متمسح اليوم ويقارن بكل صفاقة مساجد أوروبا التي تتكاثر كالفطر مع كنائس الشرق التي تتعرض للحصار فهو لا يقارن بين المسيحية والإسلام، بل يقارن بين العلمانية والإسلام وشتان بين المسيحية والعلمانية.
تريد مقارنة المسيحية مع الإسلام يا شاطر ؟ اذهب إلى صربيا في التسعينات وأخبرني عن حرية بناء المساجد هناك عند سلوبودان ميلوسيفيتش وراتكو ملاديتش ورادوفان كارادزيتش، أكثر من مرة رأيت صور الأخير يقبل الصليب بخشوع ...........

6 - أين الخد الأيسر ؟
كنت أتصور – ولعلي مخطئاً – أن يسوع القدوس تكلم عن حب الأعداء ومباركة اللاعنين، تكلم عن إدارة الخد الأيسر والسير ميلين عوضاً عن الميل ؟ غريب، أين هذا من المتمسح الشتام المقذع ؟
ألم يبارك المسيحيون ويغفرون لمن رماهم للأسود وسامهم سوء العذاب ؟
ألم تنتشر الديانة المسيحية عندما رأى الناس عظمة المسيحيين الأخلاقية فاتبعوهم ؟؟ (هكذا يتصور بسطائهم، كما يتصور بسطاء المسلمين أن الإسلام انتشر بالدعوة والموعظة الحسنة !!!)
أم أن كل هذا كلام فارغ وتفاهة وترهات يرددونها كالببغاءات في الكنائس ثم يرمونها وراء ظهورهم وهم يشحذون ألسنتهم وينقبون في قواميس اللغة العربية عن أكثر الألفاظ حطاً وتحقيراً للمسلم المسكين الذين يريدون له الخير ويرغبون في تخليص روحه المعذبة من الجحيم بتسليمها ليسوع ؟
غريب فعلاً.


ثانياً: الرد من الناحية العملية:
بعد أن خصصت البنود السابقة لبيان الثغرات المنهجية في الخطاب المتمسح، أريد الآن مناقشة ما هو أهم بكثير، الكوارث التي ستترتب عملياً على الاستمرار فيه:

1 – خطأ الانجرار إلى لعبة خاسرة - وإن ربحت - يحدد قواعدها المتأسلم.
دعني أعطي تشبيه لإيصال الفكرة، أنت شخص عادي تمشي وحدك مع وزوجتك الجميلة في حي غريب لا تعرف فيه أحداً، رأيت عصابة من عشرات الشبان المتسكعين الأوباش تقترب منكما وتلقي التعليقات الجارحة وترمقكما بنظرات شهوانية، ماذا تفعل ؟ هل تشتمهم وتتحداهم أم هل تحاول الخروج بأقصى سرعة من الحي والابتعاد عنهم بأقل قدر ممكن من الخسائر ؟
هل وصلت الفكرة ؟ أحياناً لا يكون الخيار بين الجيد والسيء، في الكثير من مواقف الحياة يكون الخيار هو بين السيء والأسوأ !!
أنا أدين بشكل مطلق وبلا تحفظ كل متأسلم طائفي حقود يهاجم العقيدة المسيحية ومسيحيي الشرق، خصوصاً أنه يمارس هذا السلوك المنحط المخجل على طائفة صغيرة من أبناء وطنه لا تملك حرية الرد عليه نظراً لتحيز الأغلبية والدولة ضدها. واستعراض العضلات على من لا يستطيع الرد هو أول صفات الجبان.
ولكن هل يكون جواب المسيحي من نوع العمل ؟ هل يصفع أحد هؤلاء الشبان الأوباش كما في المثال أو يشتم أمه وأخته ويرضي غروره الذكوري ويخاطر بمقتله واغتصاب زوجته ؟ أم لعله من الأفضل أن يذهب إلى مختار الحي ووجهائه ويحاول إثارة نخوتهم علهم يلجمون هؤلاء الرعاع ويوقفونهم عند حدهم ؟ أي يذهب إلى حكومته وعقلاء شعبه ويطالبهم بحمايته وتطبيق العلمانية الصحيحة ؟
اخوتي وأبناء وطني وأهلي المسيحيين، إذ تمسحتم ورددتم على المتأسلم الطائفي بطريقته تكونون قد وقعتم في فخ أعده لكم بعناية شديدة، أنتم تلعبون في ملعبه وبين أرضه وجمهوره وترقصون على أنغامه وتنجرون إلى معركة بسلاح اختاره هو لكم وأنتم الخاسرون فيها حتماً وإن تصورتم أنكم ربحتم و"فشيتم خلقكم" بشتمهم كما يشتمونكم.
ألا تكررون أخطاء الفلسطينيين عندما تجرهم الاستفزازات الإسرائيلية إلى الرد العسكري العاطفي بينما هم لا يمكنهم تحمل تبعات هذا الرد ولا يملكون أسلحة ووسائل يواجهون بها الجبروت الإسرائيلي ؟
إذا فجر فلسطيني نفسه في مطعم من شدة القهر وقتل شخص أو اثنين ترد اسرائيل بقصف غزة بالطائرات وحصارها وتجويعها وترويعها وقتل مائة مقابلهم وتحويل حياة البقية إلى جحيم بأكثر مما هي جحيم فعلاً.
وإذا شتم مسيحي محمد والإسلام يرد غوغاء ورعاع المسلمين بمهاجمة الكنائس وحرقها وافتعال الفتن الطائفية.
مرة ثانية هل وصلت الفكرة ؟

2 - حرية الكلام مقدسة لكن ماذا عن حكمة الكلام ؟
وماذا عن الحرية ؟ هه ؟ ألا تنادي أيها الملحد المنافق بالحرية وتطبل وتزمر لها دوماً وتتباكى على فقدها ؟
لماذا تريد الحجر على حرية المسيحيين في الرد ؟ أم أنك مسلم سلفي متعصب تتخفى وراء الإلحاد ؟
ألا تنكر علينا ما تفعله أنت بالضبط من انتقاد الدين ؟
سمعت هذه الردود شخصياً من أكثر من متمسح حاولت أو أوصل إليهم كلامياً ما أطرحه في هذه المقالة،
لا يا قوم، لست سلفياً ولا أختفي وراء شيء، وأزيدكم سروراً بأني لا أرتاح أيضاً للمراهقات الفكرية الإلحادية التي يتصور فيها البعض أن التحرر من الدين لا يكتمل إلا بالشتم والإقذاع.
ولكن هناك فرق جوهري وهي أن نقدنا نحن للدين (وأقصد بنحن الملحدين من أصل إسلامي)، بل وحتى شتم مراهقينا الفكريين (مثل وفاء سلطان) لا يحمل صبغة طائفية ولا يتحمل تبعاته إلا نحن أنفسنا، ليس لنا كنائس لتحرق وأهلنا مسلمون ولن يهجروا ويضيق عليهم ويمكن فقط اتهام أشخاصنا دون أهلنا بالعمالة للموساد وال CIA ومجلس الكنائس العالمي والماسونية إلى آخر قائمة التفاهات التي يرميها المتأسلمون علينا.
لا أريد الحجر على حريتكم في انتقاد الإسلام إلا كما أريد الحجر على حرية ابني إذا أراد انتقاد الحكومة في بلد ديكتاتوري بالوقوف في ساحة عامة وشتم الرئيس علناً أمام الناس، هو حر، أليس كذلك ؟ نعم حر ولكنه انتحاري، وكذلك أنتم.
باختصار نحن منهم وفيهم في النهاية وهذا ما يقودني إلى النقطة التالية:

3 - لا يمكن أن يصلح المسيحيون حال الإسلام كما لا يمكن أن يصلح المسلمون حال المسيحية.
هذا البند هو الامتداد العملي للفقرة السابقة التي يبنت فيها سهولة الرد الإسلامي بالهجوم المعاكس.
يولد النقد الخارجي لأي انسان فوراً رد فعل دفاعي تلقائي غير عقلاني حتى لو كان هذا النقد صحيحاً، لنفرض أن جارك يقول أن ابنك لص يسرق وإفسادك له هو سبب تصرفاته، ماذا سيكون رد فعلك حتى لو كانت لديك علامات استفهام وغير راضٍ عن تصرفات ابنك ؟ حتى لو برهن جارك على ما يقول، بأمانة، هل ستحبه؟
ولكن لو أتت زوجتك أو أخيك وقالا لك ذلك، ألا تسمع منهما أكثر ؟ أليسا في موقع أفضل لتقديم النصح ؟ موقع شبهة التحيز فيه أقل بكثير؟ موقع لا يشك فيه متلقي النقد برغبة الآخر في التشفي بل يعتقد أنه فعلاً يرغب في إصلاح الحال ؟
يجب أن يعرف المسيحي أنه في هذا الموضع بالضبط، هو الجار وخارج العائلة، والإنسان في النهاية ليس عقلاً فقط، بل هو عقل وعاطفة وكما يجب أن تتحلى بأقصى أنواع الحذر عند انتقاد ابن أو زوجة جارك (إذا كان تهمك علاقتك بجارك طبعا، والمسيحيون الشرقيون يهمهم قطعاً علاقتهم بالمسلمين)، يجب عليك كمسيحي توخي نفس الحذر بل وأكثر عند تناولك للإسلام.

لاحظوا بالمناسبة أن مسيحيي الغرب لا ينطبق عليهم ذلك، فالإنجيليين الأمريكيين يسرحون ويمرحون في النصوص القرآنية والأحاديث وقصص مفاخذة عائشة واغتصابها بلا خوف ولا وجل، ولكن مسيحيي أمريكا لا يهمهم إصلاح حال المسلمين أو بلاد الشرق إطلاقاً، هم يسعون للسخرية من المسلمين وبيان تخلفهم وهمجيتهم فقط، ولا يضيرهم في سبيل تلك المتعة الرخيصة أن يضحى برقاب مسيحيي الشرق. هم الجار القوي الذي لا تهمه علاقته بجاره وتسمح له قوته بقول ما يشاء عنه وعن عائلته.

أنتم - وأهلكم لو كنتم مهاجرين - من سيعيش بين المسلمين، وأنتم من يلزمه حالياً حسن نية المسلمين، ولكنكم لستم مع الأسف في موقع يمكنكم فيه انتقاد الإسلام، اتركوا ذلك لمصلحيه.

ستقولون أنهم مقصرون ولا يفعلون الكفاية ؟ صحيح صحيح صحيح، وأنا أعتذر باسمي وباسم كل علماني مسلم يوافقني في الرأي عن تصرفات طائفيي ورعاع المسلمين بحق معتنقي كل الأديان الأخرى وليس المسيحية فقط، لكننا نعيش في زمن سيء مع الأسف فالمسلم السني يقتل المسلم الشيعي وبالعكس فما بالك بمعتنقي الأديان الأخرى ؟

في النهاية أريد أن أختم مقالي ببعض الأفكار والنصائح أرجو أن يفكر كل مسيحي سوري أولا وعربي ثانياً بها، أفكار يزعم صاحبها أنه تحرر من إيديولوجيا الإسلام بحيث يستطيع الوقوف على الحياد والنظر إلى الجانبين ورؤية طرفي القضية.

أفكار يخاف عليكم صاحبها كما تخافون على أنفسكم، ليس لأني ملاك من السماء وأحبكم قبل نفسي، لا، بل لأني كعلماني وملحد أقلية، وأنتم كمسيحيين أقلية، وما يضير أي أقلية أخرى يضيرني، وكلما نقص تنوع المجتمع وقل عدد الأقليات كلما زادت فاشيته وتعصبه وانغلاقه على نفسه.

دعوني أقول لكم أنه كما المسلم يحتاج للعلمانية كي يعيش في الغرب أنتم بحاجة للعلمانية كي تعيشون في الشرق، هو يستطيع الاستغناء عن العلمانية في الشرق، أنتم لا تستطيعون، احصروا نضالكم ومطالبكم فيها ولا تدخلوا معارك جانبية الربح فيها هو بحد ذاته خسارة.

لا تقلدوا انجيليي الولايات المتحدة وبعض مسيحيي المهجر الآمنين وراء البحار، هم سيتاجرون بكم ثم لن ينفعوكم عندما تقع الواقعة بل سيذرفون عليكم دموع التماسيح ويتركونكم لمصيركم، هم يستخدمونكم كقميص عثمان للتباكي ولبيان وحشية العدو الإسلامي الوهمي الذي يريدون خلقه ليحل محل العدو الشيوعي كي يستمروا في تجييش الجيوش وصناعة الأسلحة، هم لديهم من القوة ما يسمح لهم بذلك، أنتم لا.

لا تتبنوا وتقبلوا وترددوا كالببغاءات الخطاب الإسلامي السلفي أن الإسلام هو دين ودولة، هذا الخطاب أولاً غير صحيح وثانياً يدعو إلى اليأس المطلق وثالثاً كان القساوسة يرددونه في أوروبا عن المسيحية وقد تبين خطأه هناك وسيتيبن خطأه هنا. مقتلكم في هذا الخطاب، حاربوه بكل قواكم عوضاً عن تأكيده بمناسبة وغير مناسبة. إذا كان هذا الخطاب صحيحاً فالأجدر بكم أن تحزموا حقائبكم إلى المهجر من الآن وأنا وكل علماني مسلم سنسبقكم.

أنتم ضعفاء وستظلون ضعفاء إلى أن يصبح في بلادنا دستور علماني صارم يحمي الجميع كما في الغرب، والضعيف عليه التمسك بالأرضية الأخلاقية العليا فهي أثمن ما يملك وهي من يجلب له تعاطف كل منصف، لا تدعوا رعاعكم وأرذالكم يسلبونكم إياها.

ابتعدوا عن انتقاد ما لا يمسكم في الإسلام، إذا اضطهد المسلم امرأته فهذه مشكلة امرأته ومشكلته وليست مشكلتكم، وإذا تزوج المسلم أربعة أو عشرة فهذا لا يمس نساؤكم، وإذا تزوج النبي محمد زوجة ابنه بالتبني فهذا ليس من اختصاصكم طالما لا أحد يلاحق زوجات أبناءكم.
إذا أردتم أن تناقشوا فناقشوا الجزية، ناقشوا الردة، ناقشوا حقوق الولاية لغير المسلم، ناقشوا إجبار غير المسلمة على التحجب، ناقشوا أنظمة بناء كنائسكم واتركوا إصلاح البيت الداخلي لأهله.

إياكم ثم إياكم من التعميم واستعمال كلمات مثل "العقل المسلم" و"النفسية الإسلامية" و"التخلف الإسلامي"، لا يوجد شيء اسمه عقل مسلم ونفسية إسلامية ، يوجد مليار مسلم كل واحد منهم فرد له عقله ونفسيته، استعمال مثل هذه التعابير يفقدكم أي نوع من أنواع التعاطف من أي مسلم مهما كان علمانياً ومتحرراً أو حتى ملحداً مثلي.

لن تنجحوا في إقناع المسلمين المقتنعين بترك دينهم بهذه الطريقة (أو بأي طريقة حقيقة)، الغشاوة التي يضعها الدين على عقولكم فقط هي من يهيء لكم إمكانية ذلك نظراً لاعتقادكم أن دينكم منطقي ودينهم ليس كذلك، حتى لو نجحتم مع أفراد قلائل فلن يقدموا أو يؤخروا.

هدفكم هو اجتذاب المسلم المعتدل لا تنفيره، مهمتكم هي زيادة عدد المسلمين المتعاطفين مع قضاياكم وهم كثر وللأسف كانوا أكثر، مهمتكم هي التركيز على الآيات الإيجابية في القرآن التي تدعو للتسامح وقبول الآخر، لا تذكير المسلم بالناسخ والمنسوخ إذا كان قد نسيهما ولفت نظره إلى آيات السيف إذا كان لا يعرفها.

أافهم رد فعلكم العاطفي، أفهم الألم الذي يدعوكم إلى الرد على الطائفي المسلم بطريقته وتجريعه نفس الشراب المر الذي يذيقككم إياه، لكني لا أستطيع تبريره،
لعل الإيجابي الوحيد في خطابكم هو فتح ذهن المتأسلم إلى أن من يطرق الباب ويبدأ في انتقاد عقائد الغير عليه سماع الجواب وتحمل نتائج انتقاد الناس لعقائده، لكني أخاف عليكم من حرب طائفية غير متكافئة يخسر بها الكل، الوطن والمسلم والمسيحي، لكنكم ستكونون الخاسر الأكبر.





قراءة بقية المقال

٢٦‏/١٢‏/٢٠٠٧

اليهودية هي دين الحق !!


من أطرف ما ألاحظه وأسمعه أحياناً من شخص متدين أناقشه هو قناعته الثابتة بأن دينه (بل ومذهبه) هما الدين والمذهب المنطقيان الوحيدان على عكس بقية الأديان والمذاهب التي يجب أن يتضح بطلانها لأي شخص متجرد وحيادي (مثله طبعاً) يدرسها، حيث أن فيها من التناقضات الواضحة والخرافات المضحكة ما لا يغيب عن أي عين فاحصة !

وينظر الشخص المتدين إلي دون أن تطرف عينه وهو يقول أنه لو ولد على أي دين آخر لعرف على الفور حالما بدأ بالفهم أن دينه متناقض وغير مقنع ولبدأ رحلة البحث عن الدين الحق بدون تأخير !

بل ويؤكد بكل ثقة أنه وبرغم أنه وبمشيئة الله وبحمده قد ولد على الدين الحق، لكنه ليس مؤمنا بالوراثة، لا وألف لا، فهو (أو هي) عندما وصل إلى مرحلة البلوغ العقلي وضع دينه وإيمانه تحت مجهر البحث العلمي الموضوعي بلا عواطف أو تحيز، وعرضه على بقية الأديان والعقائد وأخضعه لميزان العقل والمنطق فوجده الدين الوحيد الذي يرضي العقل والقلب معاً وبالتالي اتبعه عن قناعة راسخة واطمئنان كامل بعكس عموم الجهلة المساكين الذين يأخذون الدين بالوراثة وبدون تفكر !


وهو طبعا على قناعة راسخة رسوخ الجبال بأن ما يمنع الناس جميعا من التحول إلى دينه ومذهبه هو التضليل الذي يمارسه كهنة وسحرة الأديان والمذاهب الأخرى على أتباعهم المساكين كي يمنعون عنهم رؤية الحق الواضح لكل ذو بصيرة. هؤلاء الكهنة – لعنهم الله - يعرفون بطلان أديانهم المتهالكة لكنهم يستخدمونها أداة للسيطرة على الناس ووسيلة للوصل إلى السلطة والجاه.

ثم يبدأ “الباحث العلمي المتجرد” بلوم نفسه وبقية أتباع دينه على تقصيرهم في نشر الدعوة وتبليغ الرسالة التي لو وصلت للناس بشكلها السليم وبلا تشويه أو تحريف (أي كما يفهمها هو بالضبط) لما بقي على سطح الأرض إلا مؤمنين بدينه ما عدا بعض الكفار المعاندين الذين يريدون التحلل من القيود الأخلاقية والواجبات التي يفرضها الدين.

الناحية الصعبة في هكذا مناقشة هي إخفاء ابتسامتي حفاظاً على مشاعر “الباحث المتجرد”، وكوني سمعت مؤخراً حديثاً مشابهاً، خطرت لي فكرة التوسع قليلاً في هذا المجال ومحاولة الإثبات - بناء على سخافة هذا الكلام بالضبط - باستخدام الإحصائيات أن الإله الإسلامي-المسيحي تحديداً غير موجود، أما الإله اليهودي يهوه فهو ينطبق مع دراستي، ونظراً لكون “الأديان غير السماوية” لا تستحق مجرد البحث في صحتها نظرا “لسخافتها الواضحة” فلم تبق إلا اليهودية لتكون هي “الدين الحق”.

لأبدأ أولاً بطرح ثلاث من المسلمات التي ينطلق منها الفكر الإسلامي-مسيحي:

1 – أن الله هو خلق الناس، أي أنه هو الذي صمم آليات التفكير واتخاذ القرار في عقولهم على ما هي عليه.
2 – أن الله أرسل الأنبياء والرسالات كي تدل الناس على دين الحق، وأن واحدة من هذه الرسالات حصراً صحيحة والباقية باطلة بلا استثناء (هنا سأعتبر أن رسالات كل الأنبياء الذين يعترف بهم الإسلام واحدة، لكن أنتم تعرفون طبعاً أن هذه الرسالات قد "حرفت" وبالتالي لم تبق إلا رسالة واحدة صحيحة، أما بالنسبة للرسالات "غير السماوية" كما أسلفت فحدث ولا حرج).
3 – أن الإله لا يقبل من البشر إلا أن يتبعوا الرسالة الصحيحة حصراً، حيث أنه يعدهم بكل نعيم إذا فعلوا ويتوعدهم بأشد النكال إذا لم يفعلوا.

بعد تثبيت النقاط السابقة (ولا أعتقد أن أي متدين يمكن أن يعترض على أي منها)، لنبدأ بالنظر إلى العالم الذي نعيش فيه، أعترف أولاً أني لا أملك إحصائيات موثقة، لكن بإمكان أي شخص لا يتفق مع ما سأصل إليه أن ينظر حوله ويرى بعينه، لا أكثر ولا أقل.

باستطاعتي التأكيد بكل ثقة أنه احتمال أن يموت أي انسان على دين آخر غير الدين الذي ولد عليه – أي يتحول عن قناعة - هو احتمال متناه في الصغر يقارب الصفر بغض النظر عن ماهية هذا الدين.

وبالتالي، وبالأخذ بعين الاعتبار المقدمات الثلاث التي أثبتها في الأعلى أصل لإحدى نتيجتين:

1 – إما أن الله شرير ويريد تضليل الناس عامداً متعمداً أو يريد أن يميز بعضهم ويدخلهم الجنة دون الآخرين فيجعلهم يولدون على “دين الحق”، وهي نتيجة منطقية تطابق واقع الأرض كما نراه، ولكنها تتعارض مع صفة أساسية من صفات الإله الإسلامي-المسيحي وهي أنه عادل ويريد الخير لعباده.
2 – أو أن الله بكل بساطة غير موجود وبإمكاننا تفسير الأديان والرسالات المختلفة وطرائق رد فعل الناس عليها بآليات تفكير معينة في الدماغ البشري يتقدم العلم الحديث في الكشف عنها حثيثاً. (أو من الناحية الهزلية إثبات أن اليهودية هي دين الحق).

والآن لأبدأ بالشرح:
أولاً: كم من الناس تغير دينها ؟
برغم الاحتفالات والأهازيج التي يقيمها المتدينون بين الحين والآخر "بهداية" واحد أو مجموعة من الناس، تبقى نسبة المتحولين مهملة تماماً أمام التعداد العام، فلو تحول مائة شخص كل يوم إلى الإسلام في أمريكا مثلاً (وهو رقم ضخم لا أعتقد أنه واقع)، فسيستغرق تحول أمريكا التي يبلغ تعدادها 300 مليوناً ثلاثة ملايين يوم أي أكثر من 8000 سنة !! طبعا هذا الحساب غير دقيق حيث يفترض أن تتسارع الأمور مع تزايد نسبة المسلمين، ولكن لن يغير كثيراً مما أريد توضيحه لو استغرق الأمر 4000 أوحتى 2000 عوضاً عن 8000 سنة !!.

لا أعرف إذا كانت توجد أي إحصائية عن أعداد المتحولين من دين إلى آخر ولكن الضجة الإعلامية والطنطنة والتهليل التي تصاحب حفلات التحول تجعلني أميل بشدة للاعتقاد بأن الأعداد صغيرة جداً، والوضع مشابه تماماً لحوادث الطائرات والسيارات، فعند سقوط طائرة ومقتل مائة شخص تظهر الحادثة على نشرات الأخبار في أنحاء العالم المختلفة، بينما يقتل مائة أو ألف ضعف عدد من يقتل في حوادث الطائرات سنوياً بحوادث السير العادية لكن لا أحد يسمع بهم، لماذا ؟ لأن الأمر عادي بكل بساطة. حوادث التحول من دين إلى آخر قليلة جداً ولذلك تحديداً نسمع بها !!!!

وبالتالي تبقى الغالبية الساحقة من الناس تولد وتموت على نفس الدين.

ثانياً: لماذا تغير الناس دينها ؟
دعني أعرض الأسباب الرئيسية:
1 – الزواج: الطرف الآخر متمسك بدينه ولن يقبل الزواج إلا بالتحول، في هذه الحالة يكون المتحول غير متدين أصلاً إذ أنه من المستحيل أن يقبل شخص متدين بالتحول لهذا السبب، وقبوله بالدين الجديد ما هو إلا مسايرة للطرف الآخر أو عائلته أو حتى القوانين (في حال الشرق الأوسط التي تمنع زواج المسلمة بغير المسلم)، مسايرتهم على مبدأ خذوهم على قدر عقولهم.
2 – الطلاق وحضانة الأطفال: من أسباب التحول للإسلام في الشرق الأوسط تحديداً حيث لا وجود للزواج أو الطلاق المدني وحيث يعطى الأطفال للطرف المسلم نظراً لكون دينه هو “الأصح”، وهي أسهل طريقة يمكن أن يتبعها الرجل أو المرأة المسيحيين، وأيضا على الأغلب لا يكون الذي يفعل ذلك متديناً أصلاً.
3 – الإرث: أيضاً في الشرق الأوسط حيث أن الشريعة السمحة لا تسمح بأن ترث الزوجة المسيحية من زوجها المسلم.
4 – الوظيفة: في شرقنا الأوسط العجيب أيضاً، حيث أسمع بين الفينة والأخرى في الصحف الخليجية عن إسلام الخادمة الفلانية أو الموظف العلتاني (غالبيتهم الساحقة من الدول الفقيرة).
5 – الجنسية: حيث تمنع قوانين بعض الدول تجنيس غير المسلم مثلاً.
6 – الإكراه: وهي الوسيلة الأهم بلا منازع في نشر أي دين عبر التاريخ، فحملات “المؤمنين” على “الكفار “ عبر التاريخ ساهمت في نشر الديانتين التوحيديتين بشكل أفعل وأسرع ألف مرة من أي تبشير بالكلمة والموعظة الحسنة وما إلى ذلك من كلام لا يقدم ولا يؤخر. وقد يكون الإكراه مباشراً بالتهديد بالقتل أو التهجير أو بخطف الأطفال وتحويلهم أو بفرض ضرائب أو شروط تعجيزية لا فكاك منها إلا بالتحول، وبرغم التراجع الحالي في استعمال هذه الطريقة الفعالة إلا أنها لا تزال مستخدمة أحياناً وخصوصاً في العالم الإسلامي (العراق مثلاً).
7 – الإعجاب أو الطاعة: أي تقليد زعيم أو ملك أو بطل معين في إيمانه مهما كان، لربما كان تحول عرب الجزيرة العربية مثالاً جيداً على هذا، حيث كانت القبيلة تسلم دفعة واحدة، مما يلغي أي احتمال في كون هذا الإسلام كان ناتجاً عن قناعة ذاتية عقلية فردية لكل شخص.
8 – المنفعة عموماً: للحصول على مساعدات إنسانية مثلاً أو الهجرة إلى بلد معين كلجوء ديني أو الحصول على منح دراسية أو وظائف مهمة وما شابه من الأمور.
تشترك كل العوامل السابقة بكونها أولاً مصلحية نفعية، وثانياً لا علاقة لها على الإطلاق بإمعان التفكير للوصول إلى “دين الحق”.
9 – وأخيراً لا أنكر التحول عن قناعة، هذا يحصل قطعاً، لكن أطلب من القارىء أن ينظر بتجرد ويسأل نفسه، يا هل ترى ما هي نسبة هؤلاء من المتحولين ؟

أطلب من القارىء أن يسأل نفسه، كم شخصاً أعرفه أو سمعت عنه تحول من دين لآخر ؟ ثم يسأل نفسه مرة ثانية لماذا تحول هؤلاء ؟

في مطلق الأحوال، ومهما كان سبب التحول فالموضوع يصبح بلا أهمية بعد الجيل الأول أو الثاني، فالأولاد أو الأحفاد لن تعرف السبب الحقيقي لتغيير دين جدها وسيصبحون “مؤمنون” بالولادة مثلهم مثل من كان سليل مائة جيل من الإيمان. فإذا فرضنا - للتسهيل - أن مصر كانت فرعونية ثم مسيحية ثم إسلامية ثم شيعية ثم سنية كما هي الآن، فنجد أن أربعة فقط من أصل مئات الأجيال التي توالت على مصر في تاريخها المكتوب قد حولت دينها، وكل الباقي مات على الدين الذي ولد عليه، هكذا بكل بساطة.

ثالثاً: في حال التخلي عن الدين الأصلي عن قناعة، إلى أين تتجه الناس عادة ؟
العالم مليء بمن تركوا الدين الذي ولدوا عليه عن قناعة (كاتب السطور واحد منهم بالطبع)، هم يعدون بمئات الملايين، ظاهرون في بعض الدول ومتخفون في منطقتنا البائسة، فكروا في دينهم ووصلوا إلى أنه ليس إلا مجموعة من العقائد القديمة وأساطير العصور الأولى.

تركوا دينهم إلى أين ؟ إلى مجموعة ثانية من العقائد القديمة وأساطير الأولين التي لا يوجد دليل على صحتها ؟ بالطبع لا، فالآليات التي تركوا دينهم لأجلها تطبق على أي دين آخر بكل بساطة لتعطي نفس النتيجة بالضبط: الإلحاد.

لماذا يقتنع الناس بسهولة بدينهم بينما لا يعيرون أي اهتمام بدراسة أي دين آخر جدياً ؟ لماذا يا ترى لا يجدون أي حرج في السخرية من سخافة الأديان الأخرى ؟

لماذا يصبح تقديس البقرة أمراً مضحكاً بينما تقبيل حجر أسود ورمي حصوات على عمود من الخرسانة عملاً منطقياً ؟
لماذا فكرة الثالوث غير منطقية ولا يحتملها العقل بينما تحدي إبليس لله جهاراً نهاراً وملاسنته له أمام الملائكة مع يقينه بقدره الله أمراً لا يتعارض مع العقل ؟
لماذا الجنة الإسلامية بحورياتها وغلمانها مضحكة وفكرة الإله الذي سمح لنفسه أن يقتل ليفتدي أخطاء لم يرتكبها الناس بعد تبدو غير غريبة ؟
لماذا يسخر المسلم من الإله اليهودي الذي يتصارع مع يعقوب ولا يستغرب تصرفات الإله الإسلامي الذي يتشاتم مع أبي لهب ؟
الجواب بكل بساطة هو تشرب الانسان دينه من والديه ومجتمعه في الصغر عندما لا يستطيع عقله الفتي تمييز صحة أو خطأ المعلومات التي يحشوها الكبار في عقله ويأخذ أي شيء يأتي منهم كمسلمات غير قابلة أو حتى خاضعة للتحليل العقلي، وكلما كان الوالدان والمجتمع متدينان أكثر كلما زاد كم الحشو الممنهج الذي يصبح التخلص منه في الكبر عملية في غاية الصعوبة وتحتاج لبذل جهد عقلي وآليات تفكير منطقية يؤدي تطبيقها إلى الاستنتاج بأن ما حشي في رأسه بكل بساطة غير صحيح برغم تكراره آلاف المرات أمامه ودفعه في حلقومه بالقوة!

فما بالك بدين غريب لا يقل خرافية وتناقضاً عن دينه الأصلي ولكنه لم يتعرف عليه إلا في الكبر حين كانت آليات عقله الدفاعية والمنطقية قد اكتملت وأصبح لا يقبل أي طرح ديني إلا بعد التمحيص فيه وإثباته. ولو قدم أي دين براهين وإثباتات لتوقف عن أن يكون ديناً ولأصبح علماً. لذلك نجد الغالبية الساحقة ممن تترك دينهم لأنهم وجدوه غير منطقي يتركونه إلى اللادينية أو الإلحاد حصراً وليس إلى أي دين آخر، وأطلب من القارىء مرة ثانية أن ينظر حوله وفي مجتمعه ويقارن نسب الملحدين بنسب المتحولين.

في النهاية، لا أريد أن يتصور أحد أني أريد أن أقول أن التحول من دين إلى آخر عن قناعة لا يحصل، بل يحصل باستمرار، فقصص أحمد حجازي في مصر والأفغاني الذي تحول إلى المسيحية والمغني يوسف إسلام وروجية غارودي حقائق لا يمكن إنكارها ولكن أسأل مرة أخرى كم يوجد منها ؟ ألف ؟ عشرة آلاف ؟ مائة ألف ؟ مليون؟ ما هي نسبة هذا أمام عالم يزيد تعداده عن ستة مليارات يا ترى ؟

أليست هذه التحولات هي الاستثناء الذي يثبت القاعدة وهي أن الإنسان يموت على الدين الذي ولد عليه وبالتالي فالطريقة الوحيدة عملياً لدخول الجنة هي أن تكون محظوظاً بالولادة على “دين الحق” ؟ أي نوع من الآلهة ذلك الذي يفعل ذلك بمخلوقاته ؟

ألم يكن بمقدور الله إيجاد وسيلة أفضل من الرسالات ليدل الناس عليه ؟ ألم يكن يعرف أن هذه الرسالات لا تقدم ولا تؤخر مهما كان فيها من “الحجج المقنعة” و”المعجزات” وأنها لن تصل إلا لمن ولد عليها وأقلية تافهة أخرى لا تذكر من الآخرين ؟

ألا يدعو هذا للتفكير من هذه الناحية فقط، أن الإله الذي يفعل ذلك عامداً متعمداً شرير ؟ وبالتالي ليس هو إله الخير الموصوف في الإسلام والمسيحية ؟

الديانة “السماوية” الوحيدة التي كان إلهها صادقاً مع نفسه واعترف صراحة أنه اختار شعباً معيناً بالولادة كي يخلصه وطز ببقية الشعوب هي اليهودية التي لا تهتم بالدعوة والتبشير، وبالتالي، وأيضاً من ناحية حجج هذا المقال وحدها أيضاً، لا أجد بداً من الاعتراف أن يهوه ذو الشعب المختار هو أكثر الآلهة الابراهيمية منطقية وتطابقاً مع عالمنا الذي نعيش به، وبالتالي أدعو المسلمين والمسيحيين لاتباع “ديانة الحق” وهي اليهودية، ولكن المشكلة الوحيدة الباقية هي أن اليهودية لا تريد أتباعاً جدداً.

مشكلة عويصة فعلاً.

مساكين المسلمون والمسيحيون، انطبق عليهم المثل: رضينا بالهم والهم لم يرض بنا.





قراءة بقية المقال

٢٠‏/٩‏/٢٠٠٧

فاعلم، يا رعاك الله، أن الأمور ثلاثة: الواجب والمستحيل والجائز


الواجب :لا يقبل العدم، يعني غير ممكن أن يفنى أوينتهي.
المستحيل : أي الذي لا يحتمل وجوده فيستحيل وجوده، يعني لا يقبل الوجود.
الجائز: أي الذي يقبل الوجود والعدم على السواء.

هل يبدو لك هذا الكلام، عزيزي القارئ مألوفا ؟
إن كنت من دارسي "علم" التوحيد - وأضع كلمة علم بين معترضتين كون التوحيد لا يمت للعلم بصلة – أو كنت مثلي من هواة الحوار مع المتدينين، فلا بد أن هذه الكلمات قد مرت عليك كثيراً.

يبدأ المؤمن عادة بعد هذه المقدمة العصماء بتفصيل الأمور أكثر وشرح الفروق الجوهرية بين المخلوق والخالق وبيان النقاط الدقيقة العصية على الفهم مثل الخلق من العدم والقديم والمحدث واستحالة التسلسل وما إلى ذلك من الحجج "العقلية".

وإذا ترك بلا اعتراض أو مناقشة يذهب به الخيال كل مذهب في هذا الهراء والهذيان الفكري حيث ينتصر على طواحين الهواء ويفحمها الواحدة تلو الأخرى ويبين بطلان كل العقائد والأفكار عدا العقيدة التي ولد عليها بالذات !

وأذكر في أحد الكتب الشيعية التي قرأتها أنه وصل الأمر بسماحة السيد إلى إثبات الضرورة العقلية والمنطقية لوجود الأئمة !!

ليس هدفي في هذا المقال مناقشة الموضوع بالطبع فقد تمت مناقشته آلاف المرات وبفضل الإله "غوغل" الكلي المعرفة يمكن لأي قارئ لهذا المقال الاستزادة بقدر ما يشاء من الموضوع ببعض نقرات على لوحة المفاتيح والفأرة وليس عندي ما أضيفه فيه.

ما أريد طرحه هنا أن اللاديني يرتكب خطأ كبيراً بالدخول مع المتدين في مثل هذا النقاش أصلاً، حيث أنه يسلم له في هذه الحالة بمقدماته –الخاطئة - وهي أنه يمكن الوصول إلى حسم مسألة وجود الله وبعض صفاته أيضاً باستخدام العقل المجرد فقط.

كل هذا الهراء المسمى "علم التوحيد" أوجده الكهنة لعجزهم عن الإجابة عن السؤال البسيط: إذا سلمنا جدلاً أن الله خالق كل شيء، فمن خلق الله ؟ أو بتعبير آخر: كيف تسمحون لأنفسكم أيها الكهنة بتفسير المعقد بما هو أكثر منه تعقيداً ؟ أي سخف هذا ؟

وجود الكون مسألة علمية حسية مادية خاضعة للقياس والتجربة والتحقق والتخطئة، وأي تفسير لوجود هذا الكون غير خاضع للقياس والتحقق والتجربة والتخطئة مرفوض بصفته ليس علماً بكل بساطة.

هل يمكن أن أقفل الباب على نفسي في غرفة ومعي ورقة وقلم وأعتصر ذهني طويلاً ثم أخرج بالجدول الدوري للعناصر ؟ أو بقانون الجاذبية ؟ أو بقوانين الكهرمغناطيسية ؟ هكذا، بدون أي قياس أو ملاحظة ؟ الجواب طبعاً لا، لكن لماذا أقر لرجل الدين بأن وجود الله يختلف عن هذه المسائل ؟ هل لأنه عاجز عن الاتيان بدليل مادي على طروحاته يجب علي أن أقبل تمييعه للقضية والدخول معه في الجدل العقلي الذي لا يمكن حسمه بأي طريقة من الطرق لغياب أي وسيلة للتحقق منه ؟

لو كان الجدل العقلي كافياً لإثبات الله أو أي من صفاته لآمن كل الناس من زمن بعيد، بل ولاجتمعوا على دين واحد (مرة ثانية هو الدين الذي ولد عليه الكاهن طبعاً، حيث أنه دين الحق البين لكل صاحب عقل) وانتهى الموضوع منذ فترة بعيدة ولتجاوزنا هذا النقاش كما تجاوزنا النقاش حول كروية الأرض ودورانها حيث لم يبق إلا المرحوم العلامة بن باز وحفنة قليلة من المهووسين تناقش بها.

أكرر ما كتبته سابقاً أني أعتقد أن الكاهن لا يستهدف إقناع محاوره عندما يدبج الكلام الجزل في هذه النقاشات، بل يستهدف العامة التي لا تفهم شيئاً في علم الكلام والفلسفة والتي تريد منه جواباً لا يملكه على سؤال "من خلق الله" ولكنها مستعدة أن تقتنع منه دون أن تفهم شيئاً لأنه كاهن قديس ذو لحية طويلة بينما الملحد فاسق كافر لعين وحليق الذقن أيضاً !!!!.

أعتقد أنه علينا أن نبتر هذا النقاش قبل أن يبدأ ولا نسمح للكاهن أن يشتت العامة بتفنيد مقدمته التي وضعها الكاهن لمصلحته: أن إثبات وجود الله مسألة يمكن حسمها بالعقل وحده.

ألخص الموضوع ببساطة كالتالي:

منطق الملحد: الكون موجود، لا أعرف كيف وجد وبالتالي أعلق حكمي إلى أن أستطيع الاتيان بدليل.
منطق الكاهن: الكون موجود، لا أعرف كيف وجد، إذن يوجد خالق، لا أعرف كيف وجد الخالق، أخترع هراء التوحيد وأسميه علماً وأدعو إلهي الغير موجود أن يقع الملحد في الفخ ويناقشني.




قراءة بقية المقال

٢٥‏/٥‏/٢٠٠٧

إصلاح الإسلام، من داخله أم من خارجه ؟


دخلت منذ فترة قريبة في أكثر من حوار مع العديد من الأصدقاء اللادينيين في حوار كان ملخص مجراه هو ندمهم على التصريح بآرائهم اللادينية في مجتمع ليس مهيئا للاستماع إلى أو لاحتمال هذه الآراء. وقد كان يوجد هناك شبه إجماع – ما عداي - أن الطريقة الأفضل لإصلاح حال المجتمعات الإسلامية هو الابتعاد قدر الإمكان عن المواجهة المباشرة مع صحة العقيدة بحد ذاتها والتركيز على محاولة عقلنة هذه العقيدة وموائمتها مع قيم العصر الحالية والتركيز على قيم التسامح والعلمانية أكثر من محاولة نشر خطاب لا تحتمله مجتمعاتنا المتخلفة الشبه أمية.

أريد هنا بيان وجهة نظري المعاكسة لهذا التوجه وقناعتي بأن نشر الفكر اللاديني ومحاربة الفكر الغيبي بكل أشكاله – وليس الإسلام تحديدا – لا يقل أهمية، بل برأيي يفوق أهمية محاولة الإصلاح والعصرنة الجارية حاليا وفي كل الأحوال لا يتعارض معها.

سأبدأ أولا ببيان نقاط ضعف الفكر الإصلاحي وفشله شبه الكامل في تحقيق نتائج إيجابية ثم أتابع في ضرورة نقد الدين والفكر الغيبي مباشرة وبدون مواربة ثم أنهي بيان أهمية كل من الطريقتين وعدم تعارضهما.

أولا، الفكر الإصلاحي الداخلي:

قد لا يعرف البعض أن محاولات عقلنة وإصلاح الفكر الإسلامي لم تبدأ مع الهجمة السلفية الحالية، فهي ليست حديثة على الإطلاق، إذ بدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدة، أي منذ مائة وخمسون عاما، وقد أيد هذه المحاولات ازدياد الاحتكاك بين الشرق والغرب في فترة الاستعمار والانفتاح التدريجي والاطلاع على منجزات الحضارة الغربية ثم مقارنتها بالأوضاع البائسة في شرقنا.

وعلى طول هذه الفترة وباستثناء بعض المفكرين الذي لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، لم يجرؤ أحد من الإصلاحيين على التشكيك بالدين بحد ذاته بصريح العبارة وتوجيه النقد المباشر له كفكر غيبي يفتقر إلى الدليل وفضلوا – سواء عن قناعة بصحة الدين أو كتمويه للوصول إلى الهدف خوفا من المواجهة – معالجة نتائج وأعراض الدين عوضا عن المرض بذاته. واتبعوا عدة طرق أذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر:

- ضرورة إعادة تفسير النص الديني بناء على معارف العصر وقيمه.
- تجاهل السنة (وتاريخية النص إجمالا) والاعتماد على القرآن وحده كنص خارج عن المكان والزمان.
- التركيز على النصوص التي تتفق مع روح العصر وقيمه وتجاهل أو نسيان ما يخالفها.

مزجوا هذه المناهج مع تأكيدهم المستمر على إسلامهم وإيمانهم – مرة أخرى، بقناعة أو بغير قناعة- وغيرتهم على الدين ممن "يحاولون تشويهه" ومن "أصحاب العقليات المتحجرة" وما إلى ذلك من التعابير.

مشكلة هذه الطريقة في الإصلاح باختصار هي أن المصلح يلعب في ملعب الشيخ الكاهن ووفق قواعد لعبة حددها هذا الشيخ !!

فالمصلح عندما يبدأ عرض حجته بالاعتراف بالرسالة والنبوة وصحة القرآن وعصمته وكون الإسلام هو دين الحق يكون قد خسر ثلاثة أرباع النقاش قبل أن يبدأ به، وحصر نفسه في زاوية ضيقة يستطيع الشيخ التقليدي فيها تفنيد كلامه بكل يسر وتعريته منطقيا تماما أمام القراء أو متابعي النقاش، حيث يبدو المصلح كمدلس يحاول تحميل النص بمعان لا يحتملها على الإطلاق ولي عنق اللغة بحيث تتفق مع أهوائه وآرائه.

والمصلح هنا دوما في حالة دفاع عن النفس أمام هجوم المشايخ ومضطر دوما إلى تبرير مواقفه والتأكيد المستمر على صحة إسلامه مما يعطي انطباعا سلبيا تماما أمام القارئ. ويعزز هذا الموقف من غرور الشيخ الذي جعل المصلح يرقص على أنغام مزماره ويلعب في ملعبه وأمام جمهوره بدون أي جهد.

بالإضافة إلى المصلحين الأفراد، اتبعت معظم الأحزاب التي تطلق على نفسها علمانية (مثل البعث والقومي السوري) هذا الأسلوب في تطبيق العلمانية، أي تمجيد الإسلام وتعظيمه لفظيا واستخراج اي نصوص من تراثه تتفق مع طروحاتهم "التقدمية" وإبرازها وتجاهل معاكساتها.

وقد بدا لفترة أن هذا الأسلوب قد نجح وأن المشكلة في طريقها إلى الزوال خصوصا في فترات المد الليبرالي في زمن الوصاية الأجنبية وبعده زمن المد اليساري بعد الاستقلال. حيث ضعف بشكل كبير صوت الإسلام السلفي أمام الموجة "التقدمية".

ومرة أخرى أقول أنه طوال هذه الفترة وبرغم الضعف النسبي للإسلام التقليدي لم يجرؤ أحد تقريبا على نقد الإسلام بشكل مباشر وصريح ومناقشة صحة طروحاته، خصوصا أن الدول البوليسية "العلمانية"" فضلت - بقصر نظر شديد - عدم الدخول في مجابهة لا داع لها برأيها مع المجتمع المحافظ وبالتالي لم تشجع، بل وقمعت من حاول التحرش بعش الدبابير.

وعند انهيار المشروع الحداثي لهذه الدول البوليسية، وجدت نفسها – ومعها الأقليات والإصلاحيين والمجتمع المدني كضحايا أبرياء لأخطائها - في مواجهة الوحش السلفي الذي فضلت عدم مواجهته في أيام ضعفه النسبي، هذا الوحش الذي وجد في الفشل الكامل لهذا المشروع الذي اختطفته الديكتاتوريات البوليسية فرصة سانحة ليقدم نفسه كبديل عنها أمام الجماهير التي فقدت ثقتها تماما بمدعي التقدمية وارتدت إلى زمن الغيبيات والحلم بالخلاص الآتي من السماء بعد يأسها من الأرض.

وجد هذا الوحش السلفي الفرصة سانحة ليصفي حسابه مع جميع أعدائه. الديكتاتوريات العسكرية ومعها العلمانية والديمقراطية والأقليات وحقوق الإنسان وقيم العصر وكل شي وأي شيء في ردة فكرية شاملة إلى الماضي قل نظيرها.

وجد هذا الوحش خواء فكريا علمانيا شبه شامل في مواجهة طروحاته التي ضاعت فرصة الرد عليها منهجيا عندما كان الأمر أسهل بكثير. وجد أمامه أفكارا إصلاحية هزيلة وملتوية وفوقية يمكن تفنيدها بكل يسر من قبل أي طالب شريعة في السنة الأولى له اطلاع على مصادر التراث الإسلامي.

وهكذا وبعد قرن ونصف، مائة وخمسون عاما، ستة أجيال كاملة من "إصلاح الدين من الداخل" رجعنا إلى ما قبل نقطة الصفر وعدنا نناقش من جديد و- كأن شيئا لم يحصل في هذه الفترة - أحكام التعامل مع أهل الذمة وضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وبحث هل يجوز اعتبار الشيعة – ناهيك عن العلويين والدروز والاسماعيليين - من المسلمين، مرورا بالمصارف الإسلامية والطب الإسلامي ووصولا إلى مهازل الإعجاز العلمي وفوائد العلاج ببول الجمال ومشروعية رضاعة الكبير وسط انهيار فكري وحضاري وأخلاقي شامل وكامل.

لا أعتقد أنه يمكن أن يفشل مشروع أكثر مما فشل المشروع الإصلاحي الإسلامي ولعله آن الوقت لتجريب مقاربة جديدة وعدم تكرار أخطاء الماضي.

ثانيا، الفكر الإصلاحي الخارجي،

وهنا لربما كان استعمال تعبير "الفكر الإصلاحي" غير دقيق نوعا ما، فهنا ليس الهدف إصلاح الدين في أي حال من الأحوال بل نقضه من أساسه وتبيان تناقضاته وبشرية مصدره، وأقصد بالإصلاح هنا هو إصلاح المجتمع أو الناس وليس الدين.

لعل أول وأهم ميزات هذه المقاربة هي اتساقها الفكري وبالتالي تناسقها وقوتها وقدرتها على الإقناع، فعندما أسقط قدسية النص أسقط معها السيف المسلط على رقاب كل من تجرأ وأعمل عقله في النصوص المقدسة، هذا السيف القاطع لأي نقاش والمخمد لأي عقل الذي يشهره في وجهي بانتظام كل من ناقشته:

أخ راضي، هل أنت مؤمن بالله أم لا ؟

كما أسلفت سابقا، يعني الجواب الإيجابي على هذا السؤال خسارة النقاش مقدما، فالمؤمن لا يناقشني برأيه بل بنص منزل، وعدم اعترافي بقدسية هذا النص يمكنني من مناقشته بحرية تامة ووضعه على المحك من مختلف الجوانب، التاريخية واللغوية والعلمية والأخلاقية والمنطقية وغير ذلك بدون حرج وبدون اضطراري لإخفاء ما أقصد وراء كلمات يمكن تفسيرها بأكثر من معنى وصياغات مبهمة ومتعالية وفوقية على فهم الناس البسطاء مثل "فلسفة التأويل" و "الاتجاه العقلي في التفسير" و "النص، السلطة، الحقيقة، إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة" مع احترامي الشديد للدكتور نصر حامد أبو زيد، فأرجو ألا يفهم كلامي على أنه انتقاص من القيمة العلمية لهذه الكتب لأني لم أقرأ إلا مقتطفات منها ولست في وارد تقييمها. ما أريد قوله هو أن هذه الكتب بعيدة تماما عن فهم الناس العاديين بعكس الخطاب الديني التقليدي السهل الفهم والمتسق مع ذاته بشكل عام.

وعندما يقرأ الشخص العادي كتابا أو يسمع محاضرة مباشرة وصريحة ومتسقة منطقيا حول الأديان فسيحفزه هذا أكثر بكثير على تشغيل عقله واستخدام ملكات المحاكمة المنطقية فيه بعكس الخطاب الإصلاحي الذي يعتمد جله على آليات عقلية لا علاقة لها بالمنطق مع الأسف.

النقطة الثانية المهمة هي تعويد الناس على حقيقة أنه يوجد في الدنيا لادينيين وملحدين ! وأن هؤلاء الملحدين مثل بقية البشر وليسوا كائنات من الفضاء الخارجي، يحبون ويكرهون ويخافون ويغضبون ويأكلون وينامون ويلاعبون أطفالهم ويحبون زوجاتهم ويميزهم عن غيرهم فقط رفض الإيديولوجية الدينية.

فقد نجح الإرهاب الفكري والجسدي الإسلامي في إخراس الفكر الناقد تماما بحيث لا يعرف الناس الملحدين إلا عن طريق الترهات والأكاذيب التي يلفقها رجال الدين عليهم، فأصبح الإلحاد مرادفا للشذوذ الجنسي وزنا المحارم والضياع النفسي والعقلي والجنون وإلى ما ذلك. أو مرادفا للغباء مثل الملحدين الوهميين المتخلفين عقليا الذي يحاورهم وينتصر عليهم و"يفحمهم" الشيوخ بكل يسر في كتب الهراء والسخف مثل "حوار مع صديقي الملحد".

ونظراً لأن الإصلاحيين يعلنون صباح مساء أنهم مسلمين أتقياء، فلا أحد منهم يريد أن يوصم بالإلحاد ويدخل في معركة يتصور أنه بغنى عنها إذا دافع عن الملحد، وبالتالي ستبقى هذه النظرة إلى أن تتغير المقاربة.

والإنسان عدو ما يجهل، وطالما يتصور المسلم البسيط أنه لا يوجد على الأرض ملحدين عدا الصور الكرتونية المقدمة أعلاه فسيظل عدو لذلك الملحد ولن ينظر مطلقا له كشريك في وطن، بل كمجرم يجب إخراجه أو إخراسه أو قتله.

النقطة الثالثة الهامة هي أن المصلحين الداخليين يوجهون جل اهتمامهم إلى قضية الحرية الفكرية وحقوق الإنسان بشكل كبير جداً، بينما تبقى حقيقة أن الفكر الغيبي الأسطوري بكل أشكاله تجب محاربته لأنه فكر غيبي أسطوري بغض النظر عن تسامحه أو عدمه.

والفكر الأسطوري لا يقتصر على الأديان، فالأبراج Astrology والطب البديل مثلا ليست أديانا ولا تهدد حقوق الإنسان ولا قيم التسامح ومع ذلك يجب محاربتها وتعريتها وفضحها تماما مثل الدين.

والمسيحية في الغرب التي حسمت أمرها وكفت عن التهديد والوعيد لمخالفيها واتخذت موقف حمائم السلام لم تسلم من هجوم العلمانيين الغربيين برغم كل ذلك، فبرغم موقفها المسالم لا تزال إيديولوجيتها تتدخل في قضايا الأبحاث العلمية وتنكر فروعا هامة من العلم وتساهم بشكل فعال في تجهيل الناس وتسطيح تفكيرهم وكونها مسالمة ولا تهدد لا يغير من ذلك شيئا.

الفكر العلمي هو قيمة بحد ذاته، الشك هو فضيلة ولا غنى عنه للوصول إلى المعرفة، الإيمان بشيء بلا دليل حسي عليه هو نقيصة وأمر مرفوض وليس فضيلة كما يحشى في الأذهان، ولا يوجد أشخاص أو أفكار أو عقائد غير قابلين للنقد والتفنيد، هذه أساسيات وأدوات لا غنى عنها في تقدم أي مجتمع ومع شديد الأسف لا نجد ذكرا لها في الخطاب الإصلاحي الداخلي.

أرجو ألا يفهم من كلامي أني أعارض المصلحين الداخليين، على العكس أشد على أياديهم وأبارك جهودهم وأتمنى لهم كل توفيق، وأقول لهم أن جهودهم ستنجح بشكل أسرع بكثير عندما يوضع الدين في مكانه الصحيح وهو دور العبادة فقط وتنزع أنيابه ومخالبه تحت ضربات الفكر العلمي اللاديني، فعندما تنزع القوة السياسية من أيدي رجال الدين سيجدون أن تفهمهم للفكر الإصلاحي المتسامح وتبنيهم له سيكون من مصلحتهم ومصلحة دينهم قبل أي شيء آخر.

أما عامة الناس فلا مشكلة فيهم على الإطلاق، فهم لا يعرفون شيء عن الدين إلا ما يقوله لهم المشايخ بكل بساطة، وبالتالي إذا كان هؤلاء المشايخ منفتحين ومتنورين ومسالمين فسينتقل هذا تلقائيا إلى العامة ببساطة، وسيتكرر ما حصل في إصلاح الدين المسيحي الذي اكتشف قساوسته وأحباره أنه دين متسامح بعد أنهار الدم التي أسالوها عبر القرون عندما ضعفوا فقط !!!!!!!

وعندما اكتشف القساوسة الضعفاء المنزوعي المخالب "تسامح" المسيحية صدق الناس أن المسيحية فعلا دين متسامح بدون أدنى جهد ويناقشون في ذلك أيضاً بكل جدية بل ويتحدثون عن أن الإسلام بعكس المسيحية غير قابل للإصلاح !!!!

ينسون أنه قبل 40 عاما فقط كان الإسلام متسامحا تماما أثناء المد العلماني الاشتراكي، هل تغير الإسلام في 40 سنة ؟ لا طبعا ولكنه ازداد قوة ولملم جراحه واستفاد من فشل بدائله فقط نظراً لأن الكل جبن أو لم يرد مواجهته ووضعه في مكانه السليم. وعندما ازداد قوة تغول واستوحش مثل أي إيديولوجية شمولية تدعي امتلاكها الحقيقة المطلقة.

وأخشى ما أخشاه هو استيقاظ الغول المسيحي النائم في الغرب ردا على مثيله الإسلامي، فالمزيج المتفجر بين تقنية الغرب وقوته العسكرية وبين فكر شمولي غيبي مسيحي يمكن أن يهدد جديا إن وجد الحضارة البشرية بالكامل. وإذا حصل ذلك، فسيتمنى الإسلاميون قبل غيرهم أنهم لم يفتحوا صندوق باندورا.

قبل أن أختم بتصوري للحل، أقول للمصلحين الإسلاميين، جهودكم مباركة وبالتوفيق وأحترم عملكم، توجد لدينا أهداف مشتركة هي العيش المشترك وحرية التعبير، لكن إلى هنا وفقط، فأنا أرفض الفكر الغيبي من ناحية المبدأ بكل بساطة.

في النهاية، من سيعلق الجرس ؟ أكاد أسمع القارىء يقول: من هذا المزاود الذي يطلب من المصلحين تعريض حياتهم للخطر أكثر مما هي معرضة ؟

ألا يعرف ما هي نتائج التصريح بالإلحاد وتوجيه النقد إلى أصل العقيدة في العالم الإسلامي ؟

نعم أعرف، ونعم أنا أول من يخاف على حياته وعلى سلامة عائلته ولا أزاود على أحد ولا أبيع وطنيات ولست في وارد العنتريات الانتحارية.

أنا أطلب وأكرر الطلب من حكومات بلادنا أن تحمينا بكل بساطة وتضمن حقنا وحق غيرنا في التعبير وألا تسمح لأحد أن يهددنا، حكوماتنا ودولنا هي الجهات الوحيدة التي تملك قدرا من القوة يمكنها بها مواجهة التهديد الإرهابي الغوغائي.

أريد أن أقول لها أن مصلحتها الذاتية أولا ومصلحة البلاد على المدى البعيد ثانيا ليست في تجنب المشكلة والدوران عليها علها تزول من تلقاء نفسها بتملق التيارات الإسلامية وترك الحبل على الغارب لها لتسيطر على المجتمع طالما هي بعيدة عن السياسة، هذا جرب من قبل وأثبت فشله، بل في البدء بأسرع ما يمكن في مواجهتها بطريقة منهجية وعلى أسس جديدة.

أعرف أني أطلب الكثير من حكومات فاسدة وشمولية لا ترى أبعد من أنفها ولكن يحق لي أن أحلم على الأقل وأن أوجه نداء عل أحد يسمعه.

في انتظار تحقق الحلم يجب استغلال أي منبر تعبير إعلامي جماهيري متاح لنشر الفكر العلمي الصريح والغير مهادن ومحاولة الوصول إلى أكبر عدد من الناس وبذر بذور التنوير في أكبر عدد ممكن من العقول علها تثمر بعد حين وفي أجيال المستقبل.




قراءة بقية المقال

٢‏/١١‏/٢٠٠٦

الأخلاق في الإسلام


“إذا كذبت كذبة كبيرة وكررتها بشكل دائم فسيصدقها الناس في النهاية”
جوزيف غوبلز – وزير الإعلام الألماني في العهد النازي

تعتمد ثقافتنا العربية بشكل شبه كامل على تشجيع التلقين والحفظ ومحاربة التجديد والإبداع والاختلاف، ولعله من التكرار الممل أن آتي بأمثلة على ذلك فمن عاش في منطقتنا ودرس في مدارسنا وجامعاتنا يعرف أن طريق النجاح والتفوق هو الحفظ والاستظهار والتكرار أما الفهم والبحث فهو لزوم ما لا يلزم، فالأمر سيان فيه وبدونه.

وتشجع الأنظمة والعقائد الشمولية الدوغمائية ذلك بكل قوة، وتحارب بشكل مماثل التميز الفردي وملكة البحث والتحري عند الناس. فالعقائد الشمولية العلمانية منها والدينية تقدم نفسها بصفتها مالكة الحقيقة المطلقة ولها حساسية زائدة تجاه أي اختلاف مع طروحاتها التي تقدم على أنها مسلمات غير قابلة للنقاش وبديهيات لا تحتاج إلى إثبات.

وتنبع الحساسية الزائدة من كون أن معظم هذه الطروحات لا يقوم على أي أساس عقلاني يمكن الدفاع عنه منطقياً ويبقى البديل الأفضل هو فرض الفكرة قسراً وقتل ملكة المناقشة والشك في الناس ثم قمع وإخراس من يبقى من الأفراد القلائل الذين استطاعوا تحرير عقلهم وملكوا قدرة التحليل والمناقشة.

وأريد في هذا المقال مناقشة واحدة من هذه "المسلمات" التي كررتها وتكررها الدوغما الدينية عموماً والإسلامية خصوصاً بشكل مكثف بحيث أقنعت بها حتى بعض العلمانيين والمتنورين، هذه المسلمة هي أن الإسلام مرادف الأخلاق فمن لا دين له هو بالضرورة لا أخلاق له. تحشر هذه "البديهية" في عقول الناس منذ طفولتهم وتعاد عليهم وتكرر بشكل يجعلها "فطرية" يستدل بها عوضاً عن البحث عن إثباتها.

وما أريده هنا ليس نقض هذه الأكذوبة "الغوبلزية" فقط وتبيان أن الإسلام لا علاقة له بالأخلاق، بل أكثر من ذلك، أريد مناقشة أن الدين عموماً والإسلام خصوصاً هو نقيض للأخلاق ويساهم بشكل فعال في تشويه نفسية المؤمنين به وقتل حسهم الأخلاقي.

لأبدأ أولاً بتعريف الأخلاق والشخص الأخلاقي في مفهومي:
الأخلاق هي تصرفات غيرية لا تنفع فاعلها وغالباً ما تضره، يفعلها الإنسان لذاتها من دون توقع منفعة مباشرة تعود عليه منها وليس خوفاً من عواقب إذا امتنع عن القيام بها.

فبالنسبة للقسم الأول من التعريف: عندما يلتزم الإنسان بالإخلاص لزوجه أو زوجته فهو يقوم بحرمان نفسه أو نفسها من متع كبيرة، وعندما يكون التاجر صادقاً في معاملاته فهو يحرم نفسه من أرباح أكثر يمكن أن تعود عليه وعندما يقوم المحسن بالتبرع بماله أو وقته للفقراء فهو يخسر هذا المال أو الوقت الذي كان يمكن إنفاقه على نفسه وعندما يمنع الإنسان نفسه عن السرقة فهو يحرم نفسه من المال المسروق وهكذا..

الآن نأتي لمناقشة القسم التالي والأهم كثيراً: "يفعلها الإنسان لذاتها من دون توقع منفعة مباشرة تعود عليه منها وليس خوفاً من عواقب إذا امتنع عن القيام بها"

فالتي لا تخون زوجها خوفاً من أن يقتلها أو يطلقها لا يمكن أن أقول عنها أنه أخلاقية، بل هي خائفة فقط.
واللص الذي لا يسرق خوفاً من قطع يده ليس شريفاً وأخلاقياً.
والمحسن الذي يتبرع علناً كي يتحدث الناس عن كرمه ما هو إلا منافق.
والذي يود والديه وأهله طمعاً في الميراث أو التجارة بأموالهم ليس إلا تاجر.
والأم التي تحن على ولدها الصغير كي يطيعها ويكرمها في كبرها ما هي إلا مرابية تدين ابنها دين تريد استرداده أضعافاً مضاعفة لاحقاً.
والأمثلة كثيرة.

وأفرق هنا بين المصلحة المباشرة وغير المباشرة، فالفعل الجيد كثيراً ما يدور ويرتد على صاحبه، فالأم التي تحب ولدها لأنه ولدها وليس لشيء أخر سيبادلها ولدها شعورها على الأغلب، والتاجر الصادق يفضل الناس التعامل معه دوماً والمحسن الذي ينقذ الناس من غائلة الجوع قد يرتد عليه ذلك مجتمع أكثر أمناً والأمثلة كثيرة هنا أيضاً.

وحتى لو لم يرتد عليه الفعل على الإطلاق، فهناك من الناس من يفعل الخير لأن ذلك يمنحه السعادة فقط وليس لأي غرض آخر.

نأتي هنا للإسلام، لا ضرورة لتكرار بيان متع الجنة وعذاب النار، فما كتب عنها يكفي ويزيد، فقد تجاوزت الأدبيات الإسلامية كل الحدود في بيان الجوائز التي سيغدقها الإله على أتباعه المطيعين والعقوبات المرعبة التي تنتظر من يخالف أوامره حتى وصلت إلى مرحلة الإسفاف والابتذال في ذلك على الطرفين، العقوبات والمكافئات.

في نقاشاتي مع المؤمنين تواجهني دورياً الأسئلة التقليدية التالية:
- ما الذي يمنعك من ممارسة الجنس مع أمك وأختك ؟
- لماذا لا تسرق طالما لا حسيب ولا رقيب ؟
- لماذا لا تقتل الناس طالما لا حساب ولا عذاب ؟

تثير هذه الأسئلة الغثيان في نفسي ومزيج من الاحتقار والشفقة على سائلها، فهو لا يسرق ولا ينام مع أمه ولا يقتل فقط لأن كتابه قال له ذلك وطمعاً في الحور اللواتي يرجعن عذارى بعد كل نكاح وخوفا من الشواء الأبدي وتبديل الجلود المتكرر بعد النضج وليس لأي مبدأ أخلاقي من أي نوع من الأنواع.

لسان حال هؤلاء يقول أنه لو لم يكن هناك عقاب ولا ثواب فسيقومون بكل ذلك، وأسأل هنا، أين هي الأخلاق ؟ هل الأخلاق هي الطمع والخوف ؟ العصا والجزرة ؟
من يقاد بالعصا والجزرة هم القطيع والدهماء، سواء أكان هذا القطيع من البشر أو من البهائم، لا فرق يذكر. والقطيع والدهماء ليس لهم أخلاق بل غرائز فقط.

لا شك أن الدهماء والغوغاء واللصوص يحتاجون للعقوبات لضبط تصرفاتهم، ولكن القوانين البشرية تستطيع ردعهم دون الحاجة لآلهة ودون ادعاءات أخلاقية من أي نوع.

الأمر الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه هو الربط العصابي الإسلامي الحالي بين الأخلاق والعفة الجنسية للمرأة خصوصاً، الأمر الموروث عن العادات البدوية للبيئة التي نشأ فيها الإسلام. فبالنسبة لمعظم العوام يوجد تكافؤ شبه مطلق بين الأمرين وبالتالي يحصرون عملياً مناقشتهم لموضوع الأخلاق بالجنس تحديداً ويهملون كل ما عداه. وهذا الموضوع قتل بحثاً بالطبع وليس لدي ما أضيفه فيه.

الإسلام ليس أخلاق، الإسلام هو مجرد قانون عقوبات ومكافآت دنيوية وأخروية، المسلم يعمل الخير (حسب المفهوم الإسلامي للخير طبعاً) كي يفوز بالجنة ويتجنب الشر (حسب مفهوم الإسلام للشر أيضاً) كي يتجنب النار. ولا أعتقد أن أحداً يحاول أن يجعل كتاب قانون العقوبات مرجعاً في الأخلاق.

الخوف من الله هو جزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، والمؤمن الحقيقي لا يمكنه أن يأمن مكر إلهه بأي شكل من الأشكال. وهذا طبعاً لا يكفي، فالعقوبات الوحشية الدنيوية تنتظر من لم يخافوا بشكلٍ كافٍ من عقوبات الآخرة.

الطمع بالجنة هو الجزء الثاني، وهذا أيضاً لا يكفي، فالسبايا والغنائم والسراري تسكب العزاء مؤقتاً في قلوب من لا يستطيع انتظار المكافأة المؤجلة.

أسأل مرة أخرى، أين الأخلاق في الرشوة والترهيب ؟

لنأتي الآن إلى القسم الثاني والأهم في الموضوع وهو تشويه الدوغما الإسلامية لنفسية وأخلاق معتنقيها، إذ لو كان الإسلام حيادياً تجاه الأخلاق فلا ضرر في ذلك على الإطلاق، فقليل من الفلفل والبهارات الأخروية لإخافة أو ترغيب العامة والجهلة الذي لا فكر لهم ولا أخلاق أصلاً إن لم تنفع فلن تضر، بالرغم أن القوانين والعقوبات البشرية أكثر من كافية لضبط المجتمعات وعندنا التاريخ بطوله وعرضه لنقارن بين الدول المتدينة وقليلة التدين لنرى إذا كان الدين يلعب أي دور في ضبطها.

خصصت القسم الأول من المقال لبيان لماذا يفعل المسلم المتدين الخير، وهو ذو أهمية قليلة نسبياً، فبغض النظر عن السبب في فعل الخير وتجنب الشر، سواء كان أخلاق فعلية أو تجارة مع الإله، فالمطلوب حاصل والمجتمع في خير وكل الناس سعداء ....

ولكن الكارثة تأتي عندما يسأل المرء: كيف أعرف الخير والشر ؟ كيف أقرر أن هذا الأمر أخلاقي وذاك غير أخلاقي ؟

المرجع بالنسبة لي هو عقلي أولاً وعقل الناس ثانياً، فما يريده الناس والمجتمع ويروه مناسباً لهم هو الخير هكذا وبكل بساطة. فالخير والأخلاق ليست مفاهيم مجردة معلقة بين المجرات في الكون بل هي لصيقة بالبشر وبيئتهم وكرتهم الأرضية التي يعيشون عليها ولا معنى لها بدونهم. الخير والأخلاق هو ما ينفع الحياة والناس والشر هو ما يضرهما.

مع تطور المجتمعات والإنسانية المستمر تتغير مفاهيم الأخلاق وتتطور معها، فما كان مقبولاً ومتفقاً عليه قبل مائة عام قد يرفض كلية اليوم والعكس بالعكس.
هذا لا يعني أنه لا توجد أي أرضية أخلاقية ثابتة، بل على العكس تماماً، فالقتل والسرقة والكذب والخيانة والنفاق والغش مذمومة ومدانة في كل المجتمعات وعلى مر العصور بدون استثناء ولم يغير تبدل الزمن والمكان من ذلك شيئاً.
بالمقابل توجد متغيرات لا يوجد اتفاق كامل عليها مثل الحرية الفكرية والجنسية ونبذ العبودية والتمييز العنصري والجنسي والعمري والديني إلخ...

أكاد أسمع تململ الإسلاميين هنا وهم يقولون: وهل يقول فكرنا غير ذلك ؟؟

لكن هنا يأتي الخلاف المنهجي الكارثي للفكر الإسلامي، فبكل بساطة يقوم هذا الفكر على أن عقل الإنسان – كل الإنسان بلا استثناء – قاصر ولا يمكن له التمييز بين ما ينفعه ويضره، ويجب بالتالي أن يتبع توجيهات الإله الذي خلقه وبالتالي هو أعلم منه بما ينفعه وما يضره،

وحتى لو اجتمعت أراء الناس على عدم رغبتها في اتباع هذه التوجيهات فلا يهم ذلك قيد أنملة فالإله سيجعلهم أخلاقيين غصباً عنهم بكل بساطة.

وهكذا نجد أن "الأخلاق" الدينية قد انفصلت عن الناس وأصبح لها قيمة خاصة بها بحد ذاتها وأصبحت تسبح في فضاء خاص بها وأصبح الناس في خدمة الأخلاق عوضاً عن الوضع الطبيعي الذي هو أن الأخلاق وجدت لخدمة الناس.

وبالتالي يصبح المنهج الفكري مقلوباً تماماً، فعوضاً عن أفكر وأجرب وأستنتج أن تصرفاً ما مفيد أو مضر للناس وأقرر بناء عليه أنه أخلاقي أو غير أخلاقي، أنتظر رأي الإله (أو بالأحرى وكلائه الأرضيين) في هذا التصرف ثم بعد ذلك أقوم بالبحث عن مبررات منطقية للتصنيف الآتي من السماء.

وفي هذا المنهج يوضع العقل على الرف فوراً، فلا قيمة على الإطلاق لأي برهان عملي عن صحة أو عدم صحة الضرر أو النفع المزعوم حتى عندما يتم البرهان على عكس النتيجة المفترضة.

قبل مناقشة الأمثلة الأخلاقية سأقرب الفكرة بمثال لحم الخنزير، لماذا هو محرم ؟ بكل بساطة لأن الله قال ذلك نقطة انتهى. لكن "العلماء" الإسلاميين الدجالين سطروا مجلدات في أضراره المفترضة التي أثبتتها "الأبحاث العلمية" التي أجراها نظراء العالم الزغلولي أستروخ في الهند والصين. ويقومون بلا كلل بتصيد أي مقال في أي مجلة علمية يربط أي مرض بلحم الخنزير وكأن الأبقار والأغنام والطيور لا تنقل أمراضاً، وأنا أجزم لو أن جنون البقر وأنفلونزا الطيور جاء مثلها مع الخنزير لكان مشعوذي الإعجاز قد ملأوا الدنيا ضجيجاً عن حكمة التحريم.
وحتى بالنسبة لمن يعرف منهم أنه لا يوجد ما يميز لحم الخنزير عن غيره من الناحية الصحية يقول لك: عدم اكتشاف الضرر لا ينفي وجوده، لعله يكتشف لاحقاً !!!!

لكن أكل لحم الخنزير لا يقدم ولا يؤخر من ناحية الأخلاق، المأساة تتبدى عند تطبيق منهج التفكير هذا على الأخلاق والخير والشر.

تطبيق هذا المنهج بشكل أعمى واحتقار العقل تماماً وعدم تقبل مناقشة صلاحية أي تعاليم وتوصيات في القرآن والسنة للعصر وقيمه ومحاولة فرض وتثبيت قيم بدو الجزيرة العربية قيل 1400 عام على العالم بأسره اليوم أدى للأسف لجعل الإسلام والمسلمين خصوصاً هدفاً سهلاً يسهل الطعن فيه من الناحية الأخلاقية حتى من متبعي العقائد الأخرى التي لا تقل خرافية عن الإسلام نفسه.

وسأسرد فيما يلي بعض الأمثلة بغير ترتيب معين ليس لهدف مناقشتها، فهي قد قتلت بحثاً ولم يبق فيها ما يقال عملياً. ولكني أهدف من تجميعها معاً تبيان الهاوية الأخلاقية التي يقبع بها الفكر الإسلامي الذي نصب نفسه حاملاً للواء القيم والمثل العليا.
1 – الشماتة بضحايا الكوارث الطبيعية، حيث يذكر الجميع فيما أعتقد المخازي التي قالها العديد من المشايخ عن استحقاق الضحايا للعقوبة الإلهية بحقهم.
2 – معاملة الولد الناتج عن علاقة غير شرعية (أو ابن الزنا بالتعبير الإسلامي) والتمييز ضده برغم اعتراف الإسلاميين أنفسهم بأنه لا ذنب له في خطأ والديه!!
3 – الدفاع المستميت عن سخافة الطلاق الذي يقع بلفظه ضد أي منطق وعقل.
4 – بث الكراهية الصريحة بين الناس بعقيدة الولاء والبراء.
5 – الدفاع عن الرق واعتباره شرعياً ولو على مبدأ المعاملة بالمثل. بل وحتى تكفير العبد الهارب.
6 – الدفاع المستميت عن حد الردة الهمجي.
7 – الإصرار على العقوبات الجسدية سواء منها التي تهدف إلى الإيذاء أو تلك التي تهدف إلى الإذلال.
8 – موضوع معاملة المرأة وحقوقها وهو موضوع ذو شجون يحتاج مجلدات للتوسع به.
9 – تبرير جميع تصرفات محمد وصحابته أخلاقياً مهما كانت منافية لكل قيم وأخلاق واعتبارها مثل عليا.
10 – تبرير الغزو والعدوان غير المبرر الذي تم باسم الإسلام على شعوب العالم في ما يطلق عليه اسم "الفتوحات الإسلامية".

هذا ناهيك عن الكثير من الأمور الأخرى التي لا أريد الإطالة والإملال بذكرها حيث هي معروفة لكل مهتم.

عندما أقرأ الردود الإسلامية على هذه "الشبهات" وما فيها من تبرير ذرائعي تارة وتلفيق صريح تارة أخرى وتحميل النص ما لا يحتمل أو أحياناً تمجيد التصرف واعتبار أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، أشعر بمدى التشويه والخراب النفسي الذي يلحق بمقدسي النصوص ومقدمي النقل على العقل، ولا يسعني إلا أن أذكر القول الشهير لعالم الفيزياء ستيفن واينبرغ:
Good people will do good things, and bad people will do bad things. But for good people to do bad things -- that takes religion.
"الأشخاص الجيدون يقومون بأعمال جيدة، والأشخاص السيئون يقومون بأعمال سيئة، ولكن يجب وجود الدين كي يقوم الأشخاص الجيدون بأعمال سيئة."

إذا أردت أن ألخص المقال يمكنني جمع أفكاره كالتالي:
1 – المنظومة الأخلاقية موجودة بحد ذاتها بشكل مستقل عن أي دين، والناس تعرف بكل بساطة ما هو الجيد والسيء وما ينفعها وما يضرها.
2 - الإسلام يفرغ الأخلاق من مضمونها ويحولها إلى تجارة بربطها بنظام العقوبات والمكافئات.
3 – الإسلام يلغي دور العقل في المنظومة الأخلاقية وبالتالي يحول الأخلاق إلى مجرد اتباع أعمى تعاليم معينة لأن الإسلام أتى بها وليس لاقتناعه بفائدتها.
4 – الإسلام يثبت المنظومة الأخلاقية البشرية عند نقطة زمنية مكانية محددة هي الجزيرة العربية قبل 1400 سنة ويرى أنها الكمال المطلق واضعاً نفسه وبحق كأكبر عقبة تقف في طريق تطور وتقدم المعتقدين به.



قراءة بقية المقال

١٠‏/١٠‏/٢٠٠٦

نقاط قوة الفكر الديني


كيف استطاع الفكر الديني الصمود عبر آلاف السنين، ليس الصمود فقط، بل الازدهار والانتشار بين الناس بالرغم من كثرة المفكرين المتنورين الذين حاولوا التصدي له ؟
كيف أثبت قدرته على البقاء في وجه تطور العلم ؟
كيف عاد ليطل برأسه من جديد في كل مكان غاب فيه لفترة ؟

سأحاول في هذا المقال تسليط الضوء على العوامل التي جعلت الفكر الديني من أكثر الأنماط الفكرية قوة واستعصاء على المحاربة، وقبل أن أبدأ لا بد من الإشارة إلى أنه في الكثير من الأحيان تكون قوة فكرة معينة واستعصاءها على الإزالة من ذهن الناس لا علاقة لها بصحة هذه الفكرة من عدمها، بل لها علاقة بملائمة هذه الفكرة لحاملها، أي الإنسان ودماغ هذا الإنسان تحديدا والطريقة التي يعمل بها.

فعلى سبيل المثال تحب الغالبية الساحقة من الأمهات أولادها وستظل تحبهم وتلتمس لهم الأعذار مهما فعلوا حتى ولو كانوا من عتاة المجرمين والقتلة، وسترفض الأم الدلائل على إدانة ولدها حتى لو كانت في وضوح الشمس، وتتعلق بحبال الهواء لتصدق براءته، وحتى إذا صدقت إدانته ستلتمس من الناس تخفيف عقوبته، وترمي اللوم على ظروفه ومجتمعه إلخ...
وهذا طبيعي ومعروف بل وحتى مقبول، ليس لأنه صحيح منطقيا وعقليا، بل لأن دماغ الإنسان تم تشكيله عبر مئات ملايين السنين من التطور كي يحمي صغاره ويعطيهم أكبر فرصة في التكاثر وحفظ النوع والجينات، أما المنطق والعقل فقد أتى في مرحلة لاحقة كثيرا على ذلك ولم يبدأ في لعب دور يذكر في تكوين العقل البشري إلا منذ فترة لا تتعدى آلاف السنين ولا تشكل نسبة تذكر بالمقارنة.

وإذا تركنا المستوى الفردي إلى المستوى الجمعي في مثال آخر، فالشعوب الغازية تلتمس الأعذار لنفسها دوما في عدوانها، ولا تعتقد أنها مخطئة في قتل وطرد شعوب أخرى وسرقة خيراتها، وتكون المبررات تارة دينية، وتارة أخرى لمحاربة الشيوعية وثالثة لنشر التقدمية والاشتراكية ورابعة لفرض الديمقراطية وخامسة قومية وهكذا.
بإمكانك مناقشة الإسرائيلي العادي قدر ما تشاء بالحجة والمنطق في أنه شرد شعبا وسرق أرضه، هل ستقنعه ؟
بإمكانك مناقشة العروبي العادي قدر ما تشاء بحق الأكراد في تقرير مصيرهم، هل تتوقع نتيجة إيجابية ؟
وهذا طبيعي ومعروف ومقبول أيضا لأن الإنسان في النهاية مبرمج كي يدافع عن مجاله الحيوي Territory مثل أي أسد أو نمر شاب يطرد سابقه العجوز كي يستولي على حيز الصيد الخاص به بدون أن يلقي بالا إلى الأخلاق والحق التي لا تلعب أي دور في صراع البقاء.
ما تغير فقط هو أن هذا الإنسان يريد تبرير عدوانه وإقناع نفسه قبل الآخرين أنه على حق بعد دخول مفاهيم الحق والعدل – المحدثة كثيرا – على الساحة.

وفي هذا السياق يبدو الفكر الديني من أكثر الأنماط الفكرية قوة ومنعة، ولعله ليس من قبيل المصادفة تواجده بشكل أو بآخر في الغالبية الساحقة من المجتمعات البشرية حتى المعزولة منها، وسأبين في هذا المقال ما يجعله بهذه القوة.

1 – الخوف:
الإنسان ضعيف، يمرض ويموت، تصيبه الكوارث الطبيعية والجائحات، تحرقه الشمس ويلذعه البرد. وقد بدأ الدين بعبادة قوى الطبيعة لاتقاء شرها وتخفيف أذاها، وبرزت الحاجة له للاحتماء بقوى تخيلية ترد عنه الطبيعة في غياب قوى حقيقة تستطيع ذلك.
ولعل الخوف من الموت هو العامل الأقوى في الفكر الديني، فمنذ بدأ دماغ الإنسان يعي وجوده، أدرك أن الموت هو النهاية الحتمية، ولم يستطع بشكل من الأشكال تقبل هذه الفكرة على بساطتها، ولجأ أولا إلى الآلهة لإطالة حياته قدر الإمكان بكف أذاها عنه وإعطاءه ما يأكله وبشربه، ولكن لطول الحياة حدود مهما امتد، وبالتالي اضطر نظرا لغروره ورفضه فكرة الموت، أن يلجأ إلى هذه الآلهة مرة أخرى ويجعلها تحييه إلى الأبد هذه المرة لكن ليس هنا، بل في مكان لا يوجد فيه معاناة ولا ألم ولا تعب ومشكلته الوحيدة أنه موجود فقط في ذهن الناس وليس في الحقيقة.
قارن هذا بكلام الإلحاد البارد عن أن الطبيعة لا تحفل بنا ولا تهتم بسعادتنا أو تعاستنا وأن الموت هو النهاية المطلقة للكائن الحي، ماذا تفضل ؟
وبرغم آلاف السنين من التطور العلمي والعقلي، لا يزال الإنسان ضعيف ولا يزال يمرض ويموت، وهذا لن يتغير، وهنا أيضا يحارب العلم والمنطق موروثا جينيا في حب الحياة عمره مئات الملايين من السنين وأثبت فعاليته، ولذلك لا أتوقع أنه سيأتي يوم تزول فيه الأديان والتفكير الغيبي مهما امتد الزمان وإن تطورت وتغيرت مع رقي وثقافة متبعيها.

2 – ظلم الحياة: لن آت بجديد ولن أتوقع آهات الإعجاب على قوة ملاحظتي إذا قلت أن الحياة لم ولن تكون عادلة، فنحن لا نختار مكان وزمان ولادتنا ولا جنسنا ولا جمالنا ولا صحتنا ولا مقدار ذكائنا، ولا ثروة والدينا إلخ ..

وعندما ننظر إلى صور الأطفال الأفريقيين المساكين الذين يتضورون جوعا والذين عبست الدنيا في وجههم وسدت الآفاق عليهم، أو الأطفال العراقيين المنكوبين بأهلهم من جراء العنف المجنون أو الفتيات الصغار اللواتي يبعن للدعارة في الشرق الأقصى، وننظر في المقابل للأطفال الأثرياء المتوردي الوجوه الضاحكين الذين يعتبرون أن الملاعب الفسيحة الخضراء والألعاب والتعليم الجيد والعناية الصحية والأهل المحبين والخدم والسيارات كلها أمر طبيعي وحق مكتسب بالولادة لا جدال فيه.

عندما نرى الأثرياء يرفلون في النعيم والفقراء يكدحون من مطلع الشمس إلى آخر الليل كي يحصلوا على لقمة الكفاف المغمسة بالدم.
وعندما نرى القتلة والظلمة واللصوص يتمتعون بنتائج إجرامهم وضحاياهم المعذبة تتطلع إليهم بعجز وانكسار.

عندما نكون في الطرف الضعيف أو المستضعف ونرى كل ذلك، ألا نريد أن نسمع أنه يوجد من سينصفنا ؟ ألا نريد أن نصدق أنه في النهاية سنحصل على حقنا وزيادة ؟
هل نريد أن نسمع أو نصدق من يقول لنا أننا سنموت وأن ظالمنا سيموت وأن هذا سيكون نهاية كلينا وأن حقنا سيموت معنا ولن يتحقق العدل أبدا ؟
هل توجد حقيقة ضرورة لأن يثبت من يخدرنا بكلامه عن العدل المفترض طروحاته ؟ ألا يسمعنا ما نريد أن نسمعه ؟ ما قيمة البراهين أمام الراحة النفسية ؟

لا أدري كم مرة سمعت في مناقشاتي مع الدينيين صيغا مختلفة من عبارة:
"هل من المعقول ألا تتم معاقبة الظالم ومكافئة المحسن ؟"

وكان جوابي - غير المقنع بالنسبة لهم غالبا - دوما هو: هل إذا نظرت إلى طير في السماء وحسدته على قدرته على الطيران، هل يصبح من الواجب أن ينبت لي جناحين كي أفعل مثله ؟ ويصبح من غير المعقول عدم حدوث ذلك ؟؟
من أين أتيتم أن الحياة يجب أن تكون عادلة ؟
لماذا على الكون أن يراعي مشاعرنا ؟
هل يوجد برهان على ذلك سوى تخيلات الإنسان وما يطلق عليه Wishful Thinking ؟

انظروا في صراع الحياة بين مختلف الكائنات الحية، هل ترون أثرا لشيء اسمه عدل أو حق ؟
عندما تلعب القطة بفريستها المسكينة وتعذبها لفترة طويلة قبل قتلها، هل يوجد إله سينتقم من القطة لقسوتها ؟
هل سينتقم الإله من الأسد حين يقتل الأشبال المولودين من غيره عندما يصبح الذكر المسيطر ؟

وبإمكاني أن آتي بعشرات الأمثلة عن قسوة الحياة وعبثيتها لولا خوف الإطالة والإملال. لماذا البشر استثناء من كل الكائنات الحية يجب أن يكون لهم عدالة ؟ هل لأنهم واعين وعقلهم متطور أكثر من بقية الحيوانات ؟ أين يوجد إثبات العلاقة السببية بين الوعي والعدالة ؟؟

الجواب المنطقي على التساؤل الديني هو: طبعا معقول، لن تتم معاقبة الظالم إلا على الأرض وفي حياته ولن تتم مكافأة المحسن إلا على الأرض وفي حياته، والموت هو نهاية كليهما، نقطة انتهى. وما عدا ذلك ما هو إلا تمنيات وأوهام وأحلام نريد أن نقنع بها أنفسنا للعزاء لا أكثر ولا أقل. كلام جاف ومزعج ومؤلم، ولكن للأسف لا يوجد في العلم والمنطق أثر لكلمات مثل الراحة والسعادة والعزاء، بل الحجة والدليل والبرهان فقط.

يمكنني أن ألخص النقطتين السابقتين باختصار: الدين يسمعنا ما نريد سماعه، وعندما نسمع ما نريد سماعه لا ندقق كثيرا على البراهين والحجج، بل ونتجاهل حتى الحجج المعاكسة أيضا إذا لزم الأمر. ويلعب على هذه النقطة بالذات حواة وسحرة الإعجاز العلمي بنجاح منقطع النظير.

وكما لا أتوقع أن يزول الموت في يوم من الأيام، كذلك الأمر بالنسبة للظلم، ومعهما بالطبع الفكر الديني.

3 - الأجوبة الشاملة والسهلة: الإنسان حيوان فضولي يحب أن يعرف كل شيء، ومنذ وعى نفسه بدأ يطرح الأسئلة حول ماهية الوجود ومن هو وكيف أتى ولماذا يموت إلخ ..
وهذه الأسئلة وجيهة أولا وغير سهلة على الإطلاق ثانيا، وبكل تأكيد كانت تتجاوز فكر وقدرة استيعاب الإنسان البدائي الذي بدأ بطرحها، وفي غياب أي علم يستطيع تقديم أي إجابة ملأ الدين الفراغ فورا نظرا لأنه يقدم إجابات عوضا عن اللا أدري الإلحادية الوحيدة الممكنة في ذاك الزمن.

لا أدري كم مرة سمعت الأسئلة التالية وأمثالها (وأشهرها بلا منازع أولها):
- من خلقك ؟
- كيف خلق الكون ؟
- من أين أتيت وأين ستذهب بعد الموت ؟
- ما هي الغاية من حياتك ؟

وبصرف النظر أن كل هذه الأسئلة مغالطات منطقية في المقام الأول ولا يمكن الرد عليها أصلا، حيث أن الصيغ الصحيحة لها هي:
- ما تفسير وجود الإنسان ؟
- ما تفسير وجود الكون ؟
- هل توجد كينونة لوعي للإنسان سابقة لولادته وتستمر بعد موته ومستقلة عن جسده المادي ؟
- هل توجد غاية من حياة الإنسان ؟

بصرف النظر عن ذلك، نجد أن رجال الدين ليس فقط يطرحون هذه الأسئلة التي قد تبدو وجيهة للإنسان العامي، بل لديهم الإجابات أيضا !!
وليس أي إجابات، بل إجابات سهلة وبسيطة أيضا يمكن أن يفهمها أي شخص بغض النظر عن ثقافته وعلمه واطلاعه !!

كلمة واحدة سحرية من أربعة أحرف (بالعربية، فكل مجموعة كهنة لها إلهها الخاص) تحل كل الإشكالات وتزيل كل لبس وغموض: الله !!

قارن سهولة ذلك مع الأوتار الفائقة واللاتناظر والفقاعات الكونية والطفرات والضغوط التطورية وشيفرة الدي إن إيه وما إلى ذلك من كلام مبهم وغامض لا تفقه الغالبية الساحقة من الناس منه شيئا !!

صحيح أنه توجد نقطة ضعف صغيرة للغاية في الكلمة السحرية وهي أن الكاهن أعفى نفسه من تفسير وجود هذا الله نفسه وهكذا فسر الماء بعد الجهد بالماء، بل أتعس بكثير إذ فسر الوجود المعقد بفرضية أعقد من الوجود نفسه بكثير وليس لها تفسير بدورها.

لكن هذه النقطة البسيطة يمكن الالتفاف حولها بسهولة بالخطابة التقريرية الصارمة عن استحالة التسلسل منطقيا ووجوب الاستعاذه بالله نفسه عند السؤال عن تفسير وجوده !!
وبالنسبة للمتذاكين من هواة الفلسفة والجدل الذين لا يقتنعون بسهولة، تم تدبير الأمر بالكلام المبهم (والفارغ) عن الواجب والممكن والمستحيل ووجوب الله ووجوب صفاته واستحالة وجود غيره إلخ ...

وبرغم من أن هذا الكلام لا يمكن أن يقنع شخصا واعيا فهذا ليس مشكلة على الإطلاق، إذا أن الخطاب الديني ليس موجها لهذا الشخص أصلا ولا يتوقع اقتناعه في أي حال، لكن الهدف منه هو الدخول مع اللاديني العنيد في حوار فلسفي لا تفقه العامة فيه من حجج الطرفين شيئا وتعتمد على ثقتها بعلم الكاهن وقدسيته في تصديقه أكثر بكثير مما تعتمد على صدق براهينه المعقدة وقوة حجته.

وهكذا يبدو الاختيار للإنسان العامي بين شخص قديس ذو لحية طويلة وعمامة أو صليب كبير تنم جميعا عن سعة العلم والتبحر في الفهم، يعطيه إجابات سهلة ووافية و"منطقية" يمكن أن يفهمها،
وبين شخص آخر غالبا بلا لحية وبلا ادعاء قدسية يعطيه إما أجوبة مضحكة مثل أن الإنسان أصله قرد أو سمكة !! تصور !! شيء غريب فعلا عقل هؤلاء الملاحدة !!
أو يعطيه أجوبة مبهمة وغامضة لا تقنع عاقل عن اللاتناظر والأوتار الفائقة كي يميع الموضوع ..
أو ثالثة الأثافي والطامة الكبرى وقاصمة الظهر يجيب لا أعرف !! تصور جهل هذا المتعالم الذي يبني اعتقاده على الظنون !! تصور فقط !! الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا !!

فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن الكاهن يدعم كلامه بقليل (وأحيانا بكثير) من سياسة العصا والجزرة والوعد والوعيد بالإضافة إلى الحجة، وهذا يخلو منه حديث مدعي العلم المتذاكي البائس تماما حيث لا يعدك بشيء إن صدقته ولا يهددك بشيء إن لم تفعل، وفي هذه الحالة الأسلم طبعا هو اتباع الكاهن والمراهنة على المضمون، فإن صدق الكاهن فزنا وإن لم يصدق لم نخسر !!

إذا أخذنا ذلك كله بعين الاعتبار، بأمانة من ستصدق ؟
من صاحب الفكر الأقوى ؟
من يمكنه مقاومة بساطة وإعجاز البعر والبعير ؟

4 – الإرهاب:
ولا أقصد هنا بالطبع إرهاب القاعدة وأمثاله، بل طريقة التفكير التي تعتمد التخويف والإقصاء في الإقناع عوضا عن المنطق والحجة. وهنا سأخصص قليلا وأناقش بشكل رئيسي الأديان الابراهيمية الثلاثة التي يدين بها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية، وسأخصص أكثر بالإسلام تحديدا الذي لا يزال مع الأسف مستعصيا حتى الآن على المصالحة مع الحضارة وبقية النظم الفكرية.

أبدأ بشرح هذه النقطة من مبدأ أن الإنسان يخلق الإله على شاكلته، وتتغير حتى صفات الإله الواحد حسب المزاج العام لأتباعه.
فالبدوي في معيشته القاسية في الصحراء تحرقه الشمس ويقرصه البرد ويعضه الجوع، وحيث تكون الخيارات عادة أمامه هي "إما قاتل أو مقتول" وتمثل القبيلة والجماعة له الانتماء الكلي وفرصة الحياة الوحيدة، هذا البدوي يخلق إله على شاكلته، قاسيا، جلفا، عشائريا، غيورا، محدود الأفق ولا يتحمل العصيان.
والحضري المتنعم في الحياة، الميسور الحال، الذي يملك وقتا من الفراغ يستغله في الفنون والشعر والعلم وتقدير الجمال بعيدا عن الصراع اليومي لانتزاع لقمة العيش، يخلق إله مثله، يعيش ويدع غيره يعيش، متسامح، رحيم، لا يهمه فرض طاعته على الجميع ولا يضيق ذرعا بالاختلاف.

وكي لا نتكلم في المجردات، لنعقد مقارنة بين إله المسيحية الآن في بدايات القرن الحادي والعشرين حيث يتغنى المسيحيون على أنغام القيثارة وزقزقة العصافير بحب المسيح للبشر ومغفرته ورحمته وملكوته وفدائه إلخ، وبين نفس هذا الإله بالضبط قبل 900 سنة زمن الحروب الصليبية، الإله الذي كان لا يرتوي من الدم والذي لا يرضى إلا بإبادة أعداءه عن بكرة أبيهم نساء وأطفالا ورجالا، شيبا وشبانا وتدمير مدنهم وحرثها بالملح.

من هو إله المسيحية الحقيقي ؟ الجواب هو كلاهما، فهذا الإله ليس إلا فكرة في العقل الجمعي لأتباعه وبالتالي يتغير مع تغير هذا العقل الجمعي. وعندما تنعم المسيحيون الأمريكيون والأوروبيون بالحضارة والعلم وتحسنت أحوالهم المادية بدأت تخف غلواء إلههم خصوصا بعد تقليم أظافره من قبل المد العلماني، وبرأيي أن تسامح المسيحية الحالي لا يرجع إطلاقا إلى تعاليمها الرحيمة التي أعاد المؤمنون اكتشافها بعد أنهر الدم التي أسالها أجدادهم بل إلى ضعفها أولا وترقي معتنقيها ثانيا، لا أكثر ولا أقل.

يلعب الإرهاب والتخويف دورا أساسيا في الأديان الإبراهيمية، وإذا اعتبرنا للتبسيط أن اليهودية البدوية والمسيحية هما عمليا شيء واحد كونهما تتشاركان في العهد القديم، وأن الإسلام ليس إلا نسخة منقحة ومعدلة عن اليهودية الصحراوية القاسية، نستطيع أن نفهم أن الإله الإبراهيمي عمليا ليس إلا شيخ عشيرة بدوي، فهو:
– له أمة خاصة به (أمة بمعنى جماعة وليس بمعنى nation المحدث) وينظر إلى الدنيا من منظار: نحن وهم.
– لا يوجد بالنسبة له شيء اسمه اختلاف أو رأي آخر أو حرية على الإطلاق، وهذا طبيعي إذ أن كل هذه المفاهيم لم تكن حتى تدخل في نطاق التفكير في ذلك الزمن والبيئة.
– غيور لأقصى درجة ولا يحتمل أي مشاركة في الولاء.
– عصبي المزاج وقاسي القلب بشكل غريب وليس لانتقامه من أعداءه حد.
– كريم لأقصى درجات الكرم مع أتباعه وحلفاؤه (سواء في الدنيا أم في الآخرة).

ولعل الإرهاب والتخويف هو عامل الإيمان الأول في الإسلام تحديدا، فالقرآن ليس بالكتاب الكبير، وخصص قسم منه للقصص والروايات، وقسم آخر ليس كبيرا للتشريع ويكاد يكون الباقي كله تخويفا وتهديدا ووعيدا بأبشع الانتقامات وأشنع العقوبات التي تجعل أقسى الجلادين البشريين ملاكا رحيما مقارنة بها. ولا داعي لأن آتي بأمثلة لأن القرآن كله مثال كبير على ذلك.

والتخويف سلاح فعال للغاية في "الإقناع" كما يعرف الجميع، فمن الأسهل كثيرا أن تقول للشخص: لا تفعل كذا وإلا عاقبتك من أن تقول له لا تفعل كذا لأن ذلك يضر بالمجتمع ككل، بلا مجتمع بلا كلام فارغ..

لكن ليس هذا هو الإرهاب الذي أقصده كعامل قوة في الفكر الديني، على العكس تماما، فالإرهاب والتهديد هو سلاح ضعيف الحجة وليس العكس حتى في نظر العامة والبسطاء.

الإرهاب الذي أقصده كعامل قوة هو إرهاب من يتصورون أنهم وكلاء الإله على الأرض، سواء عن حسن نية أو سوء نية.

فحسني النية منهم يدفعهم ذعرهم من إغضاب إلههم المحدود الأفق والمعكر المزاج دوما والمتفرغ للاهتمام بالصغائر بدءا من الرجل التي يجب بها دخول الحمام إلى طول اللحية وليس انتهاء بأي رجل يجب أن توضع على الأخرى أثناء الاضجاع. وهو متربص دوما بعباده على أقل غلطة كي يخسف الأرض بهم.

يدفعهم هذا الذعر ليس إلى التدين الشخصي فحسب، بل إلى إخراس أي صوت يمكنه إزعاج إلههم حتى ولو لم يكن لهم علاقة به كي لا يصب حمم غضبه عليهم، وهو من له باع طويل في الانتقام بشكل عشوائي والعقوبات الجماعية التي تصيبب الصالح والطالح والبريء والمذنب بلا تمييز بدءا من نوح إلى عاد وثمود وليس انتهاء بالتسونامي، تماما مثل زعماء قبائلهم الأرضيين الذين خلقوا إلههم على شاكلتهم.

والحيوان المذعور والمحشور في الزاوية هو أخطر الحيوانات وأكثرها قدرة على الإيذاء، وهناك أمثلة لا تحصى في التاريخ عن هجوم رعاع المتدينين على من يتصورونهم سبب بلائهم من "الكفار" و"الفاسقين" و"المنحلين" و"العاهرات" بعد الكوارث الطبيعية والأوبئة والمجاعات، ومحاولتهم تملق وتهدئة غضب الإله بقتلهم والتمثيل بهم.

أما سيئي النية منهم الذين يستخدمون الدين كمطية للوصول إلى الثروة والجاه فأمرهم ليس أفضل بل أسوأ، إذ على الأغلب يزاودون على البقية في الغلو والتشدد لكي يظهروا عليهم ويثبتوا أنهم أكثر إخلاصا منهم.

هذه الناحية من قوة الفكر الديني لا تتعلق بالإقناع والتفضيل الشخصي العاطفي كالنقاط السابقة، بل بميله الطبيعي لحجب الفكر المعاكس وإخراسه تماما إما قتلا أو منعا أو نفيا وإسماع العامة وجهة نظر واحدة فقط مما ينفي الحاجة للدخول في نقاشات لا داعي لها أصلا وتقديم الحجج فيها. وفي غياب أي معارضة لا توجد صعوبة كبيرة في تمرير حتى أشد الأفكار سخفا وضحالة ما دام لا يوجد من يفندها.

وهكذا يتضافر الإرهاب الفكري للإله مع الإرهاب الإنساني لوكلائه الأرضيين لتثبيت وتقوية الفكر الديني أكثر وأكثر بين الناس.

5 – السلطة والنفوذ: تساورني دوما شكوك – لا أستطيع إثباتها طبعا – بأن عددا لا يستهان به من الكهنة ورجال الدين ملحدين حقيقة يستخدمون الدين كأداة رائعة للوصول إلى النفوذ والجاه، وترتفع نسبة الملحدين منهم كلما ارتفعنا في السلك الكهنوتي حتى تصل إلى الغالبية العظمى بين القيادات والنجوم منهم.

قد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى غريبا وشطحة كلامية وتجنيا عليهم، لكني سأسرد رؤيتي وتفسيري وأترك للقارىء أن يوافقني أو لا، ولكن أطلب منه إن لم يوافقني أن يقدم تفسيرا أفضل على الأقل.

للمفارقة، يشاركني في هذه الرؤيا كل المتدينين البسطاء عمليا، فهم يتصورون أن أي رجل دين من أي طائفة غير طائفتهم بالذات مهما كانت هم ملحدين متخفين يعرفون حقيقة كذب دينهم الخرافي ولكن هدفهم الوحيد هو حرف الناس عن دين الحق الواضح كالشمس لكل ذي عقل والذي هو بالمصادفة السعيدة هو دين هؤلاء البسطاء وطائفتهم تحديدا.

وبتنحية هذه النظرة الطفولية جانبا نجد أن الإيمان موجود فعلا بدون أي شك في كل الطوائف والأديان ولا يقل إيمان الإنسان البسيط المسلم عن نظيره المسيحي بأي حال من الأحوال، بل وأكثر من ذلك لا يقل إيمان الشماس الصغير المسيحي بالثالوث والفداء رسوخا عن إيمان طالب الشريعة الشاب المسلم بالجن والملائكة.

لكن يبدأ الأمر بالتغير بسرعة كلما صعد الكاهن في سلم الكهنوت، حيث يتعرف فعلا عل كتبه المقدسة عن كثب وليس عن طريق المرشحات التي تنقيها لأسماع العامة، وفي نفس الوقت يترك نقاء كتبه المقدسة على مقاعد الدراسة ليدخل في تحديات العالم الواقعي ويتعامل مع الحياة كما هي وليس كما يقرأ عنها.

هنا يصطدم بمشكلة كبيرة، فالمطلق المكتوب في النصوص المقدسة يتعارض مع الواقع على الأرض اجتماعيا وعلميا على مختلف الأصعدة، وهذا المطلق لا يمكن أن مخطئا لأنه سماوي ولكن في نفس الوقت الواقع يفرض نفسه بقوة فما العمل ؟

هنا أمام الكاهن ثلاثة طرق:

– أن يترك الكهنوت ويلحد. وهؤلاء أقل من القلة ومنهم عبد الله القصيمي وشهاب الدمشقي مثلا.

– أو أن يبقى مع الكهنوت ويكون صادقا مع نفسه وينكر الواقع والعقل لصالح النصوص المقدسة، وهذا طريق المخلصين منهم مثل عبد العزيز بن باز وأسامة بن لادن. وهؤلاء قلة لا تخشى تسمية الأشياء بمسمياتها ولا تتحرج عن الإعراب عما تعتقده فعلا.
ومنهم أيضا الشيخ مهدي الخالصي العراقي الشيعي الذي لا يتحرج من القول أن الرق والتسري نظام ممتاز ولا غبار عليه في معاملة أسرى الحرب ونسائهم وأطفالهم.

– أو أن يبدأ في التفكير المزدوج والكذب على نفسه لإقناعها أنه لا تعارض بين النصوص الدينية والواقع، وهؤلاء هم الغالبية الساحقة برأيي.

يبدأ بالكذب على نفسه أولا ولكن هذا لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، فالشيخ يعرف، على العكس من المؤمن البسيط دواخل وخوارج الدين وما تقوله الكتب الدينية بالضبط وليس ما يردده الكذابون والمدلسون على لسانها.

عندما يصل الكاهن إلى مرحلة معينة من التفكير المزدوج لا بد أن يعرف أنه يكذب عامدا متعمدا ولكن في هذه اللحظة أو قبلها يكون الوقت قد فات على التراجع وأصبح للكاهن أتباع ومريدين يقبلون يديه ويجلسون كالغنم تحت منبره كي يلتقطوا درر الحكمة التي تتناثر من فمه وينهلوا من غزير علمه.

وكي لا نبقى على مستوى التنظير، لنتناول بعض الأمثلة الحديثة نسبيا والإسلامية منها خصوصا كونها مألوفة بين القارئين:

- يا هل ترى هل يعتقد أي رجل دين من نجوم الفضائيات فعلا أن الإسلام يتفق فعلا مع حرية الفكر والتعبير ؟
- هل يصدق من قرأ تفاصيل تاريخ الرق والخصي والتسري المخزي في العالم الإسلامي - والذي لم ينته حتى اليوم بشكل كامل - أن الإسلام كان فعلا يحض على تحرير العبيد ؟
- يا هل ترى هل يعتقد الزنداني والنجار فعلا بالهراء الإعجازي الذي يلفقانه عندما يخترعان أستروخ وبالما وأبحاث العلماء الوهمية عن أجنحة الذباب ؟
- هل يعتقد أي شيخ مخلص لعقيدته فعلا أن الإسلام يحترم المرأة عندما يشنف آذان مستمعيه البسطاء ببعض النصوص الإيجابية ويهمل معاكساتها ؟
- هل يصدق عمرو خالد فعلا - كونه قرأ التاريخ الإسلامي – حين يصعد الزفرات ويذرف الدموع السخينة ويتهدج صوته تأثرا أمام أتباعه أن مجتمع الإسلام الأول كان مجتمعا مكونا من الملائكة الأطهار ؟

هذا كله بفرض أن نية الكاهن كانت صادقة في البداية وبدون ذكر وعاظ السلاطين المفضوحي الكذب الذين تكون مهمتهم تبرير أي تصرف أو موقف سياسي لأرباب نعمتهم مهما كان، فهؤلاء محتقرين عادة حتى بين تابعيهم. ولكنهم يشاركون أصحابهم السابقين في المصلحة بنشر الفكر الديني بين الناس.

كم من البشر يستطيع مقاومة شهوة الشهرة والنفوذ ؟ كم من البشر لا يرغب بنظرات الاحترام والتبجيل ممن حوله ؟

هذه النظرات يمكن أن يحصل عليها العالم الحقيقي طبعا، لكنها تحتاج لجهد ووقت وتفاني وذكاء بينما لا لزوم في حالة الكاهن إلا إلى فهم نفسية الناس وما تريد أن تسمعه وبعض التلاعب بالكلام وتطويل اللحية ولبس ثياب غريبة.

هل يتوقع من هؤلاء إلا أن يحاربوا وبكل قوة وبكل الأسلحة المتاحة لهم من يريد نشر الفكر العلمي ؟ هؤلاء وبرغم معرفتهم بكذبهم لا يقلون عداء للعلم على الإطلاق عن المخلصين من الفئة الأولى بل وربما يزيدونهم. ولهم كل مصلحة ورغبة في تعميق ونشر الفكر الغيبي بين الناس وإغراقهم أكثر وأكثر في الخرافات، إذ لا مكان لهم في مجتمع عقلاني على الإطلاق سوى للتسلية والترفيه في السيرك.

وهم أخطر من المؤمنين الحقيقيين من أمثال بن باز بكونهم يستهدفون عموم الناس بكلامهم بينما لا يلتف حول المؤمن الحقيقي إلا غلاة المتشددين، وهم أيضا مثل أي سياسي لا يتحرجون من الكذب والتلفيق والضرب تحت الحزام في سبيل مصالحهم وحفاظا على مراكزهم.

بعضهم يتبع طريقة التلفيق والكذب لنشر قيم التسامح والحرية والتنوير مثل الشحرور والنيهوم وجمال البنا وغيرهم، ولربما بدون مصلحة خاصة تذكر إذ يسبحون بعكس التيار أحيانا، ولكن المبدأ واحد والأسلوب واحد للأسف، وعندما يلعبون هذه اللعبة فهم يلعبونها على أرض الخصم (الكهنة التقليديين) وحسب شروطه ومعاييره وباعتماد طريقة تفكيره ذاتها التي تعتمد على قدسية النص، ولا أرى طريقة يمكن أن ينجحوا فيها للأسف ولربما كان ضررهم أكثر من نفعهم على المدى البعيد.

وعلى الطرف الآخر لا توجد قوة مكافئة من العلماء الحقيقيين والفلاسفة تحارب بالسيف وبأقذر الوسائل، فهم لا يملكون قوة سياسية عادة وليس لهم أتباع ومريدون يحاربون من أجلهم، ومنفصلون عادة عن العامة في أبراج عاجية.

توجد بعض نقاط القوة الأخرى الثانوية مثل اختراع الشيطان كشماعة نعلق عليها أخطاءنا وفكرة المغفرة التي تسكب العزاء في قلوب الناس وربما غيرها أيضا، ولكن برأيي ليس لها نفس أهمية النقاط السابقة.

ما أريد أن أقوله من هذا الاستعراض هو أن الحرب على الفكر الغيبي لم ولن تكون سهلة، حيث تتضافر عناصر القوة الخاصة به في نفوس العامة من الناس والتي تخاطب غرائزهم الأساسية المغروسة فيهم منذ أبعد الأزمان، تتضافر هذه العناصر مع مصلحة من يهمه التسلق والوصول السهل في تقويته وتغذيته لتشكل جبهة منيعة يصعب اختراقها ومنظومة مرنة إذا هزمت في معركة تستطيع لم جراحها والعودة بأقوى مما كانت بعد حين.

وباعتقادي أن المعركة بين العلم والدين هي معركة أبدية ستظل قائمة ما دام الإنسان يمشي على سطح الأرض، ومن المؤسف أن نكون نعيش في عصر ومكان الغلبة الحالية فيه للدين ولكن الدنيا دوارة ولننتظر ونرى.




قراءة بقية المقال

ردوا عليكم تسامحكم


ربما يبدو هذا المقال في زمننا هذا، زمن "العلماء" من أمثال الزنداني والقرضاوي والبوطي وبن باز، وزمن "الأبطال" من أمثال بن لادن والزرقاوي والصدر، ربما يبدو مع شديد الأسف غريبا بعض الشيء.

زمننا الرديء هذا، زمن المزاودة الذي يطلب فيه الكل من "العلماء" الرد على "الأبطال" الذين بالغوا قليلا في جهادهم الذي امتدت ناره لتحرق الأخضر واليابس بلا عقل ولا تمييز. يطلب منهم الرد عليهم وتبيان "سماحة الإسلام الحقيقي" و"بعده عن التعصب"، وتبيان "خطورة التكفير بلا دليل قطعي".

وقد استجاب "العلماء المعتدلون" من أمثال القرضاوي والعودة والعبيكان نفاقا وكذبا لأرباب نعمتهم من الحكومات وانبروا للرد على "التكفيريين" و"الضالين" ابتداء من المودودي وسيد قطب وانتهاء إلى أبو بصير الطرطوسي وأمثاله.

وامتلأت الفضائيات والجرائد ومواقع الإنترنت بكم هائل من الحوار العقيم والمطولات المملة التي يوردها كل طرف لبيان خطأ وضلال وانحراف الطرف الآخر مع السند الشرعي الصحيح من قرآن وسنة وإجماع وقياس.

في غمرة طوفان العبث هذا الذي يتبارى فيه كل من الطرفين في إثبات أنه هو الممثل الشرعي للإسلام الصحيح دفنت المشكلة الأساسية تحت ركام الآيات والأحاديث والأسناد والاجتهادات بحيث لم يعد يظهر للعين غير الناقدة أن الطرفين هما وجهان لعملة واحدة وأنهما ينطلقان من نفس الأسس ويتشاركان في نفس الأرضية ويتفقان على أمور أكثر بكثير مما يختلفان.

من قال أن "التسامح" هو المطلوب ؟ من قال أن "التكفير" خطأ ؟

هذان السؤالان هما ما يجعل المقال غريبا بعض الشيء، ففي غمرة الحماسة لإثبات تسامح الإسلام (حتى من قبل أناس يعتقدون فعلا وليس نفاقا بهذا التسامح) نسي الناس معنى كلمة التسامح أصلا، التسامح يتم مع شخص أخطأ بحيث نغض النظر عن خطأه ونتسامح معه وليس مع شريك في وطن أصلا !!

العلوي والمسيحي والاسماعيلي والدرزي والملحد هم مواطنون لا رعايا وشركاء في الأرض وأصحاب حق مثل المسلم تماما وليس أقل منه بشعرة واحدة. وهم لا يطلبون مساواتهم من سماحة نفس المسلم وكرم أخلاقه وعظمة شريعته، بل يطلبونها لأنها حق لهم لا شك فيه ولا ريب، حق لهم اكتسبوه بحكم وجودهم فقط رضي المسلم أم لم يرض، قالت شريعته بذلك أم لم تقل، كانت شريعته منفتحة أم لم تكن.

بإمكان المسلم أن يكفر الآخرين كما يشاء، هو وشأنه.
بإمكانه أن يكفرهم إذا ألحدوا علنا أو تركوا الإسلام أو حتى "اتبعوا الطاغوت" لمجرد مطالبتهم بقوانين عقوبات منفصلة عن الشريعة حتى ولو صلوا الخمس صلوات.
بإمكانه أن يستمطر عليهم لعنات الله والملائكة أجمعين ويدعو عليهم بتيتيم الولد وثكل الأمهات كما يشاء وبلا حساب طالما لم يؤثر هذا على حقوقهم الدستورية في وطنهم وأرضهم.

عندما أبحث مجرد بحث (كرجل دولة وليس دين) في تسامح الإسلام وأجند المشايخ لبيان ذلك فأنا أنطلق من خطأ فادح هو أن الإسلام متفوق على غيره ويمتلك الحق في إصدار الأحكام عليهم سواء كانت هذه الأحكام متسامحة أم لا.

عندما أبحث مجرد بحث (أيضا كرجل دولة وليس دين) في مخاطر الشطط في التكفير فأنا أقر ضمنا أن الكافر مجرم تجب معاقبته وليس مواطن حر صاحب رأي. وأكون بذلك قد وقفت مع التكفيري على نفس أرضيته وبين جمهوره ورقصت على أنغامه.

مكان "علماء" الدين ومناقشاتهم هو الجوامع حصرا، حيث بإمكانهم هناك الخطابة كما يشاؤون بين المؤمنين وتبادل الأسانيد والأحاديث بعيدا عن الدولة والحكم.

هذا لا ينفي طبعا وجوب معالجة مشكلة التطرف والتسامح عند المسلمين، لكن هذا بين المسلمين أنفسهم ولا علاقة للدولة به إلا في حدود منع التحريض والعنف والتعدي على الآخرين.

باختصار أنا لا أطلب كأقلية أو كعلماني تفهم المسلم وتسامحه وسعة أفقه وكرمه، بإمكانه رد منته على نفسه، بل أطلب من الدولة والقانون أن يقفا موقفا حازما منه وأن يضعاه عند حده مثله مثل أي مواطن آخر بحيث لا يحصل على امتياز على غيره لمجرد كونه مسلم.

لا يجب أن يحاول الدرزي والعلوي أن يثبتا للسني أنهما مسلمان صالحان مثله كي يحوزا على رضاه.
لا يجب أن يضطر المسيحي إلى حضور مؤتمرات تبويس اللحى والنفاق والتزلف للأغلبية والتغني بالتوافق التام بين الرسالتين.
لا يجب على الشيعي تجنب الخوض في سيرة الصحابة كي يرضى عنه الأغلبية السنية. (أو بالعكس في إيران، حيث الأغلبية شيعية).
لا يجب أن يضطر المفكر العلماني إلى انتقاء ألفاظه كي يدفع عنه سيف التكفير الغوغائي الجاهز كي يشرع في وجهه عند أول كلمة نقد.
كل ما سبق لا يؤدي إلا إلى زيادة عنجهية وغرور صاحب مذهب الأغلبية (السنة في أغلب الأحيان والشيعة في المناطق التي يكونون فيها الأغلبية) وتعزيز إحساسه المغلوط بالتفوق.

قد تبدو هذه الطلبات في زمننا هذا الذي تتبارى فيه الدول في التزلف للإسلاميين والمزاودة عليهم إرضاء للدهماء، قد تبدو غريبة بعض الشيء ومغرقة في التفاؤل والخيال، ولكني أعتقد اعتقادا راسخا أنه لن نرتقي الخطوة الأولى في سلم التطور والرقي ما لم تتحقق، طال الزمن أم قصر.

لقد أضاعت الحكومات العربية التي تسمى "علمانية" في الستينات والسبعينات فرصة ثمينة عندما لم تقف موقفا حاسما من الدين وتفرض علمانية الدولة التامة عندما كان التيار الديني أضعف بكثير وهي أقوى بكثير، واختارت مبدأ المداورة والمداهنة وتجنب مواجهة المشكلة. يضاف هذا بالطبع إلى فساد هذه الحكومات وقصر نظرها واهتمامها بمصالحها الآنية والأنانية.

المخرج الوحيد برأيي هو تبني الحكومات (فهي الجهة الوحيدة التي تملك القوة في مواجهة القوة الشعبية الحالية لرجال الدين) لمنهج إصلاحي أولا وعلماني حقيقي ثانيا لا مهادنة فيه ولا مكان للكلام المعسول تشجع فيه جميع الأقليات على الجهر بمطالبها بالمساواة التامة وتفرض هذه المساواة على الجميع.هذا التبني لمصلحتها أولا وأخيرا بالإضافة لمصلحة الوطن، فقد وصلت الأمور مع الإسلاميين المتطرفين إلى حد اللارجعة وما كان يصلح سابقا لم يعد يصلح الأن.

لقد جربت طريقة المسايرة وجبر الخواطر ووصلت بنا إلى هنا، فهل نكرر أخطاء الماضي نفسها ؟

هل أطلب المستحيل من حكومات فاسدة قمعية يهمها كرسيها أكثر من الوطن ؟ ربما
هل ينطبق علي مثل "يا طالب الدبس من قفا النمس" ؟ ربما أيضا
لكن ربما أيضا يوجد في هذه الحكومات من ينظر ابعد من أنفه ليرى المستقبل غير البعيد ويحاول أن يغير الدرب.



قراءة بقية المقال

سلسلة الإيمان الإسلامي


كنت جالسا قبل عدة سنوات مع مجموعة من أصدقائي المؤمنين، حيث من حسن الحظ أنه حتى الآن في سوريا (ولا أعرف إلى متى يمكن أن يستمر هذا) يمكن أن يجاهر المرء بأفكار غير تقليدية في بعض الدوائر الاجتماعية دون أن تثور ثائرة من حوله ويقاطعونه أو أن يحصل ما هو أسوأ من ذلك.

المهم أن الحديث تراوح جيئة وذهابا إلى أن وصل إلى حياة الصحابة والمدينة الفاضلة الوهمية التي عاشوا فيها والتي توجد فقط في الخيال الجماعي للغالبية الساحقة من المسلمين المؤمنين الذين لا يعرفون عن دينهم ما يتجاوز الشعائر وما درسوه في الكتب المدرسية وسمعوه في خطب الجمعة من الأحاديث والآيات المنتقاة بعناية لتبرز الجوانب المعقولة من الشريعة.

وبدأت أحدثهم أحاديث غريبة تماما عن أغلبهم، أحاديث عن تقاتل الصحابة فيما بينهم وبغضهم لبعض وتكالبهم غير المحدود على الدنيا وأظافرهم التي أنشبوها في بعضهم والدماء التي أسالوها أنهارا في حروبهم الداخلية. وكانت الإجابات كالعادة تترواح بين عدم تصديق كلامي وبين التشكيك في مصادري "المدسوسة" و"انتقائيتي" وإبرازي للسلبيات دون الإيجابيات و"الإسرائيليات" التي أقحمت لتحرف الناس عن العقيدة وبين التبرير المعهود للأكثر اطلاعا منهم بأننا لسنا مؤهلين ولا يحق لنا أن نحكم على تصرفات الصحابة بل يجب أن نترك ذلك لله ومن اجتهد وأخطأ فله أجر إلى آخره.

لم يكن أي من هذا جديدا علي وكانت المناقشة تسير إلى نهايتها العادية، لكن قبل ذلك حسم أحدهم النقاش في النهاية بجملة واحدة حيث قال لي، لن أناقشك بأي شيء من ذلك إلا إذا بدأنا من البداية، أي من الإيمان بالله، فحسب منطقه يجب الوصول لمناقشة تصرفات الصحابة عبر الإيمان بالله أولا ثم بالأنبياء والأديان ثانيا ثم الكتب وصحة النقل، وبعد إقرار كل هذا، وفقط بعد كل ذلك يمكننا الجلوس لمناقشة تصرفات الصحابة.

وهذا رأي وجيه، فما كنت أحاوله فقط هو فتح ثغرة في جدار التسليم الغيبي الذي لا يناقش ولا يتشكك والذي تشربه معظم الناس في الصغر. ولكن الموضوع أعقد من ذلك، فدفاعات المؤمن الغريزية ترجعه مباشرة عند أي نقد يمس ما يقدسه إلى أصل الأمر في رأيه وهو الإيمان بالله.
من يؤمن بالجنة والنار والجن والملائكة والإعجاز العلمي وغيره لا يمكن مناقشته بأخلاقية تصرفات بشر لأنه سيجد ألف عذر ومهرب لهم ولنفسه، وإنما يجب مناقشة الموضوع معه منذ البداية، فعمليا كنت أفعل كما يفعل أي مسيحي في نقاشه مع مسلم أو أي سني مع شيعي في إبراز نقائص جهة معينة من عقيدة محاوره دون مواجهة القلب والأساس.

وأنا أستعمل هذه الطريقة في كثير من الأحيان حينما أرغب في مناقشة شخص لا أريد أن أصدمه منذ البداية بأني ملحد وبالتالي أغلق أي إمكانية للتواصل معه، فهو سيصل لحقيقة تفكيري أثناء النقاش ولكن بعد فترة وبالتدريج. لكن صاحبي بتر الموضوع وقفز للأصل مباشرة، لا بأس، لعل هذه الطريقة أفضل.

سأعتبر هذه المقالة ردا على صديقي الذي للأسف لا أستطيع أن أعطيه رابطه كي لا تثبت على "الردة المغلظة" بمحاولة نشر أفكاري الإلحادية وأقتل دون محاولة استتابتي عند التمكن مني، فأنا على استعداد تام للتوبة عند طلب ذلك مني بلطف وإقامة الحجة علي من قبل المشايخ في الأيام الثلاثة المتاحة قبل قطع رأسي حسب تعليمات الشريعة السمحة.
وأقولها منذ البداية أني لن أقلد مصطفى محمود وآخرين مثله في اختراع حوار وهمي أنتصر به على صاحبي المسكين الذي لا يستطيع أن يحير جوابا أمام حججي المفحمة وبراهيني الدامغة، فأنا لم أناقش الموضوع معه وما سأكتبه هو ما كنت أود أن أقوله له، وهو لم يسمعه ناهيك أن يرد عليه.

حسب صديقي يجب أن نناقش الأمور بالترتيب المتسلسل التالي:
1 - وجود الله
2 – وحدانية وصفات الله
3 - وجود الرسل
4 - حقيقة كون محمد رسول فعلا
5 – حقيقة كون ما وصلنا عن محمد صحيحا (قرآن وسنة)

ويجب أن أقتنع بكل عناصر السلسلة وليس أغلبها وبالترتيب كي أناقش أي شيء آخر معه. وهذا الكلام سليم تماما من وجهة نظر المنطق، فأي انقطاع في هذه السلسلة يلغيها بالكامل.
المشكلة أني لست مقتنعا بكل عناصر هذه السلسلة وليس ببعضها فقط، وما سأفعله هو مناقشة كل حلقة منها بالترتيب وسأفترض في آخر كل مناقشة أني اقتنعت بالرأي الإسلامي في الموضوع وأناقش النقطة التي تليها بناء على ذلك لنرى إذا كانت تصمد بذاتها.

المواضيع المطروحة ضخمة بالطبع ولا يمكن الإحاطة بجميع جوانبها في مقال واحد، والمقال هو فقط خواطر ومناقشة عقلية لبعض جوانب السلسلة.

حلقة الإيمان الأولى: وجود الله:
يحب المسلمون المسيسون الشعارات الرنانة التي تسهل كتابتها على اللوحات القماشية الكبيرة في المهرجانات الخطابية والمؤتمرات، ومثلهم مثل كل معتنقي العقائد الشمولية الأخرى الدينية منها والعلمانية، يفرغونها من معناها تماما ويتصرفون بعكسها بالضبط:

"الإسلام دين يسر" : يترجم إلى أن الله يهمه ويتدخل في طول اللحية والرجل التي أدخل بها إلى الحمام واليد التي آكل بها واتجاه المؤخرة أثناء التغوط.
"الإسلام دين رحمة" : يترجم إلى تشريع الرق والسبي والغزو والجلد والرجم وتقطيع الأيدي والأرجل وسمل العيون.
"اطلبوا العلم ولو في الصين" : بشرط ألا يصل هذا العلم أي أي شيء لا يعجب المشايخ.
"الإسلام يحث على استعمال العقل" : من تمنطق تزندق.
"أمرهم شورى بينهم" : الحاكمية لله.
"الإسلام كرم المرأة" : بدون تعليق.
"لا إكراه في الدين" : أيضا بدون تعليق.
وغيرها الكثير،

ومن هذه الشعارات التي يرددها المشايخ "نصف العلم لا أدري"، وهذه اللاأدري بالضبط هي التي لا يقبلوها منا نحن الملحدين، فنحن مطالبون:

1 – بتفسير لماذا وكيف خلق الكون.
2 – بشرح ماذا كان قبل الخلق (بفرض صحة السؤال).
3 – بتفسير لماذا خلق البشر وكيف وجدوا.
4 – بييان ماذا سيحصل لنا بعد الموت.
5 – ببيان كيفية معاقبة المسيئين في حال موتهم بلا عقاب.
6 – ببيان ماهية "الروح".
وغيرها وغيرها.

فإذا أجبنا على أي من هذه الأسئلة بلا أدري يهزون رؤوسهم مشفقين علينا ويقولون: انظروا إلى الملحدين، يبنون كل حياتهم على أمور ظنية !!! يقولون بالصدفة !!! تصور !!!
بينما هم عندهم الجواب الشافي لكل هذا وهو الله.

بكلمة سحرية واحدة حلت كل المشاكل ووضحت كل الإجابات لكل عاقل، بشرط بسيط هو عدم نقل السؤال إلى المستوى الأعلى وإعادة نفس الأسئلة بشكل لماذا وكيف خلق الله وماذا كان يوجد قبله.
- طبعا ردهم جاهز وهو "التسلسل المستحيل عقلا"، لماذا هو مستحيل عقلا ؟ لأنهم قالوا ذلك !!
- جيد، سلمنا بذلك جدلا، لماذا إذن لا أوقف التسلسل عند الكون بدلا من الله وأبسط المسألة دون أن أعقدها أكثر ؟
- لأن الكون مخلوق ولا بد له من خالق.
- لماذا الكون مخلوق لماذا لا أقول أنه موجود ؟ لأنهم قالوا ذلك.

ويأتي هنا المحدثون منهم ليتقمص دور العلماء الفعليين (لا الفقهاء) ويدخل الانفجار العظيم في إحداث الكون وكيف أن هذا يبرهن أن الكون له عمر محدد، بل وربما يدخل في كلامه بعض التعابير العلمية مثل "إشعاع الخلفية" و "التفرد" ولا بأس ببعض المعادلات الرياضية والأرقام وأسماء العلماء أيضا في بعض الحالات لإبهار البسطاء وإظهار تبحر الشيخ وسعة علمه الغزير.

مع أن كل هذا لا يغير شيئا من النقاش لأنه سينتقل به فقط إلى وجود التفرد الذي أدى للانفجار العظيم والذي بدوره لا تفسير له.

أجمل تشبيه للمنطق الديني في تفسير الوجود سمعته من أحد الأصدقاء:
- اسمع يا فلان، جارنا يستطيع القفز من الطابق العاشر إلى الأرض دون أن يصاب بأي أذى.
- معقول ؟ فسر لي كيف يستطيع ذلك.
- لأن أبوه كان يستطيع القفز 20 طابقا دون أن يصاب بأذى !!
- آه، الآن وضح الأمر تماما !!!

باختصار ما أراه هو الآتي:
لا يمكن للعلم أن يجيب عن سؤال "لماذا" إذا كان القصد منه هو الغاية من الشيء، هذا حقل الفقهاء والكهنة ولا علاقة له بالعلم من قريب أو بعيد، وكونه لا علاقة له بالعلم هو بالذات سبب وجود آلاف الأديان والطوائف والملل التي يعتقد بسطاء المؤمنين فيها أنهم أنهم يقبضون على مفاتيح الحقيقة الأبدية ويهزون رؤوسهم بإشفاق على الضالين من أتباع الأديان المزيفة الأخرى.

وبالتالي أقصى ما لدي لأقدمه للمؤمنين جوابا على أسئلة الوجود الكبرى مثل من خلقنا ولماذا خلقنا هو نقطتين:

1 – سؤالكم بحد ذاته هو مغالطة منطقية وهو افتراض أنه توجد غاية أو خالق دون محاولة إثبات ذلك. هذه الغاية التي يراها المؤمنون واضحة كل الوضوح نتيجة "التفكر" (الذي اكتشفت من مناقشاتي مع المؤمنين أنه يختلف عن التفكير)، هذه الغاية لا أراها على الإطلاق وتحتاج بنظري لإثبات بحد ذاتها وسوف يسعدني أن أقرأ إثبات منطقي وعلمي عليها غير "التفكر" الذي استنتجت أنه نوع من الخشوع أمام عظمة الكون والخالق الافتراضي.
أما الخالق فأنتم تفترضون ما تحاولون إثباته، أي عندما تسألون "من خلقنا" تكونوا قررتم سلفا أنه يوجد خالق وانطلقتم من ذلك إلى إثبات وجوده !

2 – حتى لو سلمنا جدلا أن السؤال صحيح فالجواب هو ببساطة "لا أدري"، فإذا أحبوا تطبيق كلامهم وشعاراتهم الفارغة على هذا الجواب وقبلوه فلا بأس وإذا لم يحبوا فأرجوهم التوقف عن ترديدها على أقل القليل!

وهذه اللاأدري لا يمكن أن أنتقل منها إلى احتمال وجود الله ، لأن هذه حجة بالجهل، ويمكنني أن أعيد تشبيه أنقله عن أحد مقابلات صحفية أجريت مع ريتشارد داوكنز عالم التطور المشهور: نحن لا نعرف ولا نستطيع أن نثبت أنه لا توجد مكنات تحميص خبز تدور حول كوكب المريخ، هل يبرر هذا إيماننا بوجودها ؟

وقد كان جواب الصحفي الذي يجري المقابلة مع داوكنز، هل من المعقول أن احتمال وجود الله هو نفس احتمال وجود مكنة تحميص الخبز تدور حول المريخ ؟، فأجاب: نعم،

لا أملك إلا أن أوافقه على رأيه.

حلقة الإيمان الثانية: صفات الله:
سأتابع الآن بفرض أني اقتنعت تماما وبالدليل الدامغ بوجود موجد لهذا الكون.
سأبحث كنه وصفات هذا الموجد، وأنا في هذه النقطة ألتقي مع اللادينيين غير الملحدين.
والذي سأبحثه هنا هو النسخة الإبراهيمية للإله عموما والإسلامية منها خصوصا، هذا الإله الذي له الصفات التالية:
1 – واحد
2 – كلي المعرفة والقدرة
3 - شخصاني (يغضب، يرضى، يمكر، يهزأ، ...)
4 – عادل.

لنأخذ أولا وحدانية الإله، ما هو الدليل المنطقي أن الإله واحد ؟ الجواب الإسلامي التقليدي لأنه لو وجد أكثر من إله واحد فسيتنازعوا ويفسد الكون.

لكن.... لماذا افترضت أنهم سيتنازعوا ؟ أليس هذا إسقاط صفات بشرية على الآلهة ؟
ما المانع المنطقي أن أفترض أن الآلهه عقلها أكبر من عقل البشر وأنها وصلت لصيغة تفاهم فيما بينها وأنها لا يهمها أن ينتصر أحدها على الآخر وأنها تضحك من تنازع وتدافع البشر ؟
بل ما المانع المنطقي والعقلي أنها تحاربت سابقا ولم يستطع أحدها الانتصار على الآخر وبالتالي وصلت لصيغة هدنة و"توازن رعب" مثل التوازن النووي بموجبه يلزم كل إله حده ولا يعتدي على مجال إله آخر ؟ تعجبني هذه الفكرة بالذات لأنها تقدم تفسيرا جيدا للكوارث الطبيعية حيث يمكن اعتبار الإعصار كاترينا "حركشة" من الله الإسلامي للرب المسيحي ورد على التسونامي الذي ضرب أكثر ما ضرب المسلمين وواحدة بواحدة والبادي أظلم !!

أعرف أن هذا كله إمعان وإغراق في الخيال لكن ما هو ما يمنع حصوله منطقيا ؟ أحد من ناقشتهم قال أنه لا شيء يمنع من وجود الأنبياء عقلا، وأنا هنا أستعمل نفس المنطق فقط، أي أستعمل المغالطة المنطقية: أن غياب دليل النفي هو دليل إثبات !!

نأتي الآن لمعرفة الإله وقدراته الكلية، فالممسلمين لا يرضون بإله كيفما كان، بل يجب أن يعرف الإله الشاردة والواردة في هذا الكون الفسيح ويعرف كل ذرة في الكون أين هي وما هي سرعتها واتجاهها وكم إلكترون يدور حولها الآن وفي الماضي رجوعا إلى بداية الكون وفي المستقبل إلا ما لا نهاية.

ليس الذرات فقط، بل الفوتونات والموجات والإشعاعات والتموجات الجاذبية وما يجري داخل الثقوب السوداء.

هذا على المستوى الكوني، أما على المستوى البشري فالله يعرف من ولد إلى آدم ومن سيولد وماذا فكر وسيفكر وتصرف وسيتصرف كل منهم إلى نهاية العالم.

ليس يعرف فقط كل ذلك كمراقب ولكن بإمكانه التدخل في أي وقت بأي أمر من هذه الأمور وإيقاف أو تشغيل أو تعديل أي من هذه الأمور أو التصرفات متى وكيفما شاء.

وهنا لدي أسئلة:
سؤال 1: من أين أتيتم بهذا الكلام ؟ إما من من القرآن وكلام الرسل عموما، وفي هذه الحالة سيكون هذا استباق للأمور فنحن لم نصل للرسل والقرآن بعد وإذا سلمت بهذا من قول القرآن فقط أكون قد بدأت من القرآن كي أثبت صحة القرآن !! أي ما يعرف بالحجة الدوارة أي مرة أخرى افتراض ما أريد إثباته !!

حجة أخرى هي أن الكون كامل والكامل لا يمكن أن يخلقه إلا كامل، وهذا هراء وبلاغة لا أكثر لأنه: ما معنى كامل أولا أعطوني تعريفا له ؟ هل تعريف الكامل هو الصفات التي ذكرتها سابقا ؟ إذا كان الأمر كذلك فأنتم تقولون فعليا أن الله كلي المعرفة والقدرة لأن الله كلي المعرفة والقدرة !!

ثم كيف حددنا أن الكون كامل ؟ بمقارنته مع ماذا ؟ نحن لا نعرف إلا هذا الكون فأين الناقص لنقارنه معه ؟ ألا يجب أن أقول أن فلانا ذكي أو طويل بمقارنته مع علان الغبي أو القصير ؟
سؤال 2: ما الذي يمنع - عقلا - كون الإله يريد أن يجرب قدرته فوضع مجموعة من القوانين الفيزيائية وخلق مادة وطاقة وأطلق الكل وجلس ليراقب نتائج تجربته من بعيد وما ستؤول إليه الأمور ؟

سؤال 3: بحق كل أنواع الآلهة والعقائد، إذا استكثرتم علينا نحن الملحدين تصور أن البشر بتعقيد جسمه وعقله الخرافي لا يمكن أن يأتي صدفة أو من عدم أو أن لا يكون لدينا تفسير جاهز عن وجوده (بغض النظر عن التطور لأني لا أريد تشعيب الموضوع)، هل تتصورون أنتم كينونة معقدة لدرجة تستطيع بها معرفة وفعل كل ما وصفته سابقا من قدرات خيالية يبدو بها تعقيد البشر صفرا مطلقا أمامها، تتصورنها بكل بساطة ثم ....

ثم تريحون نفسكم من عناء تفسير كل ذلك بقول أنها سرمدية بينما يضيق صدركم إذا قلنا نحن ذلك على الكون والبشر المسكين ؟!!!

نأتي الآن للصفات الشخصانية للإله،
أأتفق مع المؤمنين هنا أنه لا شيء يمنع عقلا من وجود شخصية تغضب وترضى وتمكر وتهزأ وتفضل بعض الناس على بعضهم الآخر وتحب وتكره ويهمها الرجل التي أدخل بها الحمام واليد التي آكل بها إلخ، فالقدرة المطلقة والمعرفة المطلقة لا تنفي كل ذلك. لكني مع ذلك لا أملك إلا أن أفكر:

هل الإله صغير إلى هذه الدرجة ؟ هل من خلق كونا عرضه آلاف السنوات الضوئية وفيه مليارات المجرات يهمه كيف أبول وأتغوط وأغتسل ؟ ويحاسبني على ذلك ؟ إلا يشكل هذا امتهانا واضحا للإله العظيم ؟

بل ألا يشكل هذا امتهانا حتى للبشر ؟ إذ نقول عمن يهتم بهذه الأمور أنه ضيق الأفق ويهتم بالتوافه من الأمور ؟

أليس من المنطقي أكثر افتراض أن هذه الصفات هي انعكاس لشخصية من خلق هذا الإله ؟ حيث أن ضيق الأفق يتصور أن كل الناس ضيقي الأفق مثله واللص يتصور أن كل الناس لصوص مثله ولا يثق بأحد والخير الطيب يتصور أن كل الناس أخيار مثله ويستحقون الثقة ؟

ولكن الصفة الوحيدة التي تتعارض عقلا بشكل لا يمكن تجاوزه مع كلية القدرة والمعرفة هي العدل.

فالله:
- يعرف الشر الذي حدث وسيحدث ويستطيع منع ذلك متى شاء ولم يفعل.
- ويعرف مصير كل إنسان سلفا ومع ذلك خلقه ليعاقبه أو ليكافئه. (أرجو ألا يفكر أحد بتفسير ذلك بالتشبيه الممل عن أستاذ المدرسة الذي يعرف من سينجح ويرسب قبل الامتحان، فأستاذ المدرسة لم يخلق عقل التلميذ وبيئته ولا يستطيع تغييرهما حتى لو أراد).
- ويعاقب الذنوب المنتهية بعقوبات لا نهائية، مع أن أبسط مقومات العدل أن تكون العقوبة على قدر الجريمة.

كملخص، بفرض وجود خالق للكون فإن أي محاولة لمعرفة صفات هذا الخالق لا تعدو ولن تعدو الحدس والتخمين لعدم إمكانية إثبات أو نفي أي شيء وبالتالي يصبح البحث فيها عبثا وإضاعة وقت وتخمين وتكهن ينتهي فيه كل إنسان لما يريده بكل بساطة وهذا ما يحدث فعلا على أرض الواقع.

والإله الإبراهيمي عموما والإسلامي خصوصا ليس فقط تخميني، بل هو متناقض مع ذاته أيضا إذ شاء محمد أن يلصق صفة العدل إلى جانب كلية القدرة والمعرفة معا (إذ أن كلية المعرفة فقط كانت ستجنبه هذا التناقض).

ولا يغطى هذا التناقض إلا بالبلاغة والكلام المبهم والفارغ عن عدم قدرة عقولنا المحدودة على استيعاب كيفية عمل عدل الإله وكونه غير مسؤول عن تصرفاته.

فعقولنا غير محدودة عندما يطلب منها الوصول للإله الإسلامي وتصبح محدودة ولا يوثق بها عند مناقشة صفاته !!!

حلقة الإيمان الثالثة: الأنبياء والرسل:
أتابع الآن وقد اقتنعت تماما بالبرهان العقلي المفحم أن هذا الكون البديع الإتقان لا يمكن أن يكون إلا مخلوق لخالق واحد عاقل كامل عادل مطلق القدرة والمعرفة.
وسأبدأ الآن بمناقشة موضوع النبوة والأنبياء بشكل عام.

يفترض المؤمنون هنا أن من رحمة الإله (الذي لم نصل بعد أنه الإله الإسلامي) أنه ليس فقط عادل، بل هو أيضا يهتم بأمور عباده ولأمر ما يريد أن يعرفوه كي يعبدوه بالشكل الذي يراه مناسبا ويعيشوا حياتهم بالطريقة التي يراها مناسبة لهم أيضا.

لنناقش النقطتين:
1 – كيفية عبادته: لماذا يا ترى يهم الإله أن أعبده ؟ ماذا تفيده هذه العبادة ؟ الجواب الديني هنا طبعا أنها لا تفيده في شيء فهو غني عنا، لكن في هذه الحالة لماذا يريدها ؟ هل يريد أن يمدحه أحد ويتذلل إليه ؟ هل الإله الشخصاني له شخصية تحب أن تسمع كلمات الإطراء دوما ؟ ماذا يقول المرء عن البشر الذي يحب ذلك ؟ فما بالك بالإله ذو العقل الكبير والشخصية الناضجة ؟

من الأجوبة الإسلامية التي سمعتها أنه وجبت علينا الصلاة للإله شكرا له على "النعم" التي أسبغها علينا من بصر وسمع وما إلى ذلك، أشبه ما يشبه هذا الكلام هو كلام الحكام العرب عن "عطائاتهم" لشعوبهم التي يمنون عليهم بها ليل نهار. لكن لولا هذا السمع والبصر الذي كسبت المنة عليه لما عشت أصلا ولما كان الموضوع كله له معنى، فعلى ماذا المنة ؟
من ناحية أخرى أنا لم أطلب منه التفضل علي وخلقي، فلماذا يخلقني دون أن أطلب منه كي أشقى وأكافح في هذه الحياة القاسية ثم يمن علي بذلك ويريدني أن أشكره فوقها ؟
هل إذا مررت بشخص في الشارع وأعطيته نقود دون أن يطلبها أستطيع إلزامه بأن يشكرني ويطريني، وحتى إذا ألزمته بذلك إذا قبل الهبة، أليس من العدل ألا ألزمه بذلك إذا ردها لي ولم يرغب بها ؟

هل من المنطق أن أقول له سواء كنت تريد هذا المال أو لا تريده فأنت مجبر على أخذه وأنا فضلت على رأسك وغمرتك بإحساني إلى أبد الآبدين وستكون نذلا وحقيرا إذا لم تشكرني وتمدحني ؟؟ بل سأعذبك وأقتلك كذلك !!

نحن مجبرون على الحياة التي يمن علينا الإله بها لسببين، أولا لخوفنا الغريزي من الموت الذي خلقه هو فينا افتراضا وثانيا بسبب تعاليم الإله نفسه الذي حرم الانتحار علينا، فقاتل نفسه في جهنم !!! مغلقة من كل النواحي !!!

2 – كيفية حياتنا: ربما يكون الموضوع هنا أكثر منطقية بكثير من النقطة الأولى، فالإله العادل يرى أننا قاصرين لا نستطيع معرفة ما ينفعنا وما يضرنا، وبالتالي عقد العزم على إبلاغنا بالصح والخطأ وما يجوز وما لا يجوز. وهو لطف منه يمكن أن نشكره عليه.

من نافلة القول هنا أن كل ماسبق عن اهتمام الله ورغبتة في إيصال رسالته للناس هو استرسال في الخيال بلا أي إثبات، لكن على رأي المؤمنين، لا يوجد ما يمنع ذلك وبالتالي فهو واقع حتما وسأعتبره كذلك.

لربما كان الإثبات الوحيد "المنطقي" لكل ما سبق لدى المؤمن على ذلك هو التساؤل "الفطري":
"هل يعقل أن هذه الحياة كلها سدى وعبث ولا حساب ولا ثواب ؟؟؟"

وأنا أسأل هنا، هل هذا إثبات ؟ لماذا لا يعقل ؟ هل تمنياتنا بعقاب الظالم أو مكافأة المحسن هي إثبات منطقي لوجوب ذلك ؟؟

وأكرر سؤال سألته لأحد المؤمنين مرة، هل إذا رأيت عصفور يطير وتمنيت أن أطير مثله، يصبح من الواجب أن أستطيع ذلك ؟

ولأتابع سأعتبر نفس الآن راضي بن يقظان، السليل المباشر لحي بن يقظان الذي وصل بالاستدلال العقلي المجرد إلى ما وصلت إليه من أن الإله الخير العادل يريد فعلا أن نعبده وأن يهدينا وأنه وضع على عاتقه تنفيذ ذلك وسأناقش الكيفية التي اختارها وهي الأنبياء.

إذا افترضنا أن:
1 - الإله يريد فعلا هداية مخلوقاته البشرية
2 - الأمور تقاس بنتائجها

فيصعب علي تخيل فشل أكبر من فشل الإله في إيصال رسالته لخلقه، فبعد ألوف السنين من إرسال الأنبياء إلى مختلف الأمم ليهدوهم للحق، وبعد عدة كتب مقدسة من توراة وزبور وانجيل وقرآن، بعد كل هذا العذاب والجهد نجد اليوم آلاف الأديان والملل والعقائد، هذا ناهيك عن الملحدين من أمثالنا.

وإذا فرضنا أن واحدا من هذه الأديان فقط صحيح (الإسلام طبعا، وحسب مذهب الشخص الذي ولد عليه بالضبط، صدفة)، فهذه يعني في أفضل الأحوال أن أكثر من 85% (وصلت للرقم تقريبيا باعتبار الإسلام السنة حوالي المليار شخص، حيث سأفترض أنه الإسلام "الصحيح" كوني ولدت عليه وكونه الأكثر عددا)، أكثر من 85% من البشر لم تصلهم رسالة هذا الإله، هذا بفرض أن الـ 15 بالمائة الباقية مؤمنة فعلا عن اقتناع وليس عن تقليد.

ألا يعرف الله أن خلقه البشر لا يغيرون العقائد التي ولدوا عليها إلا بمنتهى الصعوبة ؟
ألا يعرف أنهم يميلون لتقليد آبائهم ؟ وأن أغلبهم لا يتعب نفسه بالبحث ولا يملك القدرة العقلية على ذلك أصلا ؟
ألا يعرف أن الأغلبية تميل فطريا إلى تكذيب أي شخص يخرج عن مألوفها ؟
ألم يكن يستطيع اتباع طريقة أفضل من ذلك في هدايتنا ؟ هل يعجزه ذلك ؟
ألم يخلق هو عقولهم وهو الأدرى بكيفية إقناعها ؟

عندما أفكر في ذلك لا أستطيع إلا الخروج بأحد الاحتمالين التاليين:
1 – أن الإله، بمعرفته بطبيعة البشر، يتعمد الإيقاع بهم وتضليلهم برسائل غامضة ومتضاربة وغير مقنعة إلا لمن ولد على أحدها إلا في ما ندر، وهو يفعل ذلك كي يضع أكبر عدد منهم في النار وهذا كان هدفه منذ البداية.
2 – أن الإله فشل فشلا ذريعا في إيصال رسالته الحقيقية.
في كلا الحالتين توجد مشكلة جدية مع هذا الإله، فإما هو غير عادل أو غير قادر على نشر رسالته، وفي كلا الحالتين خالفنا أحد صفاته التي وصلنا إليها بالمنطق المحكم في الخطوات السابقة.

حلقة الإيمان الرابعة، نبوة محمد:
أتابع هنا في بحث نبوة محمد بعد أن سلمت أن الله يحق له استخدام أي طريقة يراها مناسبة في إبلاغ مخلوقاته بما يريده، وباعتبار أنه لا يوجد منطقيا ما يمنع أن يستخدم الأنبياء، فربما تكون هذه الطريقة هي التي اختارها فعلا ويبقى الآن إثبات أن محمد ليس فقط أحد هؤلاء الأنبياء، بل هو آخرهم وصاحب الرسالة الأفضل والأكمل.

وكمنهج نقاش، سأعتبر أن ما وصلنا من التاريخ الإسلامي صحيح في المجمل، وهنا لن أدخل في التفاصيل الدقيقة التي يمكن الاختلاف عليها، بل سأبقى في حدود ما اتفق عليه عموما.
كيف أصدق أي انسان إذا قال أنه نبي وأن الله يوحي إليه ؟

هل يكفي أن يكون مخلصا ؟ هل يكفي أن يكون أخلاقيا ؟ هل يكفي أن يكون اشتهر عنه الصدق دوما ؟ هل يكفي أن يكون مقتنعا تماما برسالته ؟

كل ما سبق برغم أهميته لا يكفي بالطبع، فالمستوطنة اليهودية التي أحرقت نفسها وماتت اعتراضا على الانسحاب من غزة مخلصة لمعتقدها تمام الإخلاص ومقتنعة به بشكل يجعلها تضحي بحياتها دفاعا عنه وهي بالقطع ليست مأجورة أو متآمرة ولكن هذا ليس دليلا على صدق العقيدة اليهودية.

والأخلاق أيضا لا تكفي، فالأخلاق الرفيعة للمهاتما غاندي أو للأم تيريزا برغم ما تثيره من تقدير وإعجاب لا تجعلني شخصيا أميل للاعتقاد بقدسية براهما وفيشنو أو صلب المسيح وقيامه.
سمعة الصدق أيضا بحد ذاتها لا تكفي، فالهلوسة تبدو لصاحبها حقيقة لا تختلف بشيء عن الحقيقة الفعلية، وبالتالي فهو لا يكذب متعمدا إذا قال أن الله يوحي إليه ولكن قول أي إنسان أي شيء ليس دليلا بحد ذاته على صحة القول بغض النظر عن من هو هذا الشخص.
ماذا إذن ؟ يجب أن يكون هناك شيء خارق للعادة وغير قابل للدحض يقنعني أن مدعي النبوة مؤيد بقوى خارقة تجعله يفعل ما لا يستطيع أحد غيره فعله، وهو ما اصطلح بتسميته "معجزات" مؤيدة للنبوة.

أعتقد أنه حتى هذه النقطة لا يوجد اختلاف ذو شأن بيني وبين أي مسلم مؤمن، حيث يعتقد المسلمون بالإعجاز القرآني الذي هو – بخلاف معجزات الأنبياء السابقين الوقتية – خالد وباق إلى الأبد دليلا على صحة رسالة الإسلام.

هناك بعض المتحمسين من المسلمين الذين يعتقدون أيضا بمعجزات مادية مماثلة لمعجزات بقية الأنبياء (شق القمر مثلا) ولكن لن أناقش هذا هنا لأن الكثير من عقلاء المسلمين يرفضون هذه المعجزات ويكتفون بالقرآن دليلا على صحة الرسالة.

وسأنطلق من كون القرآن هو الشيء الوحيد الذي يمكن مناقشته لإثبات النبوة، وهو القاسم المشترك بين كل الفرق الإسلامية من السلفيين الجهاديين إلى الشحروريين والنيهوميين (إن صح التعبير) أي من أقصى الانغلاق والتعصب إلى أقصى الانفتاح وسعة الأفق.

لن أناقش السنة وتصرفات محمد الشخصية، فالمؤمن الفعلي سيجد مبررا لأي تصرف مهما كان غريبا ومثيرا للتساؤل بكون النبي موحى إليه وأنه كان يتصرف ليس لمصلحته بل بإيحاءات مباشرة من الله أو سيرفض الرواية ويعتبرها غير موثوقة وفي كلتا الحالتين لن نصل لنتيجة. وفي مطلق الأحوال فإن هذه المقاربة لنبوة محمد قتلت بحثا ولا يوجد لدي ما أضيفه عليها.
وبالتالي سأحصر نقاشي بالقرآن فقط وتأثيره الإعجازي.

هناك عدة طرائق لنقض إعجاز القرآن، وكلها وجيهة، ومنها:
1 - الأخطاء اللغوية والعلمية والمنطقية في القرآن، وقد درست بشكل واف وليس لدي ما أضيفه في هذا السياق.
2 – التكرار والإعادة بدون أي معنى أو مبرر.
3 - السياسة الواضحة: تغيير كلام الله المنزل حسب الظروف السياسية وقوة أو ضعف وضع محمد.
وغير ذلك من النقاط.

لكن الأخطاء العلمية كانت غير معروفة في ذلك الزمان، والتكرار بحد ذاته ليس دليلا على شيء والسياسة قد لا تبدو غريبة في ذهن البدو البدائيين وقتها عابدي آلهة القبائل التي ينتصر كل منها لقبيلته. وبالتالي فقد كان المسرح مهيئا تماما لمحمد أن يبهر الناس بإعجازه الخالد لكن...

هل تعتبر البلاغة بحد ذاتها إعجازا يجعلني أصدق أنها آتية من إله ؟ لماذا هذه المعاملة الخاصة لبلاغة القرآن ؟ لماذا لا يعتبر جبران خليل جبران أو المتنبي أنبياء إذا كانت البلاغة يمكن أن تكون إعجازا ؟ ما هي المعايير العلمية التي تجعل هذه البلاغة إعجازية وغيرها ليست إعجازية ؟

وحتى لو سلمنا جدلا أن البلاغة يمكن أن تكون إعجازية، يبقى تساؤل ..
خلال 13 سنة من الدعوة المستمرة من صاحب الدعوة بالذات وليس غيره، لم يفلح هذا الإعجاز المفترض إلا في جذب أقل من مائة شخص للإسلام، مائة شخص فقط، أي ثمانية أشخاص في السنة تقريبا !! منهم زوجات وعائلة وأقرباء وأصدقاء محمد !!

بدأت الناس في التحول فعليا إلى الدين الجديد بعد الهجرة عندما قويت شوكة المسلمين وأصبح هناك مغانم وسبايا وأسلاب تسيل اللعاب وليس لبلاغة وسحر القرآن أو أي إعجاز تخيلي فيه.

لعل أفضل تشبيه لذلك هو البعثيين في سوريا والعراق، حيث اندفع الناس أفواجا إلى الانتساب للحزبين بعد استلامهم السلطة وأصبح من المستحيل التمييز بين الأقلية التي تنتسب عن قناعة والغالبية الساحقة التي تنتسب لمصلحة وانتهازية بعكس بعثيي الأربعينات والخمسينات الذي كانت الغالبية الساحقة منهم منتسبين عن قناعة.

ومن ناحية أخرى، فهناك تصور في منتهى السذاجة عند عموم المسلمين ومفاده أن أي شخص غير مسلم هو أحد احتمالين لا ثالث لهما، إما جاهل ومضلل (بالفتحة) أو خبيث ومضلل (بالكسرة) يعرف تماما أن الإسلام دين الحق ويكابر لأنه يفضل الملذات ولا يستطيع كبح جماح نفسه.
وهذه التفكير نابع بالطبع عن الهراء الذي يحشى في عقول الناس من طفولتها عن كون الإسلام دين الفطرة السليمة الذي يرتاح إليه قلب الإنسان وعقله إلا إذا أتى من حرفه عن طريق الحق إلخ.

يتناسى المسلمون هنا جانبا هاما من طبيعة البشر وهي الخوف، فالمجرم يرتكب جريمته على أمل ألا يحاسب عليها، فلو عرف القاتل مسبقا أنه سيعدم حتما جزاء ما اقترف لما قتل بالتأكيد (وهذه بالمناسبة من المغالطات الشائعة التي يرتكبها أنصار العقوبات الوحشية المسلمين وغير المسلمين، إذ يتصورون أن شدة العقوبة عامل زجر بينما يرتكب المجرمون جرائمهم على أمل ألا يضبطون ولا يعاقبون أصلا).

يحقل القرآن بالتهديد والوعيد بشكل ليس له مثيل، النار والشوي والحديد المصهور والسلاسل وغيرها، وفي العقيدة الإسلامية لا يوجد مهرب من الله، فهو يعرف الظاهر والباطن وما كان وسيكون، وبالتالي فعقوبة الكافر لا مهرب منها إطلاقا، وأي عقوبة أرضية تبدو أمامها تافهة ولا تذكر مهما كانت قاسية.

أنا شخصيا لو كان عندي شك واحد في الألف بإمكانية أن تكون الديانة الإسلامية صحيحة لما قمت عن سجادة الصلاة إطلاقا ولصمت 12 شهر عوضا عن شهر واحد ولحججت كل سنة. أي عاقل سيفعل ذلك إذا عرف أن مصيره النار في النهاية حتما.

هذا ناهيك عن المكافأة، فتجنب العقوبة وحده حافز لا مثيل له للطاعة والعبادة، ومن لا يصدقني لينظر كيف تقفز الناس (والمؤمنين أولهم) وتدبك في مظاهرات الفرح بأعياد نصر صدام حسين وأمثاله من القادة الملهمين، ليس انتظارا لمكافأة بل خوفا فقط من العقوبة.
أرجع للقرآن، هل يريدني المسلمين أن أقتنع بإعجازه – بغض النظر عن كل ما فيه – في حين أن الدعوة المباشرة – مصحوبة بالوعد والوعيد والتهديد - من محمد لمدة 13 سنة كاملة والاطلاع المباشر على الإعجاز القرآني من أكثر الناس قابلية لتأثر به، أي من الناس الذين يتكلمون العربية ويقدرون البلاغة حق قدرها، ويعرفون حق المعرفة العواقب الوخيمة الحتمية لعدم اتباع الدعوة، كل هذا لم ينتج إلا حوالي مائة شخص !!

هل كان الناس أغبياء ؟ يعرفون أنهم سيشوون إلى الأبد ويختارون ذلك بأنفسهم ؟ أم أنه من المنطقي أكثر أنهم لم يروا تلك البلاغة الأسطورية التي يتحدث عنها الناس الآن ؟
هل أتجنى على الحقيقة وأتحامل على الإسلام إذا قلت أن بريق الذهب ونعومة بشرة السراري والتهديد بالقتل في حال المخالفة أفضل ألف مرة من كل الإعجاز البلاغي في جذب الناس للدين ؟
هل يا ترى كان محمد يقوم بالدعوة والحوار بنفسه لتبيان الإعجاز بعد أن اصبح قائد دولة أم انشغل أكثر بالتخطيط للغزوات وعقد التحالفات والاستمتاع بنتائج ذلك ؟

لماذا كان الناس لا يقتنعون بدعواته المخلصة عندما بح لسانه بها واندفعوا أفواجا إلى الإسلام عندما بدأت كفته السياسية والعسكرية ترجح بدون حتى أن يسمعوا شيئا من القرآن ؟
هل كان المقاتلون من أفراد القبائل التي تسلم دفعة واحدة مقتنعون بالإعجاز المفترض ولانت قلوبهم أمام بلاغة القرآن وسحره أم أنهم وقفوا بحكمة مع المنتصر اتقاء لبطشه وأملا بالمكاسب ؟

أنا مقتنع أن الرجال تعرف بالحق وليس العكس، وأن عدد معتنقي عقيدة ما ليس دليلا على صحتها أو خطئها بأي شكل من الأشكال، لكني أناقش هنا إعجاز مبهر حاسم هدفه تحديدا هو بيان صحة الرسالة وليس نظرية علمية يمكن إثباتها أو دحضها، وبالتالي أستطيع أن أفترض أن عدم اكتراث أغلب الناس بهذا الإعجاز يمكن أن يفسر بعدم وجود هذا الإعجاز أصلا، خصوصا مع العواقب الوخيمة الناتجة عن تجاهله.

مما وصلنا من الأدبيات الإسلامية نستنتج أن أكثر الناس لم تتأثر إطلاقا بهذا "الإعجاز" على ما يبدو، بل أكثر من ذلك فقد أشبعوا محمدا سخرية، والحل الوحيد إزاء هذا "الجحود" كان في مهاترتهم وسبابهم ووصفهم تارة بالبهائم وتارة أخرى بالمجرمين وغيرها من الألفاظ التي لا أعتقد أنها تليق بإله مطلق القوة أمام مخلوقات لا حول لها ولا طول. وبرأيي أنه كان من الأفضل بكثير للإله أن يبعث معجزة أكثر إقناعا مع نبيه عوضا عن الدخول مع مخلوقاته في مهاترات.

من كل ذلك أقدر أن هالة إعجاز القرآن البلاغية هي أسطورة يشربها المرء من صغره مع حليب أمه إذ يكرر له ليل نهار في المدرسة والجامع والمجتمع أن هذا الكتاب إعجاز ويستحيل الإتيان بمثله حتى تترسخ هذه المقوله في عقله الباطن، ونظرا أن التعليم لدينا هو في أغلب الأحوال مجرد تلقين تقتل فيه بشكل ممنهج إبداعية الفرد وقدرته على المناقشة العقلانية فلا يستغرب أن يصبح القرآن معجزة لمجرد أن كل الناس تقول أنه معجزة.

وبالتالي ففي غياب اي إعجاز في القرآن (ناهيك عن تناقضاته وأخطاءه) وعدم وجود معجزات مادية لا يمكن دحضها غيره لتقنعني لا يبقى هناك ما يجعلني أصدق نبوة محمد حتى لو سلمنا جدلا أنه صادق ومخلص وذو أخلاق لا غبار عليها ومقتنع تمام الاقتناع بما يدعو إليه لأني بكل بساطة أريد دليلا والبينة على من ادعى.

حلقة الإيمان الخامسة والأخيرة، صحة النقل:
الآن وصلت إلى القسم الأخير من المقال، أنا الآن مسلم مؤمن بأن محمدا هو خاتم الأنبياء الذي اختاره الله ليبين دين الحق وأن القرآن هو معجزته الخالدة. وبقي الآن علي أن أعمل عقلي كي أميز صحة أو عدم صحة ما وصلنا منه عبر التراث الإسلامي أي القرآن وسيرته والأحاديث المنقوله عنه.

ولن أدخل هنا في بحوث تاريخية وأبحث في بطون الكتب والمخطوطات القديمة لأفند الصحيح من الخاطىء منها، فهذا يتجاوز قدرتي بكثير من عدة نواح وتوجد في هذا السياق الكثير من الأبحاث الأكاديمية التي لا أستطيع أن أضيف إليها شيئا يذكر.

ما أريد مناقشته وبيانه فقط هو خطورة الاعتماد على مصادر تأتي من جهة واحدة للحصول على المعلومات، خصوصا إذا كانت هذه المعلومات تاريخا سياسيا ودينيا توجد مصلحة مباشرة لكل الناس في تحويره وتعديله ليتوافق مع هواهم.

"التواتر القطعي": هو حجة المسلمين على أن ما وصلنا من المصادر الإسلامية هو صحيح تماما نظرا "لاستحالة" أن يتفق هذا العدد الكبير من الناس على الكذب في موضوع معين. وهذا التواتر القطعي هو بالذات ما أريد مناقشته في بقية المقال.

فبالنسبة للمسلم يكفي أن تأتي الرواية أو الآية أو الحديث على لسان عدد معين (لا أدري ما هو بالضبط) حتى تصبح واقعا لا مراء فيه وتصبح مناقشة صحته كفرا وهرطقة، وما سأفعله هنا هو الاتيان ببعض الأمثلة من التواتر القطعي المعاصر لإظهار تهافت وسخف حجة التواتر المعتمدة.
يا هل ترى، هل يوجد سوري أو مصري لم يسمع بجول جمال ؟ لمن لا يعرفه من غير السوريين والمصريين، جول جمال هو الضابط السوري البطل الذي تطوع في البحرية المصرية والذي اندفع بزورق الطوربيد الخاص به في قلب الدارعة الفرنسية جان بارت Jean Bart الضخمة وأغرقها على الفور بمن عليها في حرب السويس عام 1956.

وهذه بعض الروابط التي بحثت عنها على عجالة لتبين بطولاته وإن أخطأت واحدة منها وسمت السفينة جان دارك.

رابط 1
رابط 2
رابط 3

في سوريا مئات من المدارس والشوارع المسماة باسمه في مختلف المدن، وفي مصر كذلك.
وأنا درست كالملايين من الطلبة السوريين قصته في كتبي المدرسية.

والحادثة لم يمر عليها حتى الآن خمسين عاما بعد (وعندما درستها عشرين) في عصر كان فيه راديو وصحف لها مراسلين ومطابع ومراكز توثيق ودول شبه حديثة فيها جامعات ومعاهد وسيارات وطيران وغيره من صفات الحضارة الحديثة.

ما الذي أريد أن أقوله من كل هذه المقدمة الطويلة ؟ بكل بساطة أريد أن أقول أن هذه الحادثة هي أكذوبة من أولها لآخرها ولم تحصل على الإطلاق !!! نعم أكذوبة ولا أدري ما الذي فعله جول جمال في حرب 1956 بالضبط لكنه بالتأكيد أنه لم يغرق الدارعة جان بارت على الإطلاق.
لربما كان جول جمال بطلا، ولربما استشهد فعلا في الحرب، بل لربما حاول فعلا إغراق الدارعة وقتل ولكنه بالتأكيد لم يغرقها وهذا لا ينتقص من بطولته لو حاول فعلا.

إليكم بعض الارتباطات التي تابعت تاريخ السفينة:
ويكيبيديا
نجد أن:
1 – السفينة هائلة الحجم، طولها 248 مترا ووزنها 49 ألف طن.
2 – طاقمها كان 1280 بحارا في حرب السويس.
3 – بنيت عام 1936 وأطلق إلى البحر عام 1940 ودخلت الخدمة عام 1949 و....
4 – أخرجت من الخدمة عام 1961 !!!
5 – وتم تفكيكها إلى خردة عام 1969 !!! أي بعد 13 عاما من غرقها المزعوم !!!

عندما سمعت لأول مرة أنها لم تغرق وأن الحكاية كلها مختلقة لإبراز بطولات وهمية لم تحصل لم أستطع تصديق ذلك، هل من المعقول أن تكون كل هؤلاء الناس متفقون على الكذب ؟ الحادثة وقعت في القرن العشرين في البحر المتوسط مركز الدنيا وليس في مجاهل أفريقيا أو القطب الشمالي.
أين الصحفيين ؟ أين الكتاب ؟ أين من رجع من الحرب ليحكي ؟ وأهم شيء، أين الفرنسيين كي يكذبوا القصة ؟؟

حسب أحد المصادر (الذي لم أستطع التأكد من صحته من مصادر أخرى) فإن قبطان الدارعة أقام وقتها حفل استقبال للصحفيين على ظهر الدارعة "الغارقة" ليروا بعينهم الأكذوبة. ولكن تم التعتيم على ذلك في الإعلام العربي.

نحن لا نتحدث عن زورق صغير يمكن الكذب بشأنه وتغطية خسارته، بل عن دارعة هائلة عليها أكثر من 1200 بحار يمكن لأي منهم تكذيب الحكاية لو أخفت البحرية الفرنسية غرقها ناهيك عن بقية الجيش الفرنسي والإنجليزي والإسرائيلي.

كيف اخترعت القصة ؟ بكل بساطة ما حصل هو أن مصر مع شديد الأسف أذلت عسكريا في حرب 1956 وهذا متوقع تماما لجيش دولة متخلفة أمام الجيش الاسرائيلي أولا ثم جيشي قوتين عظميين. أذلت عسكريا على الرغم من الانتصار السياسي الكبير الذي تحقق مصادفة نظرا للخطأ الكبير الذي وقعت فيه أطراف العدوان بتصور أنها ما زالت قوى عظمى أولى في العالم وبالتالي التصرف بدون التنسيق مع الولايات المتحدة التي لقنتهم درسا في الطاعة انعكس ذلك الانتصار الكبير لعبد الناصر.

لكن عبد الناصر ومهرجيه الكذابين أراد بالإضافة إلى ذلك اختلاق انتصارات عسكرية أيضا، ولا أدري من اختلق القصة أولا لكن يبدو أنها اكتسبت زخما جعل من الصعب التراجع عنها، وفي جو السعار القومي العروبي الشمولي آنذاك لم يكلف الكثير من الناس أنفسهم عناء التحقق من القصة التي أصبحت واقعا تاريخيا في المخيلة الجمعية لشعبين يعدان بالملايين. لكن كيف تعرف أن كل الموضوع كذب بالاطلاع فقط على الكتابات العربية "المتواترة" ؟

لدي شخصيا عدد كبير من القصص التي تسير على نفس المنحى:
1 – في سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي وقع في يدي عدد كبير من القصص والكتب السوفيتية (التي كانت تباع بشكل شبه مجاني لنشر الشيوعية، تماما كما تباع الكتب الإسلامية الآن)، أغلب هذه الكتب كانت تتحدث عن "الحرب الوطنية العظمى " (أي الحرب العالمية الثانية) وبطولات الجيش السوفيتي فيها ونبل أفراده وتضحياتهم في سبيل الشيوعية و"تحريره" لألمانيا وأوروبا الشرقية والعدوان الآثم الذي تعرض له الاتحاد السوفيتي النبيل الوطن الاشتراكي الأول.
العشرات من الكتب لعشرات من الكتاب لا تحوي سوى الهراء المقطر والكذب بدون حياء ولا خجل والاحتقار الذي لا حدود له لذكاء الناس. ولكن كيف تعرف أنها كذب دون أن تطلع إلا على الكتابات السوفياتية "المتواترة" لعدد كبير من الكتاب لا يمكن أن يتفقوا على الكذب ؟

2 – رأيت على الفضائية العراقية أثناء مروري عليها عدد من الندوات "لمفكرين" و"باحثين" عراقيين وعرب تبين انتصار صدام وهزيمة الأمريكان والحلفاء في حرب 1991، إذا لم يصلك غير كلام هؤلاء "المتواتر"، كيف تعرف ما جرى ؟

3 – قرأت مرة كتابا تافها اسمه The Arab Israeli Wars لمؤلف اسرائيلي لم أعد أذكر اسمه عن إطباق جيوش ست دول عربية على إسرائيل في عام 1948 والخطر المحيق الذي نجت منه، نسي الدجال أن يقول أن عدد أفراد الجيش الإسرائيلي وقتها كان ضعف عدد أفراد الجيوش العربية مجتمعة، ناهيك عن خبرة أفراده الذي حارب الكثير منهم مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية والإمكانيات المادية الكبيرة للوكالة اليهودية التي كانت تمد اليهود بالمال والسلاح والذخائر والتغطية السياسية لإسرائيل من كل الدول العظمى وقتها. ولكن إذا قرأت هذا الكتاب فقط ستخرج بانطباع أن بطولة اليهود الخارقة هي التي انتصرت أمام جحافل العرب التي ملأت الآفاق وحجب غبارها نور الشمس.

باستطاعتي الاسترسال كثيرا في هذا المجال لولا خوفي من الإطالة والإملال.

ما أريد قوله باختصار هو التالي: كل ما وصلنا عن حياة محمد وسيرته والقرآن والسنة أتى حصرا من مصادر إسلامية، فالمراكز الحضرية في ذلك الزمن (بيزنطة وفارس) لم تنتبه إلى أن شيئا ما يجري في الجزيرة العربية إلا بعد وفاة محمد وبالتالي قلا يوجد أي ذكر لسنوات الإسلام الأولى فيها إطلاقا.

عندما ندرس التراث الإسلامي بما وصلنا عن المسلمين فقط (وهذا كل المتوافر) يجب أن نكون على أقصى درجات الحيطة والحذر حتى بافتراض أفضل النوايا، ففي هذه الحالة نكون كقاضي يصدر حكما بمجرد سماع طرف واحد فقط، وهنا أريد أن أسأل بعض الأسئلة على سبيل المثال وليس الحصر في أي حال من الأحوال.

1 – ما هو يا ترى مدى صحة الاضهاد المزعوم "لكفار" قريش لمحمد ؟ لماذا تركوه يدعو لمدة 13 سنة بدون أن يتعرضوا له ؟ هل يوجد أثر تاريخي واحد لمؤلف "كافر" حاول أن يشرح وجهة نظرهم من القضية ؟
2 – ما قصة المؤامرات التي حاكها بني قريظة وغيرهم من اليهود وسببت إفنائهم وتهجيرهم ؟ هل وصل إلينا شيء من وجهة نظرهم ؟
3 – ما هي صحة الآيات المنسوبة لمسيلمة "الكذاب" عن الضفدع التي نصفها في الطين ؟ هل وصلنا شيء منه شيء غير عن طريق خصومه ؟

كذب المصلحة والسياسة التاريخي واضح الهدف وتعج به كتب الأحاديث من تنبؤات ما أنزل الله بها من سلطان مثل حديث إصلاح الفتنة بين فئتي الأمة وحديث تقتله الفئة الباغية وحديث الجبل الذي عليه الشهداء والخلفاء وغيرها كثير.

الكذب الذي لا يقل خطورة عنه هو كذب المؤمنين الصادقين الذين يرون في محمد الكمال المطلق والذين يعتبرون أن أي خبر عنه يناقض هذا الكمال المطلق غير صحيح ويجب حذفه، أو بالعكس يجب اختراع معجزات وكرامات لجذب العوام إليه، ومع الوقت تضيع معالم ما حذفوه ويصبح ما اخترعوه حقائق لا لبس فيها.

بين نوعي الكذب وبين حقيقة أن كل تاريخ السنين الأولى للإسلام وقع في بيئة غير متحضرة لا وجود فيها عمليا للكتابة والتأريخ الفعلي وبين غياب أي تأكيد خارجي لأحداث تلك الفترة ووقائعها.

بين ذلك كله لا بد لي من أخذ أي رواية إسلامية وصلت لي (قرآن أو حديث أو سيرة) لا كواقعة فعلية بل كرواية يجب التحقق منها وعدم تصديق شيء فيها قبل التمحيص التام فيها ومحاولة التثبت منها تاريخيا، وعدا ذلك في رواية، مثل سيرة امرئ القيس أو أبو زيد الهلالي، لا أكثر ولا أقل.

في النهاية أكرر أن هذا الموضوع ليس بحثا علميا أو شاملا بأي حال من الأحوال، بل هو مجرد انطباعات شخصية عن منهجية التفكير الإيماني عموما والإسلامي منه خصوصا وضعفه وعدم ترابطه واعتماده المطلق على الإيمان الأعمى بدون دليل في كل مرحلة من مراحله.




قراءة بقية المقال

عدة كشف المغالطة


هذا المقال هو نقل عن كتابات العالم الفلكي الكبير Carl Sagan، وبالتحديد هو جزء من أحد كتبه وهو The Demon Haunted World: Science as a candle in the dark (العالم المسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام) وقد سمى الفصل The baloney detection kit (عدة كشف الدجل أو المغالطات) ويشرح فيه بعض المغالطات المنطقية في النقاشات وكيفية كشفها وطريقة عمل الذهن الناقد الشكاك التي لا تقبل بتصديق أي شيء ما لم يوجد دليل دامغ عليه.

وبمتابعتي للكثر من النقاشات الدينية، لاحظت الكثير من هذه المغالطات التي يرتكبها المحاورون باستمرار وقد أحببت أن أشرح هذه المغالطات مع أمثلة مما رأيته.

متطلبات الحوار الأساسية:
1 – يجب أن يكون هناك تأكيد مستقل "للوقائع" إذا كان بالإمكان: الأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فعمليا كل "الوقائع التاريخية" التي يتحدث عنها المتدينين تأتي من مصدر واحد وهو الكتب الدينية دون أي سند تاريخي من أي جهة محايدة: إبراهيم، نوح والطوفان، موسى وشق البحر، ....

2 – يجب أن تشجع مناقشة كافة الحجج والبراهين من كافة الأطراف المعنية والمطلعة:
بالرغم من عدم وجود مشكلة في ذلك في منتديات الحوار الإلكترونية نظرا لطبيعتها، لكن هذه النقطة في غاية الأهمية في كتابات الدينيين التي يردون بها على اللادينيين، إذ غالبا ما يمنعون الكتاب الذي يناقشوه ! أو في حالات أخرى يناقشون أنفسهم عوضا عن مناقشة الطرف الآخر، والمثال الأشهر على ذلك هو عندما "يفحم" مصطفى محمود صديقه الملحد بعد أن يكون هو الذي وضع كلام الملحد وتولى بنفسه الإجابة عليه ولم يعط الملحد الافتراضي فرصة التعقيب.


3 – حجة السلطات ليس لها قيمة على الأغلب:
والمعني بالسلطات هنا هو أي شخص أو جهة لها أهمية، كمثال على ذلك: هذا الموضوع أكده العالم الفلاني فإذا هو صحيح، أو طالما أسلم شخص مشهور فذلك يعني أن الإسلام صحيح، أو طالما قال القرآن أن أكل لحم الخنزير حرام فهو مضر بالبشر. المشكلة هنا أنه حتى تكون لحجة السلطة قيمة يجب توافر الشروط التالية:
- أن تكون السلطة مختصة بالموضوع المطروح، فلا يكفي أن يكون الشخص مشهورا أو ذو شعبية. ولا يجب الاستشهاد برأي كيميائي علامة في موضوع جيولوجي مثلا.
- يجب أن يفسر كلام السلطة بدقة شديدة ولا يخرج من سياقه (الإسلاميون أبطال هنا في هذا المجال وخصوصا في موضوع "الإعجاز العلمي").
- يجب أن يكون هناك دليل مادي وملموس على الحجة بغض النظر عن قوة السلطة وتخصصها فكل إنسان يخطىء.
- يجب أن توجد طريقة للحكم على حجج السلطات المختلفة وأيها أصح في حالة التعارض (الأديان المختلفة على سبيل المثال).

4 – يجب طرح أكثر من فرضية واحدة لتفسير أي ظاهرة، فإذا كانت هناك ظاهرة معينة يجب التفكير في جميع الاحتمالات التي يمكن أن تفسر هذه الظاهرة ثم التفكير بطرائق يمكن بواسطتها دحض هذه الفرضيات والفرضية التي تنجو من كل محاولات الدحض تكون هي الصحيحة.
وعلى سبيل المثال وبرغم أني شخصيا لا أرى ما يستحق النقاش في موضوع "الإعجاز العلمي" ولكن سأطرح بعض أفكاره هنا لتبيان النقطة:

يدعي الإعجازيون أن القرآن تنبأ بكروية الأرض قبل اكتشاف ذلك بآلاف السنين، وبالتالي فلا يوجد تفسير سوى أن الله قد أنزل ذلك على محمد وبالتالي هو نبي. سنفرض هنا أن القرآن قد قال فعلا بكروية الأرض (برغم أن ذلك غير صحيح إلا بتأويل الكلام بأشد أنواع التأويل تعسفا) ولكن هل تفسير هذه الظاهرة الوحيد هو أن محمد رسول الله ؟

فرض أول: العالم Eratosthanes في مصر الذي عاش في القرن الثالث قبل ميلاد المسيح، أي قبل محمد بألف عام تقريبا لم يكتف بإثبات كروية الأرض فقط، بل قاس ايضا قطرها بدقة تبعث على الدهشة نظرا لبدائية الوسائل المتاحة له. ومن الممكن افتراض ان ذلك وصل إلى محمد بطريقة ما عبر أسفاره.
فرض ثاني: أخبر أحد رواد الفضاء من عالم آخر محمد بذلك.
فرض ثالث: محمد قال هذا الكلام صدفة بدون أن يعرف أنه صحيح.
فرض رابع: محمد من المستقبل وقد رجع إلى الماضي وكتب تلك المعلومة.
فرض خامس: محمد رسول الله.
فرض سادس: محمد مندوب الشيطان وقد أخبره بذلك كي يغوي البشر عن دين الحق وهو البوذية مثلا.
فرض سابع: محمد عالم فلك وقد توصل إلى ذلك الاكتشاف وأحب أن يستغله كي يدعي النبوة. وغيرها وغيرها ....

الآن علينا أن نبحث في هذه الفرضيات واحدة بعد الأخرى ونحاول أن نستبعد ما يثبت خطأه منها ثم نختار الباقية ونعتمدها. وهذا يقودنا للنقطة التالية:

5 – حاول ألا تتعلق بنظرية أو فرضية ما لأنها لك أو لكونها تروق لك شخصيا، هذه النقطة من أصعب النقط لأنه عندما يتعلق الشخص عاطفيا بنظرية معينة يصبح همه هو إثباتها بأي طريقة ويتجاهل (ولو لا شعوريا) الدلائل التي تدل على عكسها. الحل هنا يكمن في النظر بتجرد وعدل بين كل الاحتمالات ومقارنتها ومحاولة تحسس نقاط الضعف في نظريتك نفسها لأنه إذا لم تفكر أنت في مكامن ضعف نظريتك فسيفكر غيرك بها.

6 – تحدث بالأرقام إذا أمكن، فإذا كانت المسألة التي تريد اثباتها لها صفات رقمية فهذا يساعد كثيرا على اختيار الخيار الصحيح.

إذا أخذنا مثالا على ذلك النقاش حول انتشار الإسلام الواسع في الدول الغربية، الشيء الذي يكرره الإسلاميون باستمرار كدليل على صحة الإسلام (برغم عدم منطقية هذا الدليل إذا أن الحقيقة لا يتم التوصل إليها بعدد الأصوات وإلا كانت المسيحية هي الدين الصحيح !!)، نجد دائما أن كلامهم غير مرفق بأرقام وإن أرفق فهذه الأرقام بلا أي سند علمي أو منتزعة من سياقها. فحتى يمكن أن أتحدث عن زيادة عدد معتنقي الإسلام يجب ان أوضح:

- عدد السكان العام
- نسبة المنتمين لكل دين ونسبة الملحدين
- نسبة التوالد والزيادة الطبيعية بالنسبة لمعتنقي كل معتقد
- نسبة الهجرة القادمة بالنسبة لعدد السكان ونسب كل معتقد فيها
- نسبة تاركي الإسلام برغم ولادتهم مسلمين
- نسبة المسلمين الذين ولدوا كذلك ولا يهتمون كثيرا بالأديان حتى يحاولوا البحث في تغيير دينهم.
- الخلفية الإثنية لمعتنقي الإسلام، فعدد كبير من السود يعتنق الإسلام نكاية بالرجل الأبيض وكعلامة احتجاج أكثر منه قناعة بالحجة.
- الأسباب التي دفعت الناس إلى الدخول في الإسلام (نسبة لا يستهان بها تدخل الإسلام كي تتزوج من مسلم أو مسلمة فقط أو كي ترث دون أي قناعة من أي نوع وأنا شخصيا أعرف أكثر من مثال على ذلك).

ومن نافل القول أن أغلب "الباحثين" المسلمين عندما يثير موضوع انتشار الإسلام في الغرب لا يجدون أي ضرورة في إجهاد أنفسهم بتحري مثل هذا الجزئيات التافهة ويكتفون في أغلب الأحوال بالقول ان عدد المسلمين في أمريكا في سنة 1950 كان كذا والآن هو كذا. (بشكل يشبه تماما سخافات "الإنجازات والعطاءات" عندما تعد عدد المدارس قبل وبعد الثورة مثلا).

7 – إذا كانت هناك سلسلة اثباتات لقضية محددة فيجب أن تكون جميع حلقات هذه السلسلة مثبتة (ضمنا الفرض الأول منها) وليس معظمها فقط.

المثال الذي يحضرني هنا هو إثبات الغيبيات الإسلامية (الجنة، النار، الجن، إلخ ...) فحتى أصدق هذه الإثباتات يجب أن يثبت المسلم أن:
- هناك علة لوجود الكون
- هذه العلة هي الله
- هذا الله لا علة لوجوده
- أن الله يهمه أن يسمع رسالته إلى الناس
- أن الله يهمه أن تعبده الناس
- أن الله صادق ولا يخدع الناس
- أن الله قد اختار أن يعلن عن وجوده بطريقة الأنبياء الغريبة بدلا من إظهار نفسه بشكل واضح
- أن محمد هو رسول الله فعلا
- أن محمد صادق في كل ما قاله ولم يخطىء أو يسيء فهم كلام الله
- أن ما وصلنا عن محمد صحيح ولم يحرف
وربما كان هناك المزيد من البراهين،

ولا يمكن إثبات وجود أي من الغيبيات إلا بعد إثبات جميع حلفات السلسلة وليس أحدها فقط. أعتقد أن مثالي هنا ظالم بعض الشيء لأن معظم إن لم يكن كل حلقات هذه السلسلة ضعيف للغاية.

8 – إذا كانت هناك أكثر من نظرية تقدم تفسير لمسألة ما بشكل جيد، فمن الأفضل اتباع أسهلها، ويقصد بأسهلها النظرية التي فيها أقل عدد ممكن من الفرضيات غير المثبتة. يطلق على هذه القاعدة اسم حد أوكام Occam’s Razor.

أي بعبارة أخرى يجب اتباع النظرية الأسهل بين النظريات التي تقدم تفسيرا لكل المعطيات المتاحة.
وعلى سبيل المثال، إذا رأيت أحدا يتدحرج على الأرض ويصرخ وأنا لا أعرف الكثير عن الطب بحيث لا يمكنني التمييز بدقة أكثر وتحري أصل المشكلة بالضبط، يمكن أن أفترض:

- بأن الموضوع هو اضطراب كيميائي في دماغه
- أو أن الجن الكافر قد تلبسه
إذا أخذت بنظرية الجن الكافر فيجب أن أفترض أنه
- يوجد جن
- وأن الجن شقين كافر ومؤمن
- وأن الجن الكافر يتلبس البشر وأن علامات التلبس هي الدحرجة والصراخ إلخ ... وكل هذا بالطبع غير مثبت.

بينما في الحالة الثانية الأمر أسهل بكثير وفيها فرض واحد فقط.

لاحظ أن النظريتان تقدمان تفسيرا معقولا حسب المعلومات القليلة المتاحة وقد تم اختيار الأولى نظرا لقلة الافتراضات غير المثبتة فقط.

تنطبق نفس القاعدة على مناقشة وجود الله بذاته كتفسير للكون ووجود الروح كشيء منفصل عن الجسد ومستقل عنه، حيث كلتاهما فرضيتان تزيدان من تعقيد الشرح عوضا أن تبسطاه.

9 – النقطة الأخيرة في غاية الأهمية ولعلها الأهم على الإطلاق في رأيي، وتنص أن يجب لأي نظرية أن تكون قابلة للاختبار وللنقض من حيث المبدأ على الأقل، فكل ما لا يمكن اختباره ونقضه لا قيمه على الإطلاق.

والمثال الأول على ذلك هو وجود الله نفسه، فمهما فعل المرء فلن يستطيع ابتكار اختبار علمي يثبت عدم وجود الله (أو وجوده بالطبع)، وهذا بالذات ما يجعل نظرية وجود الله ليس لها أي قيمة علمية على الإطلاق وتنقل بالتالي إلى مجال الإيمان الذي لا علاقة له بالعلم.

ولعل من أمتع ما قرأته حول هذا الموضوع هو التنين الوردي، لا أذكر حرفية القصة لكنها تسير بالشكل التالي:

يقول أخ لأخيه: يوجد في غرفة النوم تنين وردي ينفث النار.
ينظر الأخ ليتحقق فلا يرى شيئا، يسأل أخاه فيقول له هذا بسبب أن التنين الوردي خفي.
- ولكن أليس له علامات أقدام على الأرض ؟
- لا فهو يطير في الهواء
- مع ذلك، كيف دخل علينا وباب الغرفة مغلق ؟
- التنين يستطيع اختراق الأبواب لأن ليس له كيان مادي
- طيب، طالما أنه ينفث النيران لماذا لم يحترق البيت ؟
- لأن نيرانه خفية أيضا ولا تحرق الأشياء المادية

ويستمر الحوار بهذه الطريقة، ومن الواضح أن هذا ليس حوارا بل مهزلة، لأنه لا توجد أي طريقة يمكن للأخ الثاني بها اختبار وجود هذا التنين المزعوم وبالتالي نقض كلام أخيه وبإمكان الأول أن يقول أنه يوجد تنين أو فيل أو وحيد قرن أو أي شيء ما دام الكلام لا يمكن نفيه.

التجربة المسيطر عليها Controlled Experiment والتي يمكن تكرارها هي الأساس في العلم، التفكير المنطقي والمحاججة العقلية بحد ذاتها ليست دليلا علميا، فتعقيد الطبيعة أكبر بكثير من تعقيد الحجة.

هذا ينهي متطلبات المناقشة العلمية السليمة ونأتي الآن إلى طرح الخدع والمغالطات المنطقية التي يرتكبها البعض بانتظام مع أمثلة إذا أمكن.


1 – مهاجمة شخص المحاور عوضا عن حجته: لا حاجة لإجهاد النفس في البحث والتحري لإيجاد أمثلة في هذه النقطة فللأسف الشديد ارتقى بعض المحاورين الإسلاميين بهذه المغالطة إلى مرتبة الفن.
وأنا شخصيا لا أرى تعبيرا أوضح من هذه الطريقة في المناقشة على الإفلاس الفكري.

المؤسف أن هذه الطريقة في "النقاش" ليست مقصورة على المتدينين فقط بل استخدمت وتستخدم بانتظام من كل أطياف الفكر العربي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولعلها من أوضح تجليات الانهيار الفكري والحضاري الذي نعيشه.

2 – حجة السلطة: أو المطالبة بالثقة في شخص ما بدون دليل. مثال:
إذا حكم المشايخ البلاد فستعم البركة ويقضى على الفقر وتسود العدالة،
- كيف ذلك ؟ - لأنهم مشايخ أطهار ويجب أن نثق بهم فعندهم الحلول لكل شيء،
- سايرونا واشرحوا لنا كيف سيقضي حكمهم على الفقر، ما هو برنامجهم ؟
- يجب أن نثق بهم لأنهم يطبقون الشرع وبتطبيق الشرع سيحل كل شيء ......
- تحملوا غبائنا وبينوا لنا كيف سيؤدي تطبيق الشرع إلى حل مشاكل الإسكان والبطالة والفساد والتخلف العلمي والانفجار السكاني ونقص المياه والتلوث وحقوق الإنسان إلخ .... ؟
- ألا تفهم ؟ الشرع عنده حل لكل شيء، انتظر وسترى

طبعا بالإمكان النظر إلى البلدان التي يحكمها المشايخ ورؤية نتائج مثل هذه المحاججة. والشعب الإيراني المسكين يدفع غاليا اليوم ثمن ثقته بالحلول السحرية التي يقدمها المشايخ.

3 – الحجة بالجهل: أي المحاججة بأن كل ما لا يمكن إثبات خطأه فهو صحيح، أو بالعكس كل ما لا يمكن إثبات صحته فهو خطأ.
مثال 1: لا يوجد دليل مادي على عدم وجود النبي موسى وبالتالي فهو موجود.
مثال 2: لا يوجد دليل مادي أن الله موجود وبالتالي فهو غير موجود.

يمكن دحض هذه الطريقة في المغالطة بالعبارة التالية: غياب الدليل ليس دليلا على الغياب.

4 – التحذير من العواقب الوخيمة بلا دليل: أمثلة:
- إذا لم يعتقد الناس بالجنة والنار فسيفقد كل رادع وتعم الفوضى المجتمع.
- إذا لم تطبق الحدود الإسلامية فلن يتم ردع اللصوص والعابثين وستعم الجريمة.
- إذا لم نمنع الفكر "الكافر" فسيغوى الناس عن دينهم ويعم الفساد.
- إذا خلعت النساء الحجاب سيعم الفساد والدعارة وتتفكك الأسرة.

تم تكرار هذه المغالطات باستمرار يصل إلى حد الملل، طبعا لا تستند هذه التحذيرات إلى أي دراسة من أي نوع وإنما هي الرأي الشخصي لصاحب القول فعلى سبيل المثال:

- المجتمعات الأوروبية التي تحوي أعلى نسب ملحدين في العالم (تتجاوز 50% في بعض دول شمال أورويا) هي أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تنظيما وإنسانية وحضارة.
- لم يستطيع أحد الربط بين تطبيق حكم الإعدام وانخفاض معدلات الجريمة، فأمريكا التي تطبقه فيها معدلات جريمة أضعاف مضاعفة عن أوروبا التي لا تطبقه. الجريمة في أمريكا لها عواملها وشدة العقوبة ليست هي الحل وإنما هي فقط إشباع الرغبة البدائية في الانتقام. وتطبيق قطع الرأس تعزيرا في السعودية عقابا على تهريب المخدرات لم يوقف التهريب بأي شكل من الأشكال.
- أمريكا التي تسمح بكل أنواع الفكر من مختلف التيارات فيها أكبر نسبة مؤمنين في العالم المتقدم ولم يؤثر فيهم "الفكر الكافر" الذي يسهل الوصول إليه من أي مكتبة على ما يبدو.
- تفكك الأسرة لا علاقة له بالحجاب من قريب أو بعيد، فالأسرة لم تتفكك كما يبدو في الصين واليابان والهند بالرغم من عدم وجود الحجاب هناك. ما يجمع الأسرة حقيقة في مجتمعنا هو القهر القانوني الممارس بانتظام على المرأة وعدم استقلاليتها المادية والحجاب هو مظهر جانبي لهذا القهر فقط.

5 – التفسير بالجهل أو بالغموض Special Pleadingويستخدم عادة في إنقاذ المواقف الواقعة في تناقض منطقي وأخلاقي عميق. أمثلة:
- كيف يعرف الله مسبقا قبل أن أولد أني لن أكون مؤمنا ومع ذلك خلقني ليعذبني ؟
- جواب: أنت لا تستوعب دقة موضوع الإرادة الحرة في الإسلام.
- كيف يمكن أن يصاب طفل صغير بالسرطان، أليس هذا قسوة من الله ؟
- هذا ابتلاء وأنت لا يمكنك أن تناقش إرادة الله.
- كيف يعاقب الله الصالح مع الطالح والأطفال مع الكبار ويغرق الجميع في طوفان نوح ؟
- الله حر في عباده ومن أنت حتى تناقشه ؟
- كيف يرسل الله زلزالا يدمر حياة الناس بلا تمييز ؟
- قدر الله وما شاء فعل

6 – افتراض ما تحاول إثباته، أو بناء نتيجة على فرضية بحاجة إلى إثبات، أمثلة:
- الله موجود لأن تصميم الكون البديع لا بد له من مصمم، هنا تم تقديم فرضية أن للكون تصميما على أنها حقيقة للاستدلال على وجود المصمم.
- محمد رسول الله لأن االبلاغة لإعجازية للقرآن لا يمكن أن تأتي من بشر، هنا تم تقديم الإعجاز البلاغي القرآني كحقيقة ثابتة والبناء عليها.
- لابد من تطبيق حكم الإعدام لردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة، هنا تم تقديم فرضية أن حكم الإعدام سيؤدي إلى ردع المجرمين وتخفيف نسبة الجريمة كحقيقة ثابتة.
- لابد من إعلان الجهاد لوقف المؤامرة العالمية الرامية للقضاء على الإسلام. (تم تقديم المؤامرة على الإسلام كحقيقة).
- شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين لأنه من المعروف أن المرأة متقلبة المزاج وتغلبها العاطفة، (بدون أي محاولة لإثبات تقلب المزاج وغلبان العاطفة، ثم تعميم ذلك على كل النساء بشكل مطلق وبشكل يدعو للضحك تنزيه كل الرجال من ذلك).

غالبا ما تأتي هذه المغالطة مسبوقة بكلمات مثل: "الكل يعلم" و "من الواضح" و "لا ينكر إلا مكابر" و "من المعروف أن"، إلخ ..

7 – الملاحظة الانتقائية: أي إبراز الأمور الإيجابية وتجاهل السلبيات. هذه المغالطة منتشرة بشكل هائل والكل يمارسها بانتظام:

- الشيوعيون يبرزون عدم وجود البطالة في مجتمعاتهم ويتجاهلون البطالة المقنعة وانخفاض الإنتاج.
- الإسلاميون يبرزون تماسك مجتمعاتهم ويتجاهلون الظلم والقهر الذي ادى لهذا التماسك.
- النظم العربية الديكتاتورية تتشدق بالاستقرار الذي جلبته بعد مرحلة الانقلابات وتتجاهل القمع الذي سمح بهذا الاستقرار.
- تتفاخر الحكومات العربية بعدد الجامعات وتنسى ذكر مستوى التعليم المتدني. إلخ ...

8 – الإحصائيات بأرقام صغيرة. أو تعميم تجربة محدودة على الجميع:
- برهنت مرة إحدى المحاورات في أحد منتديات الحوار على تفكك المجتمع الأمريكي وتعاسة الناس فيه بأنها تعيش هناك وقد خالطت الناس هناك ورأت ذلك بعينها، النقطة هنا أن تعداد سكان أمريكا يعادل كل الدول الناطقة بالعربية مجتمعة، كم شخصا رأت المحاورة لتعمم ذلك ؟
واجهتني هذه المغالطة كثيرا في حياتي وهذا أمثلة واجهتني شخصيا:
- أحد الأصدقاء يقول أنه ليس عنصريا لكنه لا يحب الفلسطينيين كون كل تجاربه معهم كانت سلبية، كم من الفلسطينيين يعرف ؟ وكيف انطلق من ذلك للتعميم ؟
- النساء في الغرب عاهرات ويكفي أن ترى الأفلام الخلاعية لتعرف ذلك، كيف تم تعميم العهر على الجميع ؟ (هذه الخرافة بشكل خاص مغروسة في ذهن الرجال العرب الذين يسافرون لأول مرة إلى الغرب حيث يتوقعون أن النساء هناك مستلقيات على الطرقات بانتظار فحولتهم العربية)

أطرف ما يمثل هذه المغالطة هو نكتة يشنع بها على الأطباء: عالج مرة طبيبا مريضا مصابا بالسرطان بحساء البصل، وقد شفي هذا المريض فكتب الطبيب بحثا علميا عن فوائد حساء البصل في شفاء السرطان، وبعد فترة عالج مريضا ثانيا به فمات هذا المريض فعدل بحثه بحيث قال: يشفي حساء البصل 50% من مرضى السرطان.

9 – إساءة استعمال الإحصائيات: ولهذا عدة أشكال مثل:
- اعتبار البرهان الإحصائي ينطبق على الجميع: بما أن الرجال أكثر عدائية وعنفا من النساء إحصائيا فهذا يعني أن أي رجل عدائي أكثر من أي امرأة.
- الذين يرفضون التطور (حتى من بدايته، إذ أن بعض "المعتدلين" يقبلون أنه يطبق على غيرالإنسان) ويقولون أن احتمال تكون جزيئة الحياة الأولى ضعيف جدا، يتجاهلون حجم الكون الهائل واتساع الفترة الزمنية التي حدث فيها التطور. فالإنسان الذي يعيش عشرات السنوات ويتحرك في حيز مئات أو آلاف الكيلومترات لا يستطيع بسهولة تصور فترة آلاف ملايين السنين وآلاف ملايين السنوات الضوئية.
- أغلب الناس لا تستطيع تصور النسب المئوية الصغيرة جدا أو الأرقام الكبيرة جدا وبالتالي يصبح مجال التلاعب في إحصائياتها سهلا، فمثلا لا يتصور الإنسان العادي أن احتمال ربحه اليانصيب أقل بكثير من احتمال مقتله بحادث سير وهذا يفسر غباء الناس الذي تثرى بموجبه الجهات المنظمة لليانصيب، والإنسان الذي تبلغ ديونه الشخصية آلاف الدولارات يبدو له دين الدولة الذي يبلغ مئات الملايين رقما أسطوريا رغم أنه قد يكون كسرا ضئيلا من ميزانية تلك الدولة.
- استخدام الأرقام الملائمة فقط في الإحصائيات، وهنا لدي مثالين: مثال انتشار الإسلام في الغرب الذي بينته سابقا ومثال التفاهة التي روجتها أجهزة الإعلام الأمريكية في عام 1990 أن صدام حسين يملك رابع جيش في العالم، إذ اكتفت بعد الدبابات والطائرات والجنود (أعداد صحيحة أو قريبة من الصحة) وتجاهلت الاقتصاد والمستوى العلمي والتدريبي والصناعة ونوعية العتاد ومصادر قطع التبديل والموارد الطبيعية و و و و

10 – التناقض أو عدم الثبات على مبدأ، ولا يوجد مثال أوضح من ذلك أكثر من موضوع "الإعجاز العلمي"، فإذا طابق اكتشاف علمي ما تفسيرا ملتويا لجملة ما من القرآن يصبح حقيقة دامغة بينما يتم تجاهل أو تأويل ما هو واضح تماما بأنه تفسير غير دقيق أو مجاز:

- اختار الإسلاميون أن كلمة "دحاها" أنه جعلها بشكل البيضة، أما أن الشمس تغرب في "عين حمئة" و"تسجد لربها" فهو تعبير مجازي.
- اختار الإسلاميون أن تعبير "وإنا لموسعون" تدل على تمدد الكون وهذا قمة الإعجاز بينما الذكر الواضح أن الشهب التي تدور في مسارات محددة حول الشمس يمكن التنبؤ بها لآلاف السنين في المستقبل هي لرجم الشياطين التي تسترق السمع هو مجاز ويجب ألا يفسر بحرفيته.
- والطريف هنا أن نظرية الانفجار الأعظم أصبحت مقبولة لديهم ولا غبار عليها إطلاقا كونهم وجدوا نصا يمكن لوي عنقه لينطبق عليها بينما التطور وكل ما نتج عنه من أبحاث وراثية واستنساخ وتحسين نسل النباتات والحيوانات والأمثلة التي نراها كيف تطور الحشرات والجراثيم مناعتها تدريجيا ضد الأدوية والمبيدات الحشرية، كل هذا يتم تجاهله بكل بساطة لكونه "نظرية غير مثبتة".
- يسخرون من خرافات آلهة الإغريق بينما الطوفان والدببة القطبية التي أتت من القطب الشمالي والبنغوين الذي أتى من القطب الجنوبي وكنغر أستراليا والطوف الذي اتسع لملايين أنواع الحشرات وعشرات آلاف الزواحف والثدييات والطيور وطعام كل ذلك لفترة طويلة، ناهيك عن النباتات (التي يموت أغلبها عند غمرها بالماء) والتربة اللازمة لها وماء الطوفان الذي أتى من حيث لا يعلم أحد وذهب بعد الطوفان إلى حيث لا يعرف أحد وغيرها هي حقائق علمية ثابتة لا ينكرها إلا مكابر أو مغرض !!!

والتناقض ليس في الإعجاز العلمي فقط بل هو راسخ رسوخ الجبال في التفكير الإسلامي والأمثلة كثيرة:
- السنة يرون أن زواج المتعة الشيعي هو نوع من الدعارة (وهذا صحيح برأيي) ولكن التسري بغير حساب وإعارة الجواري والاستمتاع بأكثر من جارية معا لا غبار عليه من الناحية الشرعية.
- الغرب مطالب باحترام الشريعة الإسلامية والمسلمين المهاجرين وعدم ممانعة الدعوة الإسلامية بينما نحن غير مطالبون حتى باحترام مسيحيي الشرق الذين هم أصحاب الأرض مثلنا تماما من فجر التاريخ، ناهيك عن التبشير والعياذ بالله.
- يضحكون من تقديس الهندوس للأبقار بينما تقبيل الحجر الاسود هو قمة المنطقية.
- يشنعون على المسيحيين كهانتهم بينما تدخل المشايخ في الكبيرة والصغيرة وتكفيرهم للناس وارتزاقهم على حساب الشعب ومصادرة حق النقاش من الناس وحصره بهم فقط وفتاوي الجهاد والوعد بالجنة هو "علم ومساعدة في التفسير" فقط. وغيرها وغيرها

10 – إثبات نتيجة لا علاقة لها بالفرض (حتى لو كان الفرض صحيحا)، أي عدم الترابط المنطقي: من الأمثلة المضحكة على ذلك: لو كنت تحبني لاشتريت لي هذه الهدية، ولكن ليست كل الأمثلة واضحة بهذا الشكل:
- الإسلام دين إرهاب، يكفي أن تنظر للإرهاب في العالم حاليا حتى تعرف ذلك. (لا تحاكم الفكرة أو العقيدة من تصرفات أشخاص، بل تحاكم بذاتها).
- المسيحية هي دين الحق، ألا ترى أنها أكثر الأديان انتشارا في الأرض ؟ (عدد المعتقدين بفكرة لا علاقة له بصحتها أو عدمها).

11 – حدث بعد هذا، إذا فهذا هو السبب، أي لمجرد أن حادثا ما قد وقع بعد حادث آخر فهذا لا يعني أن الحادث الثاني كان نتيجة للحادث الأول ومن الأمثلة الصارخة على ذلك هو مثال الحضارة التي ازدهرت في العصر العباسي وقوة الدولة وقتها وكيفية استدلال الإسلاميين من ذلك على عظمة الإسلام. ولكن،
- هل يرجع الفضل في حضارة اليونان القدماء إلى سمو معتقداتهم الدينية وكون زيوس هو إله الحق ؟
- هل يرجع سبب حضارة الفراعنة الرائعة إلى عقلانية دينهم وكون الفراعنة آلهة فعلا ؟
- هل ترجع حضارة بابل وبقية حضارات بلاد الرافدين إلى أنهم كانوا يتبعون دين الحق الذي أتى به تموز وعشتار وبعل ؟ والصينيين ؟
واليابانيين والغربيين أخيرا ؟ لماذا فقط الحضارة الإسلامية نتجت عن صحة الدين ؟؟؟؟

كل هذه الحضارات - وضمنها "الحضارة الإسلامية" - نتجت عن عدة عوامل: الدولة المستقرة نسبيا، التحضر (عكس البداوة)، الرخاء الاقتصادي النسبي، قدر معين من حرية التفكير، وهذا السبب الأخير هو برأيي سبب الإنطلاقة الصاروخية للحضارة الغربية الحالية كما نعرفها قبل أي شيء آخر. وكل هذه العوامل ليس لها أي علاقة من قريب أو بعيد بالدين

12 – الأسئلة العبثية أو عديمة المعنى أو المناقضة لذاتها، والمثال الأشهر على ذلك هو سؤال: هل يستطيع الله خلق صخرة كبيرة جدا بحيث لا يمكنه تحريكها ؟ أمثلة أخرى:
- هل يستطيع ذهن الإنسان القاصر فهم طبيعة الله غير المحدودة ؟
- هل يستطيع الله خلق إله يماثله ؟
- لماذا الكلاب ليست قططا ؟

ومن أمثلة قرأتها في طروحات منتدى اللادينيين العرب:
- اذا اردت ان تعصي الله فلا تاكل من رزقه ؟
- اذا اردت ان تعصي الله فلا تسكن في بلاده. ؟
- اذا اردت ان تعصي الله فاذهب واعصيه في مكان لا يراك فيه ؟

وبالرغم أنها ليست أسئلة إلا أنها طرحت كذلك

13 – التطرف أو إلغاء الوسط: وهذه المغالطة منتشرة بشكل فظيع في الفكر الديني والوطني والعقائدي (أي جميع أنواع الدوغما) بشكل خاص:

- من كان ليس معنا فهو ضدنا (سيدنا جورج بوش الابن عليه السلام).
- يقسم العالم لفسطاطين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان (مولانا أسامة بن لادن كرم الله وجهه).
- إما أن تحب بلادك أو تكرهها.
- إما أنت طيب أو شرير.
- إما أنت وطني أو خائن.

واحدة من أفظع مشكلات الفكر الديني عموما والإسلامي خصوصا هي عدم وجود الحلول الوسط: إما أن تقبل الإسلام كما هو بدون أي اعتراض أو تعديل (حسب المذهب طبعا، فإسلام السنة غير إسلام الشيعة) وإما تكون كافرا أو مرتدا حلت عليك لعنة الله والناس أجمعين.

لا يمكن حصر المآسي التي سببها هذا النمط من التفكير وللأسف الشديد فإن التطرف والاستقطاب يزدادان في العالم حاليا بشكل مخيف وعند جميع الأطراف.

14 – المدى القريب / المدى البعيد: حالة خاصة هامة من تجاهل الوسط، أي تجاهل المنفعة البعيدة الأمد لحساب حل سريع قد يكون غير كاف في الكثير من الحالات: من الأمثلة الجيدة جدا والمعاصرة هي طريقة تعامل الدول العربية مع إسرائيل، وخصوصا دول "الصمود والتصدي" أو ما بقي منها:
- لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
- يجب حشد كل طاقاتنا في معركة المصير.
- لا يمكن الحديث عن الديمقراطية بينما أرضنا محتلة.
- يجب توجيه الاقتصاد نحو الناحية العسكرية كي نستطيع الدفاع عن أنفسنا.
- يجب عدم بحث أي مواضيع فرعية مثل المشكلة الطائفية المستعصية أو الفساد كي لا نظهر ضعفاء أمام العدو. وما إلى ذلك من الشعارات الجوفاء.

وبصرف النظر عن صدق نوايا رافعي هذه الشعارات (أغلبهم لصوص وقطاع طرق وانتهازيون وهم أول من يعرف خواء كلامهم ونفاقه)، فهذه المغالطة منتشرة بشكل هائل حتى في أوساط عامة الناس التي تقودها عاطفتها قبل عقلها ويثيرها الكلام الحماسي وعنتريات أحمد سعيد في الستينات وسعيد الصحاف الأحدث منها.

بمناقشة سريعة، إسرائيل تملك قنابل نووية ليس هناك أدنى شك بأنها ستستعملها إذا لزم الأمر وكان هناك تهديد فعلي لوجودها، إسرائيل لديها عدد من أرقى المعاهد العلمية والجامعات في العالم، إسرائيل لديها صناعة متطورة واقتصاد يتفوق على معظم الدول العربية مجتمعة، ناهيك عن جيشها والدعم الأمريكي لها، ما هي فرصتنا في تحقيق نصر عسكري عليها حاليا (أو في أي مرحلة من مراحل وجودها السابقة) ؟ صفر.

نحن لسنا أول أمة تهزم في التاريخ ولن نكون الأخيرة، هزمت قبلنا اليابان وألمانيا واحتلتا وقسمتا وتعرضتا لأهوال تبدو أمامها خسائرنا أمام إسرائيل تافهة ولا تذكر ورغم ذلك لم تستغرق كلتيهما إلا عشرين أو ثلاثين سنة كي ترجع إلى مقدمة العالم كثاني وثالث اقتصاد عالمي على التوالي.

لم تستخدما التفجيرات الإنتحارية والمظاهرات الصاخبة والشعارات الفارغة والخطب الرنانة والتحريض الحماسي والجعجعة بالنصر والتحرير، بل تقبلتا بصبر حقيقة الهزيمة وعملتا على تجاوز ما أدى بهما إلى هذه الهزيمة واليوم أصبح مواطنو روسيا التي هزمت ألمانيا يحلمون بفيزا لدخولها والعمل في محطة بنزين بها.

هزمت الصين وأذلت أكثر من مرة ولم تستطيع تجاوز هزيمتها إلا عندما تخلت عن الشعارات والإيديولوجيات الفارغة والرفيق ماو وكتابه الأحمر وها هي اليوم في طريقها لتصبح من أول دول العالم.

وربما لو اتبعنا طريقتهم لأصبح اليهود يحلمون بمواطنية الدول العربية، ربما.

15 – المنحدر الزلق: أي بناء سلسلة من الافتراضات غير المثبتة بناء على تصرف معين وتقديمها كحقيقة، وكاسم آخر، مغالطة الدومينو، وهي نوع خاص من مغالطة عدم الترابط المنطقي التي ذكرتها سابقا. توجد نكتة قديمة تبين هذه المغالطة بشكل كوميدي:

أرادت امرأة أن تستعير مكواة من جارتها، وهي في الطريق فكرت أن جارتها ستمانع في الإعارة أولا ثم تتبع ذلك بالمنة ثم ستقول للجيران أنها استعارت منها المكواة نظرا لبخلها كي لا تشتري واحدة وهكذا، عندما رنت الجرس وفتحت لها الجارة وقبل أن تفتح الجارة فمها قالت لها: لا حاجة لي بمكواتك اللعينة، رديها عليك.

وكمثال آخر: يجب الا تسحب يانصيب لأن اليانصيب نوع من القمار، فإذا قامرت فستتعود على القمار وتفقد كل مالك ثم ستستدين من المرابين ثم تلجأ للجريمة كي تسد ديونك ثم ستنتهي في السجن وتتفكك عائلتك ويتشرد أولادك !

أما إذا رجعنا للجدية، فالمثال الأوضح على هذه المغالطة والذي يتكرر بانتظام عجيب وإن بصياغات مختلفة في حوارات المتدينين هو التالي: إذا انتشر الإلحاد فسيفقد الرادع الديني للناس وبالتالي فستزول الأخلاق وتعم الجرائم وتفقد الثقة بين الناس. قام الكثير من اللادينيين مشكورين بالرد على هذاه المغالطة ولا يوجد لدي ما أضيفه على ردودهم.

مثال آخر طويل هو ما ما نقله أحد المحاورين المسلمين مرة عن "الإعجاز الاقتصادي" في القرآن بتحريم الربا، إذ يكاد يكون كله مبني على هذه المغالطة ومغالطة التحذير من العواقب الوخيمة. حتى وصل الاسترسال في الخيال بلا دليل بالأمر إلى أن الربا هو سبب كثرة أمراض القلب !!!!

16 – الخلط بين العلاقة والسببية، أي أنه إذا كانت توجد علاقة ما بين ظاهرتين فهذا لا يعني بالضرورة أن إحداهما كانت سببا للأخرى حتى لو كانت العلاقة صحيحة، مثال: لاحظت الإحصائيات أن نسبة المصابين بالسرطان من قاطني الأبنية العالية أكبر بكثير من نسبة المصابين القاطنين في أبنية منخفضة، نستنتج من ذلك أن علو البناء مسبب للسرطان. تبدو المغالطة هنا مضحكة ولكن العلاقة موجودة فعلا، المغالطة هنا ليست صحة العلاقة بل نسيان عامل أن الأبنية العالية توجد عادة في مراكز المدن التي يكثر فيها تلوث الجو.

بالرغم من وضوح سخف المثال السابق إلا أن هذه المغالطة واسعة الانتشار وأحيانا قد تمر بغير ملاحظة إذا موهت بشكل جيد، يستعمل الناس هذه المغالطة في تأييد مواقفهم المسبقة، ولا يوجد مثال أوضح على ذلك من موضوع المرأة في الإسلام، يقول المسلم: أنت تناقش في كون عقل الرجل أرجح من عقل المرأة، انظر حولك وأخبرني، كم يوجد من العلماء الذكور وكم من الإناث ؟ كم يوجد من القادة الذكور وكم من الإناث ؟ والقضاة ؟ والأدباء ؟ ألا ترى بعينيك ؟؟ أتماري في الحق ؟ وهذا على صعيد العالم كله وليس فقط في الشرق الأوسط ؟

الظاهرة موجودة بلا شك ولا جدال فيها والإثبات الإحصائي لا نقاش فيه لكن هذه الحجة تتناسى العوامل المسببة لذلك: تفضيل الأولاد الذكور في التعليم والتوظيف وفتح الفرص أمامهم، توجيه الإناث نحو الزواج من الصغر وإبعادهن عن الحياة العملية، الذكورية المتأصلة في الرجال والتي لا ترضى أن تتفوق عليها النساء، كل هذه العوامل لا تتعلق من قريب أو بعيد برجاحة عقل المرأة. أنا هنا أتحدث عن العالم كله وليس الإسلام تحديدا الذي ذي أكرم المرأة بجمعها مع الحمار والكلب في حديث واحد.

الخلط بين العلاقة والسببية هي المغالطة المفضلة أيضا لدى العنصريين لإثبات تفوقهم على غيرهم وعمليا يمكن إدراج كل براهينهم تحتها.

17 – رجل القش: أي إظهار خصمك بشكل ساخر كي تظهر حجته في ضوء سلبي:
- هل تريدني أن أناقش من يقول أن جده قرد ؟
- انظروا ما أسخف كلامه، يقول أن كل التعقيد المذهل للحياة وليد الصدفة ؟
- محبو البيئة يهتمون بالحيوانات البرية أكثر مما يهتمون بتعليم الأطفال وصحتهم (شكل آخر من أشكال مغالطة المدى القصير / البعيد).

18 – إخفاء الحقائق، أو تقديم حجة معينة بوجه معين (قد يكون صحيحا) وعدم ذكر الوجوه الأخرى. تصادفنا هذه المغالطة أكثر ما يمكن في الدعايات التي تتغنى بمزايا منتج معين (قد تكون المزايا موجودة فعلا) ولكن "تنسى" ذكر أن المنتجات المنافسة تقدم نفس المزايا تماما وربما بسعر أقل و"تنسى" أيضا ذكر مساوئ هذا المنتج. المثال الأكبر على ذلك من واقع حياتنا في الشرق الأوسط هو موضوع الغرب المنحط المنحل، تجد الإسلاميين حديثا وقبلهم العروبيين الثوريين يقدمون الدراسات المعمقة والتحليلات الرائعة عن الفقر والجريمة في الغرب والتفكك العائلي في بلاد الكفر والتمييز العنصري في أمريكا والعنف المنزلي إلخ ..

أذكر تماما أنه في أوائل الثمانينات كانت الصحف السورية الرسمية تخصص مقالا يوميا عن بؤس الحياة في أمريكا وتزينها بالإحصاءات الصحيحة (المنقولة عن مصادر أمريكية) عن الأمية ومعدلات الجريمة و... تكفي طبعا رؤية صفوف الناس على باب السفارة الأمريكية وغيرها من السفارات الغربية بانتظار الفيزا وحدها للرد على سخافة هذه الدراسات.

هذه المغالطة منتشرة بشكل واسع جدا في الإعلام العالمي عموما والعربي خصوصا حيث تستخدم بانتظام في تقديم العدو كشيطان رجيم بالتركيز على كل ما هو سيء فيه وإغفال ذكر أي إيجابية.

19 – الكلام المعسول، أي تغيير الاسم بدون تغيير المسمى. أنت عندك مشكلة أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية عويصة ولا يوجد أي طريقة لتجاوزها، ماذا تفعل ؟ الجواب بسيط: غير اسمها باسم آخر أفضل ويمكنك بعد ذلك التغني بها أيضا كإيجابية. وهنا لدي مثالين ممتازين:

المثال الأول: الفائدة على القروض: أنت تاجر، تريد زيادة مبيعاتك وذلك بالبيع بالتقسيط ولكن لا يوجد أي مغفل في العالم يقبل أن يتحمل مخاطرة الإقراض بدون مردود، وحتى في حال عدم وجود المخاطرة، لماذا أقبل بتجميد أموال يمكن استثمارها في قروض بلا فائدة ؟ وأنت مؤمن لا يمكنك تحمل سمعة أنك تأكل مال "الربا" الحرام، ماذا تفعل ؟ المشايخ لديهم الحل، غير اسم الفائدة بأسماء أخرى وانتهى الموضوع، وكل ما سأذكره مر معي شخصيا:
- البضاعة لها سعرين: سعر النقدي وسعر التقسيط !!!
- أنا لا أبيع نقدي إطلاقا، إذا أردت سعر النقدي إذهب إلى جاري !!!
- أنا لا أتعامل في الفائدة والعياذ بالله، ولكن سأدلك على واحد سيقرضك، أنا آخذ منه ثمن بضاعتي نقدا وهو يقسط بفائدة !!

المثال الثاني: حروب الفتح الإسلامية، أنت بدوي تريد غزو البلاد المجاورة المتحضرة ونهبها وسبي نسائها واستعباد رجالها، ماذا تفعل ؟ تجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق طبعا وماذا غير ذلك ؟ لنتصور سخف الرواية، أنت امبراطور بيزنطة وريث حضارة ودولة عريقة وقوية تأتيك رسالة من شخص لم تسمع به في حياتك من مكان لا تعرفه في صحراء قاحلة لا يوجد بها إلا قبائل من البدو وقطاعين الطرق تطالبك باتباعه نظرا لأنه رسول الله الحامل لدين الحق، هكذا بدون أي مقدمات أو شروحات، ماذا تفعل ؟ إذا تجاوزت الرسالة بواب القصر ووصلت إلى الإمبراطور (وهذا مستبعد) فالأغلب أنه سيستلقي على ظهره من الضحك ويقول "مسكين، الله يشفيه" هنا افترضت أنه كانت هناك رسالة فعلا، وأنا أشك كثيرا بهذه الرواية لأني أعتقد أن محمد كان أذكى من يرتكب مثل هذه الغلطة.
المهم، بعد عدة سنوات تشاهد مجموعة المحاربين المدججين بالسلاح تقترب من حدودك تعطيك الخيارات المنطقية التالية:
- الاستسلام وتوليتهم الحكم وتحويل نفسك إلى مواطن من الدرجة العاشرة تدفع الجزية وأنت صاغر وذليل.
- القتل ونهب الخيرات وسبي النساء والأطفال وإرسالهم إلى المدينة "المنورة" ليتمتع بهم "الصحابة الأطهار المبشرون بالجنة"

ثم يسمى ذلك "جهادا في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق"، من كل العجائب التي يزخر بها التاريخ الإسلامي لم أر أسخف من هذه.

في نهاية الموضوع أحب أن أنوه أنه ببحث بسيط على الإنترنت يمكن لأي شخص يعرف الإنكليزية الاستزادة كثيرا في موضوع المحاججة المنطقية وطرائقها وتقنياتها وكيفية إدارة الحوار. لا أعرف مدى انتشار كتابات من هذا النوع باللغة العربية ولكني لا أتوقع الكثير فكتابات من هذا النوع قد لا تكون محبذة لدى حماة الأخلاق والقيم المسلطين فوق رؤوسنا.



قراءة بقية المقال