1‏/7‏/2013

الحمقى المفيدون

الحمقى أو البُله المفيدون Useful Idiots هو تعبير أطلق في البداية على حسني النية من مواطني الدول الغربية الذين روجوا للإيدولوجيا الشيوعية واليسارية بصفتها منهجاً أخلاقياً وطريقاً لتقدم البشرية، حيث كانت الفكرة أن هؤلاء كان يستخدمهم ستالين وغيره لتسويق الفكر الشيوعي وتمرير الأجندات السياسية السوفياتية التوسعية مع احتقاره لهم بصفتهم مجموعة من الأغبياء الذين انطلت عليهم الدعاية الشيوعية التي صورت "الجنة الاشتراكية" كمثال يحتذى. بعد ذلك تم التوسع في استخدام هذا المصطلح لكل شخص يعمل بحسن نية كأداة في يد جهة ما تستفيد من سذاجته في تصديق دعايتها.
ما أريد التكلم عنه هو نوع آخر من الحمقى المفيدين، يختلف فقط في كونه لم يصدق دعاية الطرف المستفيد من حماقته، بل صدق كذبه ألفها هو بنفسه ووجدها الطرف المستفيد أداة رائعة لتحقيق أهدافه.
من أتكلم عنهم طبعاً هم أتباع الإسلام السياسي بأطيافه المختلفة بدءاً من "المعتدلين" منهم كالإخوان المسلمين أصحاب "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية" (الحق يقال أنني شديد الإعجاب بمن اخترع هذا المصطلح)، وانتهاء بالمهووسين السلفيين من حاملي السواطير الذين لا يجدون غضاضة في الدعوة للغزو والسبي وفرض الجزية وإرجاع زمن الخلافة ويا غلام اضرب عنق عدو الله.
الطرف المستفيد حالياً بالطبع هو حكومة الولايات المتحدة والمصالح التي تمثلها: مصالح النفط والمال وصناعة الأسلحة وبالطبع إسرائيل، وأقول حكومة وليس الولايات المتحدة نفسها لأن المواطن الأمريكي العادي لربما كان متضرراً من السياسات التي تتبعها حكومته، بدرجة أقل طبعاً من الحمقى المفيدين وأقل بكثير ممن شاء له حظه العاثر الولادة في البلاد التي لهؤلاء الحمقى نفوذاً فيها والتي تشكل "الأمة الإسلامية" حالياً. وسأختصر في بقية المقال وأذكر أمريكا ولكني أعني بها حكومتها فقط.
بدأت القصة عملياً في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، أيام دخول المشاريع العلمانية والاشتراكية في الدول ذات الأغلبية الإسلامية في مرحلة الاحتضار والإفلاس وصعود التيار الإسلامي ليملأ الفراغ الإيديولوجي الذي أخلته. تجلى ذلك بأوضح الأشكال في انهيار حكم الشاه في 1979 ليحل الخميني محله وانقلاب السادات في مصر على الإرث الاشتراكي لعبد الناصر ودعمه للتيارات الدينية لمحاربة هذا الإرث وتمرد جهيمان العتيبي في مكة والتراجع عن أغلب المكتسبات المدنية في السعودية الذي تلاه لصالح أشد أنواع السلفية تزمتاً وكان هذا ثمن دعم رجال الدين الوهابيين في سحق التمرد. ثم أتى التدخل السوفياتي في أفغانستان عام 1980 وكان أول استخدام للحمقى المفيدين من قبل أمريكا وتكلل بنجاح منقطع النظير بعد ذلك بثمان سنوات بخروج الاتحاد السوفياتي المذل من أفغانستان.
في هذا الوقت كانت رياح البيروسترويكا بدأت تعصف ببناء الاتحاد السوفياتي الهش لينهار بشكل كامل في عام 1992 وينتهي بذلك أي تحدي أو تهديد للهيمنة الأمريكية على العالم، لا أريد التوسع هنا في المبالغة الأمريكية الكبيرة في التهديد السوفياتي لأمنها أثناء الحرب الباردة، سأذكر فقط أنه في النهاية من يربح أي حرب هو صاحب الاقتصاد الأقوى (ما عدا حروب الإبادة المتبادلة النووية التي لن يربح بها أحد)، وفي مجال الاقتصاد كان الاتحاد السوفياتي وكتلته متخلفاً بأشواط بعيدة عن الغرب.
في نهاية الثمانينات وبدايات التسعينات كان من الواضح أن الحرب الباردة قد انتهت وفقد بنهايتها التجمع العسكري-الصناعي الأمريكي American Military-Industrial Complex المبرر في الاحتفاظ بالجيش الأمريكي الكبير بغياب عدوه الشيوعي التقليدي وأصبح من الصعب تبرير الإنفاق العسكري الأمريكي الأسطوري وإقناع المواطن الأمريكي بأنه عليه قبول اقتطاعات في الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية للحفاظ على جيش عرمرم وقواعد عسكرية تنتشر في زوايا الأرض الأربع للدفاع ضد خصم لم يعد موجوداً. ولوضع الأمور في منظورها الصحيح عن حجم هذا الانفاق أذكر هنا أن الإنفاق العسكري للولايات المتحدة وحدها يعادل إنفاق بقية دول العالم مجتمعة تقريباً !!.
وهذا الانفاق العسكري قد يبدو غير مبرراً فعلاً من وجهة نظر المواطن الأمريكي، ولكن من يمسك بمفاتيح القوة في أمريكا وفي كل دول العالم تقريباً ليس هو المواطن العادي، بل صاحب المال والنفوذ وهو المستفيد الحقيقي من هذا الانفاق، فما الحل ؟ يجب إيجاد بديل بسرعة. ولا يوجد بديل أفضل من الإسلاميين حتى لو قامت أمريكا بتصميم هذا البديل بنفسها (ولا أعتقد أنها قامت بذلك، بل استغلت ما هو موجود فعلاً)، فهذا البديل:
1 – بخلاف الاتحاد السوفياتي الذي كان برغم نقاط ضعفه يملك ترسانة نووية مرهوبة الجانب ونخبة من ألمع العلماء وبرنامج فضائي وعلمي وصناعة ثقيلة بل وحتى فن وأدب راق ورياضيين من الدرجة الأولى إلخ...، بخلاف هذا كله الإسلاميون (وأعني بهم دعاة الإسلام السياسي وليس المسلمين) هم مجموعة من الهمج المتخلفين لا يملكون أي قوة حقيقية يمكن أن تشكل أي تهديد جدي أو حتى شبه جدي لمصالح أمريكا. كانت قمتهم في 11 سبتمبر حيث قتلوا حوالي 3,000 أمريكي، فإذا جمعت هؤلاء مع كل جندي ومدني أمريكي قتل في العراق وأفغانستان وكل مكان آخر على يد الإسلاميين خلال الأربعين سنة الماضية بأكملها فلربما وصلت في أكبر التقديرات إلى خمسة عشر ألف شخص، للمقارنة فقط يموت في الولايات المتحدة في السنة الواحدة فقط أكثر من ضعف هذا الرقم من حوادث السير وحدها....
2 – الإسلاميون عدو مثالي من ناحية الشكل: لحى شعثاء قبيحة وعمائم ولباس غريب للرجال وأكياس سوداء تلف النساء من الرأس إلى أخمص القدم. كل هذا يسهل كثيراً شيطنة هذا العدو ويسهل تصوره كبعبع للمواطن الغربي العادي.
3 – الإسلاميون عدو مثالي أيضاً من ناحية المضمون: خطاب سياسي واجتماعي ينتمي إلى ما قبل العصور الوسطى يطالب بعض المخبولين فيه بإرجاع الخلافة وبتطبيق عقوبات همجية تثبت صورة المسلم كبربري متوحش، وإصرار لا حدود له على تحنيط النساء وقمعهن وحصرهن، وخطاب عنصري كاره لا مثيل له تجاه غير المسلم بل والمسلم الآخر أيضاً.
4 – الإسلاميون عدو مثالي من ناحية الغرور والجعجعة الفارغة والعنتريات التي ما قتلت ذبابة، هم يصدقون فعلاً ثنائية المسلمون-الغرب السخيفة، وكيف أن الغرب يرتعد خوفاً من المارد الإسلامي الجبار الذي ما أن يستيقظ حتى يسود العالم ويملأه عدلاً، وبمنتهى الجدية يهددون أمريكا والغرب كله بالموت والدمار والويل والثبور وعظائم الأمور وبرفع رايات التوحيد خفاقة فوق روما وواشنطن وما إلى ذلك من الكلام الفارغ الذي لا يفيد إلا في إثارة خوف العامة في الغرب مما يساعد المستفيد الحقيقي أكثر وأكثر.
5 – الإسلاميون عدو مثالي من حيث كونهم شبح لا يمكن القضاء عليه، لا توجد لهم دولة يمكن غزوها ولا جيش يمكن هزيمته والانتهاء منه، وهكذا يمكن استخدامهم عملياً بلا نهاية وخصوصاً أن حظ منطقتنا التعيس ابتلاها بالنفط أولاً وإسرائيل ثانياً، مما يضمن وجود مستمر لأمريكا فيها وبالتالي استفزاز مستمر للجماعات الإسلامية الجهادية التي لا بد بين الفينة والأخرى أن تقتل بضعة أمريكيين وتستدعي رداً بالتالي يسبب المزيد من دورات الكراهية والانتقام المتبادل.
وهكذا وجدت أمريكا عدوها المثالي الصادق في عداوتها وفي نفس الوقت المفيد جداً لها وذلك بثمن بخس للغاية وهو حفنة من القتلى بين الفينة والأخرى.
في النهاية أقول أنه ليس لدي وثائق تدعم هذا التحليل، لكنه برأيي أفضل تعليل ممكن لسياسة أمريكية تبدو متناقضة بشكل غريب ظاهرياً، فهي تدعم الشيعة ضد السنة في العراق والسنة ضد الشيعة في سوريا، وتتحالف مع المجاهدين في ليبيا وتقصفهم في باكستان وتتحالف عضوياً مع منبع الوهابية والمصدر الأول لها مع علمها الأكيد أن هذه الإيديولوجية هي التي أفرزت من ضربها في 11 سبتمبر والأمثلة أكثر من أن تحصى.
عندما تدعم أمريكا الجهاديين في بلد ما لتحقق غاية لها فهي لا تفعل ذلك عن غباء كما يبدو ظاهرياً، هي تعرف تماماً أن بعض هذا الدعم سيستخدم ضدها وربما قتل بعض الأمريكيين على يد من دعمتهم، لكن هذا كما أسلفت ثمن مقبول لصاحب المصلحة الحقيقي.
باختصار كلما زاد الإسلاميون تخلفاً وغضباً وهياجاً وذبحوا وحرقوا وعاثوا في الأرض فساداً أكثر كلما خدموا مصالح صانعي السياسة الأمريكية بشكل أفضل، ولا عزاء للضحية الحقيقية لذلك كله وهو من شاءت له الأقدار أن يكون على الطرف المتلقي لغضب الإسلاميين وأمريكا معاً.